فوجئ طلبة كلية العلوم بن مسيك، كما إخوانهم ببعض كليات بلدنا الحبيب، مع بداية الموسم الدراسي الحالي بأن البرمجة الزمنية لحصصهم الدراسية قد التهمت وقت صلاة الجمعة، مما يحول بينهم وبين أداء هذه الشعيرة الإسلامية التي أجمع علماء المسلمين على أنها فرض عين على كل مسلم حر عاقل بالغ مقيم قادر على السعي إليها خالٍ من الأعذار المبيحة للتخلف عنها، والتي حصروها في المرض والسفر أو الخوف. مصداقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله أصحابه رضوان الله عليهم: « يا رسول الله ما العذر؟» قال: «خوف أو مرض»(1). وعن طارق بن شهاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبي أو مريض».(2)

لقد شدد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر التهاون والتكاسل عن صلاة الجمعة في الجماعة وحذر وأنذر، مصداقا لقول الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله»(3).

فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار»(4).

وعن أبي الجعد الضمري، وله صحبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من ترك ثلاث جمعات تهاونا طبع الله على قلبه! »(5)

لست قاضيا أتهم أحدا في دينه، أو أوزع الأحكام الجاهزة على أحد، ولكن حسبي في هذا المقال أن أتساءل عن سر هذا التطاول المشين على إحدى المقدسات والشعائر الإسلامية في بلد أبناؤه مسلمون، ودستوره ينص على أن دين الدولة الإسلام، وفي كل جمعة أومناسبة تنقل وسائل الإعلام الرسمية مراسم أداء صلاة الجمعة؟!

أبهرجة إعلامية هي؟ وكذب ونفاق؟ أم أن هذه التصرفات الطائشة اجتهادات غير مسؤولة من أشخاص مسؤولين؟

الأمر لا يخرج عن احتمالين: إما أن يكون من يقف وراء هذه البرمجة المختلة، لا يفقهون ما ينبغي أن يعلمه الناس من الدين بالضرورة، وهذا عذر أقبح من زلة. وحتى إذا حصل هذا مع بعض الأساتذة والإداريين، فأين هم السادة العمداء ورؤساء الجامعات المعينون بظهائر شريفة؟

وإما أن يكون الأمر عن علم وقصد، وفي هذه الحالة نكون أمام مهزلة، حيث نصب هؤلاء أنفسهم علماء مجتهدين ومفتين بدون علم أهل الاختصاص، تماما كما نصب نفسه بورقيبة مفتيا حين أباح إفطار رمضان لتحريك عجلة الإقتصاد الوطني التونسي، ورفع نسبة النموّ، الذي لا يتحقق في نظره إلا بإفطار شهر رمضان المبارك!

إن ما وقع، كشف لنا أن الناس خليط من كل هذا! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

فرغم محاورة أعضاء مكتب تعاضدية أوطم للإدارة، وتذكريهم إياها بالشرع والقانون، لعل الذكرى تنفع المؤمنين، وإسماعهم فطرة مسؤوليها ومروءتهم، كان الرد هو: الرفض والامتناع. فلم يكن أمام المفاجأة الطلابية إلا أن تتحول إلى استياء وتذمر عارم، مما يراه الطلاب من إدارتهم التي لم تراقب الله في شرعه، فكيف تراقبه في حقوقهم. على أي، قاطع الطلاب، بتأطير من مكتب التعاضدية في سياق معركة متعددة المطالب، تلك الحصص وتوجهوا إلى المساجد لأداء صلاة الجمعة، واضعين باتحادهم الإدارة أمام الأمر الواقع، فلم تجد بدّا من الاستجابة لإرادتهم ومطالبهم ومنها إخلاء وقت صلاة الجمعة، والاتفاق على برمجة مناسبة للامتحانات، للحيلولة دون وقوع أحداث السنة الماضية.

هل كان من الضروري أن يخوض الطلاب معركة حول صلاة الجمعة؟ وضد من خاضوها؟

إن مما يؤسف له حقا، هو الغياب التام لأي دور للنقابة الوطنية للتعليم العالي في الكلية، حيث التزمت الحياد و لم تتدخل، رغم أنها معنية بالأمر، تماما كما هو معني الاتحاد الوطني لطلبة المغرب. ثم إن ما يؤسف له كذلك هو الموقف المخجل الذي عبر عنه بعض الأساتذة، وهم قلة قليلة على كل حال، حين تعنتوا إلى آخر رمق ممتنعين عن الاستجابة للمطلب، بل بلغت ذروة جسارة وجرأة أحدهم أن صرح لجريدةAujourd hui le Maroc في عددها نهاية الأسبوع، بأنه: “من حسن الحظ أن الطلبة العلميين هم عموما الأقل استجابة لمثل هذه المواضيع”(6). ولكن الطلبة العلميين كذبوا الأستاذ، ولقنوه درسا بموقفهم، عنوانه: “إننا مسلمون أولا”.

إن ما أثارني كذلك، هو ما كتبه الأستاذ الصحفي الذي عنون مقاله بـ”الإسلامية والطلبة ونحن…” ناسبا الكلام إلى موظفي الإدارة ورجال التعليم العالي في الكليات المغربية، حيث قال: “إن الهدف من مثل هذه المعارك إنما هو تسجيل الحضور في الجامعة، في إطار استراتيجية منهجية للسيطرة عليها”(7). أهي الحرب إذا؟ يعكسها عنوان المقال حين وضع الطلبة بين الإسلاميين الذين فازوا بقلوب الطلاب قبل عقولهم فضلا من الله وبين من سماهم الصحفي: نحن..؟؟ فمن أنتم؟ وما شأنكم؟ وماذا تريدون؟

لا أيها السادة الأفاضل، إن الدفاع عن حقنا في صلاة الجماعة داخل مساجد الكليات والأحياء الجامعية، وحقنا في الاستفادة من الوقت الكافي لأداء صلاة الجمعة في المسجد، لا ينفك عن واجبنا النضالي من أجل تحسين الوضعية الاجتماعية للطلاب والرفع من جودة التعليم، والنهوض بالجامعة لتقوم بدورها التربوي و التعليمي و التنموي. هذا من ذاك.

أرجو أن يكون ما حصل خطأ غير مقصود من الإدارة، تم تصحيحه وتجاوزه، ولن يعود إلينا أبدا، وأن لا يكون الحنين إلى سنوات 96/97/98 يراود القوم، حين أغلقوا مساجد الكليات، وأعطى إدريس البصري أوامره في سياق المذكرة الثلاثية المشؤومة، بمنع الصلاة في الجامعة، وباعتقال الطلبة المصلين، وتهشيم رؤوسهم، وتكسير عظامهم. والأشرطة المصورة لا زالت شاهدة على الفاجعة.

أرجو أن يفهم من يشنون هذه الحرب المصطنعة، المتحدثين بلغة استراتيجية السيطرة، أنهم إنما يواجهون كل الطلبة المغاربة، المتشبتين بدينهم وعقيدتهم وأخلاقهم، وبأن معركتهم خاسرة بدءا، وأنها في حقهم انتحار سياسي وأخلاقي واجتماعي.

أختم مقالي هذا بتصريح قرأته منذ أيام، و قصة عايشتها منذ أعوام، و أترك لكم حرية التعليق عليهما.

بخصوص التصريح: قرأت منذ أيام مقالا على صفحات جريدة le Figaro الفرنسية لصحفي فرنسي حول” الإسلاميين في المغرب” يحكي فيه قوة الوجود الإسلامي في المغرب، و حين استدلاله على ذلك بالحضور القوي للاتحاد الوطني لطلبة المغرب الذي يقوده الإسلاميون استشهد بأستاذ من جامعة البيضاء جاء ليبكي ويصيح بأعلى صوته ب”أن عدد الطالبات المحجبات كان قليلا في مدرجه، لكن اليوم المتبرجات يعدون على رؤوس الأصابع”. ألا فاعجبوا من هذه الهمة والإرادة المنحرفة!!

أما بخصوص القصة، فهي تعود إلى إحدى السنوات التي قضيتها بكلية العلوم بتطوان، حيث صعد في يوم من الأيام عميد الكلية منصة مدرج أثناء نقاش ساخن بين الطلبة حول بعض المشاهد المخلة بالحياء والحشمة بأحد الأفلام التي كان يزمع نادي السينما عرضه، ليقول قولته الشهيرة وسط الطلاب: “شنو فيها لو شفتم مراة عارية تماما من ملابسها. ما لكم معقدين”. لا حول ولا قوة إلا بالله. إذا آل الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة.

إلى هذا المعدن من الناس، وهم على كل حال نماذج معزولة في المجتمع، أقول: عفوا أيها السادة، توبوا إلى الله، وخلوا بين الناس ودينهم وأخلاقهم ومروءتهم، فالطلبة المغاربة مسلمون.

الهوامش:

(1) رواه أبو داود بإسناد صحيح.

(2) قال النووي إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم. وقال الحافظ: صححه غير واحد.

(3) سورة الجمعة الآية: 9.

(4) رواه البخاري ومسلم.

(5) رواه الخمسة، وأحمد وابن ماجة، من حديث جابر نحوه، وصححه ابن السكن.

(6) .Aujourd hui le Maroc N :1260 p : 26. 6-8/10/2006

(7) نفسه.