من المستحيلات أن يتحقق هذا الحوار على أرض الواقع، ولو أمكن ذلك لحلت مشاكل المغرب كلها، لكن المخزن وأهله يعلمون جيدا منتهى الحوار وأنه سيكشف عورهم، ويفضح على رؤوس الأشهاد مخازيهم، فهم له رافضون إلا ما كان من حوارات مشروطة ومصطنعة، وحوارات شراء الذمم والضحك في بيت العزاء على أذقان الشعب المغلوب على أمره. ففي مثل أزمنة هذا الاستبداد أنطق ابن المقفع حيواناته، وننسج على ذات المنوال حوارنا المتخيل مع مخاطب لا يحاور:

[المحاور: لقد أعلنتم، سعادة المخزن، عن حملة ضد جماعة العدل والإحسان منذ 24 من شهر ماي 2006، ولم تتوقف الحملة لحد الآن. ما الدافع لهذه الحملة؟

المخزن: لقد عانينا الأمرين مع هذه الجماعة منذ أزيد من ثلاثين سنة، لم نفلح في قمعها، ولا في شراء قيادتها، ولا في اختراقها. فهي الوحيدة خارج السرب، تتنامى بقوة، وفكرها يهدد وجودنا، فإما نحن وإما هي. لذلك قررنا تنظيم هذه الحملة.

المحاور: انطلقت الحملة بمدينة تمارة في 24 ماي وهو اليوم الموالي لاعتقال مسؤولين في الأمن بنفس المدينة متورطين في قضية المخدرات مع الشريف العروسي، واعتقل بعد ذلك باشا المدينة المدعو مصطفي بوخليفي، المشرف على هذه الانطلاقة، متورطا في قضية المخدرات مع الشريف بين الويدان… ألا ترون أنها مبادرة من فئة من رجال السلطة يحاولون بمحاربتهم للعدل والإحسان كسب الترقيات لتجاوز عقبة المحاسبة قبل أن ينفضح تورطهم في الفساد والنهب والمخدرات…؟

المخزن: الأمر أكبر بكثير من هؤلاء المفسدين المحليين الصغار، وينبغي التمييز بين حملة المخدرات التي يفرضها علينا المنتظم الدولي ولنا تقديراتنا الخاصة في تدبيرها، وبين قضية العدل والإحسان التي أزعجتنا بأبوابها المفتوحة، إذ كنا نعتقد أنها بصدد التهييء لعصيان مدني تمهيدا لخرافة 2006. أما المحاسبة فلا عتبة لها، وقد اغتنمنا الفرصة لإزاحة رؤوس شامخة استفادة من درس البصري الذي عمر طويلا حتى أصبح مصدر تهديد، كما اكتشفنا من خلال التجاوزات في حق العدل والإحسان فئة من رجال الأمن والسلطة اغتنموا الحملة لمآربهم الخاصة، في تمارة وآسفي والحاجب ووجدة وتطوان وورززات، فمنهم من أزيح ومنهم من ينتظر، ولكل أجل كتاب.

المحاور: تصدرون تعليمات ثم تعاقبون منفذيها؟

المخزن: نحن لم نأمر أحدا بسرقة أمتعة الناس من هواتف ودراجات وحواسيب وعسل كما فعل لص تمارة وأعوانه، ولا باختطاف النساء كما حدث لمجرمي آسفي… ولكن كنا نقول لهم “ضرب وقيس، وعينك ميزانك، ويلا اجبدتي لينا شي صداع ما نرحموكش”، وهذا هو فن تدبير الأزمة.

المحاور: لقد بدت الحملة على العدل والإحسان مرتجلة، ثم عرفت تطورات نوعية، فما تقييمكم لها؟

المخزن: لم تكن حملتنا على العدل والإحسان مرتجلة أبدا، فهو تاريخ ممتد من “رسالة الإسلام أو الطوفان” إلى جريدة “الصبح” فاعتقال مجلس الإرشاد، فالمساومات، فحصار المرشد، ثم اعتقال طلبة وجدة، فمنع المخيمات والجرائد والأسفار والحج، إلى دعم الوهابية … وأما الحملة الأخيرة فقد سبقها تجنيد بعض الأقلام واستثمار نافذة الأنترنيت، وتم التمهيد لها بكسب مساندة الأحزاب والتنظيمات التي عبرت في منابرها الإعلامية عن تدمرها من الأبواب المفتوحة للجماعة، وتعهد البعض منها بعدم المؤازرة ولزوم الصمت أو الحياد الإيجابي في نقل أخبار الهجوم. ويمكن التمييز بين مرحلة التمهيد السالفة الذكر وهدفها تعبوي بالأساس، وبين مرحلة الانطلاقة ومن أهدافها توقيف التواصل الجماهيري للجماعة ومعرفة حجم قوتها، ونواياها المرتبطة بحدث 2006 المرتقب، وبين مرحلة القضاء والتناغم الحكومي التي تميزت بتحريك المتابعات القضائية وتكليف جميع مكونات الحكومة بالمساهمة في الهجوم على الجماعة وأعضائها.

المحاور: من المعروف أن وزارتي الداخلية والعدل هما المرشحتان لهذه العملية، فالأولى تهاجم وتعتقل، والثانية تحاكم وتسجن. فما دخل الوزارات الأخرى؟

المخزن: لا ينبغي أن يحرم أحد من هذا الخير، وشمولية الحصار أمر لازم. فوزارة الأوقاف وقفت جميع الأئمة والخطباء المنتمين إلى الجماعة أو المتعاطفين معها (وآخرهم بنسالم باهشام بخنيفرة)، ومنعت طلبة العدل والإحسان من النجاح في مباريات الأئمة والمرشدات، ومنعت أساتذة الجماعة وعلماءها من الدروس الرمضانية في المغرب وخارجه، وقد كان أحمد التوفيق موفقا في هذه المهمة. ووزارة المالية تنظم حملات تفتيش وتقوم بالواجب الضرائبي تجاه التجار أحسن قيام، والسيد الوزير ورفاقه الآخرون في الحكومة متضامنون ليقوم كل منهم بدوره، والجانب الإعلامي مهم في الحملة، وقد لاحظتم تعاون المشهد الإعلامي بما فيه الإعلام المستقل. ومصالح التعمير تهدم كل بيت لأعضاء الجماعة لم تحترم فيه الضوابط القانونية، وهكذا…

المحاور: ألا ترون في هذه الإجراءات خرقا سافرا للقانون، ورجوعا بالمغرب إلى ما قبل المصالحة والإنصاف؟

المخزن: بالعكس، نحن نعمل على تطبيق القانون بصرامة، ونحث أجهزتنا على أن يتم التحايل على القانون في إطار القانون من أجل بلوغ المرام بأقل التكاليف. أما المصالحة فقد تمت مع اليسار الذي اعترف بأخطائه الماضية وتراجع جذريا عن مطالبه الحمقاء، بينما ظلت العدل والإحسان تحلم بالخلافة على منهاج النبوة.

المحاور: لقد جاء ذكر الخلافة على منهاج النبوة في حديث شريف فهل تنكرون هذا الحديث؟

المخزن: علم الحديث، هذا من اختصاص المجلس العلمي الأعلى. لكن المزعج بالنسبة لنا هو خرافة 2006 و”الحدث العظيم” الذي تدعي الجماعة أن المغرب سيعرفه هذا العام. وقد ألقت هذه الخرافة بظلالها على برامجنا هذه السنة مهما حاولنا أن نخفي ذلك. و تم الاتصال بخبراء هذا المجال من منجمين كبار وعلماء المستقبليات وسحرة دوليين، ونظرا لتضارب الآراء فمن الصعوبة الحسم بالتأكيد أو النفي، خاصة والحدث مرتبط بزمان معين، ومن المستبعد أن تراهن العدل والإحسان برصيدها التاريخي في منامة طائشة. وقد أصدرنا تعليماتنا لأهل الاختصاص بقراءة اللطيف سرا من باب الاحتياط.

المحاور: أنتم إذن مصدقون بهذه الخزعبلات، وهذا سبب هجومكم على العدل والإحسان. ألا يتنافي هذا مع الفكر الحداثي والعقلاني الذي تدعون إليه؟ ألا تخشون على المستوى الحقوقي من تهمة الهجوم على الناس ومحاكمتهم بسبب أحلامهم ومناماتهم؟

المخزن: لم نصدق ولم نكذب على حد سواء، ففي السياسة تداخل وتقاطعات بين الحقيقة والخيال، بين الأحلام واليقظة، بين الغيب والشهادة. فاتخذنا الإجراءات اللازمة مخافة أن نلام على التقصير، أو نتهم بالإفراط. واغتنمنا فرصا موازية لتعميم حملة النظافة الداخلية، وندخر المكافأة في الاستحقاقات المقبلة لكل من أسدى إلينا خدمة من خبراء القانون والحقوقيين والإعلاميين. وستلاحظون من خلال كتابات المتعاونين معنا الحرص على طمأنة القوى الدولية خاصة الولايات المتحدة، فعملنا لا يعد أن يكون جزء من الحملة على الإرهاب.

المحاور: هل استطعتم كسب سياسيين وحقوقيين وإعلاميين وازنين إلى جنبكم في الهجوم على الجماعة؟

المخزن: نحن متحكمون في المشهد السياسي كلية فخبرتنا جعلتنا نمتلك خيوط اللعبة ووسائل الضغط والتلويح بكشف أوراق من تسول له نفسه الانفلات، وبعض الحقوقيين ممن لهم طموحات أصبحوا أقرب إلينا منهم إلى الجماعة ولن ننكر الجميل. أما المشهد الإعلامي فمهزلتنا. فكلما كتب أحدهم مقالا يحسبه لصالحنا إلا واعتبره النقاد ضدنا، وآخر ما علق بالأذهان الكذبة البلقاء لصاحب “شيك بين الويدان” الذي قال بأن مرشد العدل والإحسان تسلم شيكا بمبلغ ستمئة ألف درهم من تاجر المخدرات المعروف ب ” شريف بين الويدان”. فهل يتعامل تجار المخدرات بالشيك؟ وهل يبيع الأستاذ عبد السلام ياسين رصيده التاريخي ورأسماله الرمزي بستمئة ألف درهم، وقد رفض الملايير منذ عهد الملك الراحل؟

المحاور: ماهي مرتكزات خبرتكم في التحكم في أهل السياسة؟ ولماذا لا توظفون مزيدا من العلماء في الهجوم على الجماعة؟

المخزن: أهل السياسة جاؤوا بتقنية “العصى والجزرة، أوالخمرة والغانية” والحمد لله، نحن مرتاحون من جانبهم. أما الفقهاء “دوك الزرايدية كارثة” ! حاولنا تشجيع رموز الفكر الوهابي للتصدي للجماعة بصواريخ البدعة، فوجدنا أنفسنا بصدد تشكيل خلايا تكفيرية طالبانية. حاولنا التنقيب عن منشقين أو الدفع بالبعض إلى الانسحاب من الجماعة، فلم نحصل إلا على من لفظته الجماعة. أما الرسميون فكلما تكلموا إلا وقلنا ليتهم سكتوا، ولزمنا الاعتذار بالنيابة عنهم، فعذرهم سيكون أسوأ من زلتهم، وفضيحتهم في الرد على الدكتور القرضاوي، جعلتنا موضع سخرية الكون.

المحاور: ماهي آفاق الحملة على العدل والإحسان؟

المخزن: لقد تبين أن الخطر قد يباغثنا من جهات كنا نراهن عليها لتحمينا. فلم نعد نقوى على المضي بعيدا في ملفات التطهير، ولا ملاحقة أصحاب المخدرات والمهربين والمفسدين، ولا مواجهة الملفات الحقيقية كقضية الصحراء والمشاكل الاقتصادية والمالية والاجتماعية والهجرة… وكلما مضى البحث والتحقيق بعيدا في فضيحة، إلا وأوشكت الإدانة أن تعمنا، فنتدخل لنقول: “كفى، قفوا عند هذا الحد”، وأصبح لسان حالنا يردد قولة أحمد شوقي:

ياسارق المدفع من القلعة/// هنئت بالصحة والعافية

أخشى إن عدت لمثلها/// أن تسرق القلعة والحامية

أما الحملة على العدل والإحسان فمستمرة بوتيرة روتينية هدفها منع الأنشطة، بما فيها أنشطة الجمعيات التي ينتسب إليها أعضاء من الجماعة، وتدبير القضايا المعروضة على المحاكم طيلة المدة المتبقية من 2006، وتوريط الفاعلين السياسيين في المشاركة في هذه الحملة من خلال الانسجام الحكومي تجاه الحملة، توسيعا للشقة بينهم وبين الجماعة، وعرقلة لأي تواصل مستقبلي.

المحاور: ألا تخشون أن يستهدف المشاركون في الحملة من رجال السلطة والأمن وغيرهم بحملة انتقامية في حالة وقوع حدث 2006؟ وهل يدخل في هذا السياق تهافت العديد من الشخصيات على الحصول على جنسيات بلدان غربية؟

المخزن: لقد ذهبت إحدى الجرائد إلى حد اعتبار أن المغرب تسيره حكومة كندية، ففي بعض البلدان يمنع إسناد المناصب المهمة في الدولة لمن يحمل جنسية أجنبية، وفي بلدان أخرى حرية مطلقة فالأردن يحكمه ملك بريطاني حاليا، ونحن مع الاختيار الثاني. ولا نعتقد أن لذلك علاقة بالخرافة العدلية. وإذا ما تحققت ف…”كلها يعوم بحرو” و”الله اخرج سربيسنا علاخير” ونظن أن العدل والإحسان ستظل وفية لمبدأ العفو “اذهبوا فأنتم الطلقاء” الوارد في منهاجها.

المحاور: إذا لم يحدث شيء مما تتوقعه الجماعة، فكيف سيكون التعامل معها سنة2007؟

المخزن: لدينا سناريوهات متعددة نكشف عنها في حينها، ومن الممكن السماح لهذه الجماعة بنصيب من الحصة المخصصة لحزب العدالة والتنمية إن قبلت ذلك.

المحاور: إذا ما اختارت العدل والإحسان لجوءا سياسيا جماعيا إلى دولة غربية وقبل طلبها، فكم سيكون عدد المغاربة الذين سيؤكدون انتماءهم للجماعة؟

المخزن: هذا مستحيل، فمن سيقبل بمنح اللجوء السياسي للملايين من البشر؟ والغرب أصلا يعاني من الهجرة.

المحاور: وإذا ما قبلت إحدى هذه البلدان منحهم اللجوء شريطة مكوثهم في بلدهم؟

المخزن: سيتعلق الأمر إذن بحماية أجنبية، وهي خيانة للوطن.

المحاور: لقد سبق للسلطان مولاي عبد الحفيظ أن وقع معاهدة الحماية مع فرنسا، بيد أن الشعب قاوم الوجود الفرنسي دلالة على رفضه لهذه المعاهدة. لكن إذا صار ذلك اختيارا إراديا للشعب في ظل معاناته الحالية، فهل المخزن هو الوطن؟ وقد قمتم مؤخرا بتفويت تسيير عدد من الخدمات لمؤسسات وجهات أجنبية، فلن يعدو أن يكون ذلك الاختيار توسيعا لمجال هذا التفويت ليشمل كل الخدمات؟

المخزن: المخزن هو كل شيء، والشعب لا يعاني من أي شيء. والأزمة عامة في العالم. وقد خاب أملنا في تجاوزها بإدماج اليسار في اللعبة، وأضفنا الأصوليين المعتدلين، لكن الجرح كان عميقا. وتمنينا أن يكون بترول تالسينت هو الشفاء لكنه مجرد حلم، ثم صممنا العزم على احتضان مونديال 2006، وبعده على مونديال 2010، وبعدهما على عشرة ملايين سائح… لكن “الخوايضيا كلاو الفلوس وما جابو والو، ما كاين على من تعول”. وأملنا حاليا في مبادرة التنمية البشرية واستحقاقات 2007. وإذا ما تدهورت الأوضاع، منحنا الصحراء حكما ذاتيا، وجمعنا السلفيين في السجن المركزي، والعدل والإحسان في المركبات الرياضية، و”الباقي راه ديالنا”.

المحاور: قال بعض المحللين بأن الإعلان عن”خلية أنصار المهدي” كان خطأ فادحا، وقال آخرون بأنه ملف “مفبرك”، وربطه البعض بمبشرات2006، والبعض الآخر بانتخابات2007، فأي التحليلات أقرب للصواب؟

المخزن: الخبر مقدس والتعليق حر. وقد يتعمق من شاء في التحليل فيقول بأن دوي الانفجارات يسمع في الخمارات والمراقص الليلية في مصر كلما قربت الانتخابات، ويتلو ذلك اعتقال رموز حركة الإخوان المسلمين، وقد حدث ما يشبه ذلك في الدار البيضاء قبيل الانتخابات الماضية (أحداث 16 ماي)، ويأتي الإعلان عن خلية أنصار المهدي قبل حدث 2006 أو انتخابات 2007، ليقل من شاء ما شاء، نحن نعمل في الوضوح.

المحاور: هل صحيح خبر منع مظاهر التدين في مؤسسات الجيش والأمن من حجاب ولحية وصلاة جماعية وخطبة الجمعة، والصلاة في المسجد لكبار المسؤولين؟ وهل لذلك علاقة ب2006؟

المخزن: لقد ضايقتني بأسئلتك، فلهذا منعنا الحوارات منذ مدة، ولن أحاور بعد اليوم أحدا.

لا حق لنا في التعليق على هذا الحوار المتخيل، لو لم يكن التعليق في صالح المخزن، والأمر بالفعل كذلك. فقد كان المخزن موفقا للغاية في هذا الحوار، لو لم يغلق باب الحوار. واعلموا معشر القراء أن الخبر مقدس والتعليق عليه حر مادام سرا في خاطر صاحبه.