وللعلم عندهم ذروة لا يقنعون دون بلوغها  تلك هي “الفهم عن الله”.

أجل إن العلم نورهم على الطريق، ودليلهم إلى الله، وعصمتهم من الانحراف والزلل.. ولكنه فوق ذلك، القوة التي تشحذ فيهم البصيرة، التي يطالعون بها قلب الأشياء.

إنهم بالمجاهدة الصادقة وبالتعلم الحق، يمتلكون هذه الحاسة النادرة والباهرة التي تمكنهم من رؤية الحكمة المستترة في الأعماق البعيدة الغائرة لبحار المعرفة ومفاوز السلوك.

وإنهم ليتعبدون ويتعلمون، ثم يتعبدون ويتعلمون حتى تجيء الساعة المباركة التي يجنون فيها أولى بركات جهادهم فيمتلكون البصيرة التي تجعلهم يرون ما لا يرى الناس، ويعرفون ما لا يعرف الناس.

يقول “الربيع بن أبي راشد” في ابتهاله إلى ربه:

“اللهم اجعلني ممن يعقل عنك”.

كم هي عميقة وبالغة الدلالة، هذه العبارة المبتهلة.. فإن يبلغ المرء الدرجة التي “يعقل” فيها عن الله إنه إذن لذو حظ عظيم.

ولقد سئل “عطاء بن أبي رباح”:

“ما أفضل ما أعطي العباد؟”

“فقال: الفهم عن الله عز وجل”.

فإن يعقل الإنسان المؤمن عن الله ويفهم، يعني أنه صار قادرا على أن يتعامل لا مع الأشياء، بل مع جوهرها وقلبها.. ويعني أنه قد صار “عبدا ربانيا” بنور الله ويضرب بيده!!

و”أهل الله”: لأنهم بلغوا هذه المنزلة رأيناهم يتحررون من عبادة الأشكال وعبادة النصوص.

وعلينا  إذن- حين نرى أحدهم لا يعبأ بالشكل، ولا يقف عند ظاهر النص ألا نرد تفسير ذلك إلى جنوح وتطرف .. بل إلى تلك النعمة الكبرى التي معهم  “نعمة” البصيرة والفهم عن الله.

على أنهم في مقامهم هذا وبموقفهم هذا لا يتمردون أبدا على العلم بمصادره المعروفة ولا ينفصل سلوكهم قيد شعرة عن الخط الذي رسمه القرآن ورسمته السنة.. إنما يمارسون التعاليم من خلال تجربتهم التي أثراها عطاء الله، وزاد من إدراكها نوره.

ولهذا، فإن “بصيرتهم” هذه تعمل بحرية ملتزمة، ولكن إلى أبعاد لا تكاد ترى لها حدودا.

وهذا يفسر  فيما يفسر- سبب التفاوت الذي نلحظه في أذواقهم وأعمالهم.

فبينما يؤثر بعضهم التقشف والشظف، يؤثر البعض الآخر التمتع المباح بطيبات الحياة.

ويفضل بعضهم مثلا إخفاء العبادة، ويؤثر بعضهم إعلانها.

يقول “بكر بن عبد الله المزني”:

“لأن أعافى فأشكر خير من أن أبتلى فأصبر”.

ولكن إلى جواره، نجد آخرين يفضلون البلاء ليطهرهم ويصهرهم.. ثم آخرين لا يفضلون هذا ولا ذاك.. لأنهم لا يختارون لأنفسهم.. وإنما يختارون ويؤثرون ما يختاره الله رب العالمين.

وهذا حوار جرى بين اثنين من “أهل الله” هما “هرم بن حيان” و”عبد الله بن عامر” كانا يؤمان الحجاز معا.. وخلال السفر وقد بلغا من الطريق أرضا مشجرة، أخذت راحتاهما تخالجان أوراق الشجر، فقال هرم لابن عامر: أتحب أنك شجرة كهذه، وتنجو من الحساب والعقاب؟

قال ابن عامر: لا والله، فإني لأرجو من رحمة الله ما هو أوسع من ذلك..

قال هرم: أما أنا، فقد وددت لو أني شجرة من هذا الشجر، تأكلني هذه الراحلة، ثم تقذفني بعرا، ولا أكابد الحساب يوم القيامة.

ويحك يا ابن عامر .. إني أخاف الداهية الكبرى!!

فهذان رجلان من الأبرار يختلف اتجاههما النفسي. فينزع أحدهما إلى الرجاء في رحمة الله نزوعا لا ينسيه أبدا مشاعر التوقير لحساب الله .. وينزع الآخر إلى الخوف الشديد من الله. ودون أن ينسى أيضا أن الله كتب على نفسه الرحمة.

ولكنهما معا في هذا التباين لم يذهبا بعيدا عن كتاب الله ولا عن سنة رسوله ولا عن العلم الحق الذي منه ينهلون.

فمنهجهم مختلف، ولكنه في الحقيقة متفق .. ومتعدد، ولكنه في الحقيقة واحد.

يقول “داود بن أبي هند القاري”:

“إذا أخدت بالذي أجمعوا عليه، لم يضرك الذي اختلفوا فيه”..!!

وهي قاعدة ذهبية لا تهدي بنورها السائر فقط في دروب “أهل الله” والماخر عباب عالمهم.. بل هي كذلك “وصفة” بارعة في مجال الفقه، وعالم الفقهاء.. هذا العالم الممتلئ بوجهات نظر لا تؤذن بانتهاء!!

ولأنهم أوتوا نعمة “الفهم” عن الله عز وجل، فقد تفوقوا على كل المتاهات الكلامية التي لم يخرج الجدل منها بطائل عبر مئات السنين.

فمسألة “القدر” مثلا، ماذا خرج به العقل الإنساني خلال معارك الجدل والكلام التي استمرت قرونا، ولا يزال؟ لا شيء أبدا.

أما أولئك الذين يطالعون قلب الأشياء، فقد فهموا روح النصوص التي تناولت القدر في القرآن وفي السنة.. فهموا روح النص، وسمعوا نبضه الوثيق، وعبروا عن القضية كلها بكلمات تناهت في اليسر، لكن ليس يفوقها ولا يغني غناءها أي من تلك الفلسفات التي لا يؤذن حديثها بانتهاء.

يقول “المنذر بن مالك”:

“ينتهي القدر إلى هذه الآية (إن ربك فعال لما يريد)”!!!

أجل.. في قلب هذه الآية الكريمة كل قضية القدر، لمن ينظر إليها موجه من وجوه الإيمان.. لا كمشكلة من مشاكل الفلسفة وموضوع لاستعراض قدرة الذكاء الإنساني على الجدل والحوار.

فأن يكون الإنسان “مسيرا” أو “مخيرا” أو “هما معا” فإن ذلك كله لن يفني حقيقة أن الإنسان شيء من أشياء الله وخلق من خلقه.. وأن الأمر كله، والملك كله لله الواحد القهار، وأن أعظم مخلوقاته سواء كان الإنسان أو غيره يفعل أحيانا ما لا يريد.. ويريد أحيانا ما لا يستطيع أن يفعل.

أما الله، فهو  وحده- الفعال لما يريد!!

أجل، صدق “المنذر بن مالك” وصدق معه أهل الله العارفون.

فعند هذه الآية الكريمة ينتهي القدر وعندها يبدأ الفهم الصحيح لقضيته.

فليبذل أهل الأرض جميعا كل جهودهم لإشقاء إنسان يريد الله إسعاده. فالنتيجة معروفة ولا شك فيها، تؤكدها الآية الفاصلة (إن ربك فعال لما يريد)!!

وليبذل الطب كل معجزاته لإنقاذ حياة من الموت، قد جاء عند الله أجلها. فالمصير معروف (إن ربك فعال لما يريد)!!

هذا هو الذي يعني المؤمنين فهمه من القدر. بل وهذه هي روح قضية القدر أدركها الذين “فهموا” عن الله، والذين أوتوا “البصيرة” التي تنفذ في مثل لمح البصر إلى “قلب الأشياء” وليس إلى أشكالها الباهتة.

وهذا الفهم عن الله، أفاء على “أهل الله” تلك النعمة التي تخصصوا فيها وعرفوا بها  نعمة الزهد والورع.