انقلاب من أهل الدار

د. عبد العالي مجدوب / [email protected]

   لم يمر زمان طويل على “شعر التفعيلة”، الذي علق عليه المجدّدون الأوائل آمالا واسعة، للانعتاق مما زُعم أنه قيود في الأوزان التقليدية- لم يمر عليه زمان طويل في ميدان التجربة والاختبار حتى عادت رائدة مسيرته ومخترعة عروضه تنحى باللائمة على الشعراء المجددين، وخاصة الناشئين منهم، الذين انطلقوا “يخطئون أفظع الأخطاء وهم يحسبون أنهم يأتون بأعظم التجديد”(قضايا الشعر المعاصر، ص176) ، وتتهمهم بأنهم ضعيفو السماع “بحيث يرتكبون أخطاء عروضية مشوّهة وهم لا يشعرون”(نفسه، ص172)، وتعترف، فيما يشبه الجزم، “بأن ثمانين بالمائة من القصائد الحرة تحتوي على أغلاط عروضية من صنف لا يمكن السكوت عنه.”(نفسه) وتوضح ذلك قائلة: “إننا قد نجد خطأ عروضيا في قصيدة واحدة من عشر في أسلوب الشطرين، في حين نجده في ثمان من عشر في الأوزان الحرة. وهذه نسبة غير هينة تجعل الغلط في الشعر الحر ظاهرة متمكنة ينبغي أن تخص بالملاحظة.”(نفسه، ص174).

   وفي رأي نازك الملائكة أن “السبب الأكبر في هذه الحقيقة[حقيقة فشو الأخطاء العروضية في الشعر الحر] هو أن الشعر الحر أصعب من شعر الشطرين”(نفسه). وما أغرب هذا التعليل من نازك الملائكة ! فلماذا إذن العدول عن الأسهل إلى الأصعب؟؟

   ولم يفت الأديبة الناقدة، في هذه المراجعة، أن تحمل النقاد، أيضا، قسطا من المسؤولية في وقوع كثير من التجارب الجديدة في الأخطاء العروضية الفاحشة. فأكثر اللوم، عندها، “يقع على الشعراء، ذلك لأن الناقد الذي يسمّي نفسه ناقدا ثم يجهل أن الشعر الحر موزون جارٍ على العروض العربي تمام الجريان(& ) يحكم على نفسه بأنه ليس ناقدا، وإنما هو واحد من أولئك البسطاء الذين لا يتورعون عن أن يدلوا بآرائهم في كل موضوع.”(نفسه، ص175)

   وبسبب هؤلاء النقاد الذين “رفضوا أن يقوموا بواجبهم في نقد الشعر وغربلته”(نفسه)، بدل مهاجمته والسخرية ممن ينظمه، فقد الشاعر الناشئ ثقته بالناقد، “وانتهى الأمر إلى أن يصبح هذا الشاعر جامحا، يخرج على العروض، وعلى الموسيقى، وعلى الذوق باسم “الحرية”.”(نفسه، ص176).

   للمستزيد من نقد نازك لِـ”إهمال الشعراء”، وحديثها عن “أصناف الأخطاء العروضية”، يمكن الرجوع إلى كتابها (من ص162إلىص192).

   وقد أسفّت بعض التجارب، فذهبت بعيدا في إهمال بعض أساسيات أصول الوزن، وقواعد الذوق الموسيقي السليم، حيث نجد أصحابها يخطئون، فيجوّزون، مثلا، توالي خمس حركات في الخبب أو المتدارك-وأجزاؤه “فاعلن” ثماني مرات، “وهو من أسهل الأوزان، حتى ليكاد يكون في استطاعة المرء أن يتحدث به حديثه العادي”(هذا الشعر الحديث، للدكتور أحمد سليمان الأحمد، ص168)، كقول نزار قباني:

   “من أدب بلادي، من أدبي”(نفسه، ص51).

   وقوله من ديوانه “كتاب الحب”:

   “لا أطلب أبدا من ربّي إلا شيئين&

   “وشعوري نحوك يتخطّى صوتي.. يتخطّى حنجرتي.”(نفسه، هامش رقم79)

   والمعروف في قواعد وزن الشعر العربي أن الحركات قصاراها أربع فساكن، “بل إن النثر نفسه قد يتحاشى خمس حركات. فكيف هذا الخطأ الفظيع الذي لا تحس به آذان هؤلاء الشعراء، وبعضهم غني الحصيلة من القراءات العربية؟”(نفسه)

   “ومثل ذلك قول شوقي بغدادي:

   “من يحمل لقب الشاعر بعدك في المحشر

            ****

               ورسول العفة بازار رخو.

   “فهذا نثر محض، وعبارة عن نوع من السجع الذي لا يعتد به.”(نفسه)

   “وأخطأ يسري خميس(القاهرة)، حين قال(مجلة “الاداب”، العدد السادس، حزيران 1971، بيروت):

   “كالطوب الأخضر

   “لا بد أن نصهر، نصهر

   “أن نحترق ليال ليال.”(هذا الشعر الحديث، للدكتور أحمد سليمان الأحمد، ص171، والهامش رقم(80) من الصفحة نفسها).

   والخطأ العروضي واضح في الجملة الأخيرة، حيث “استخدم خمس حركات قبل أن يتوقف، كما أن هناك خطأ لغويا& إذ كان عليه أن يقول “ليالي ليالي”. وليس غريبا أن لا يخطئ مثل هذا الشاعر الضعيف، ولكن الغريب أن لا يجد من يقوم له لسانه.”(نفسه) يُراجع المزيد من الأمثلة على الأخطاء العروضية في شعر التفعيلة في هذا المرجع، ص166-176، وفي كتاب نازك الملائكة “قضايا الشعر المعاصر”، في الفصل الثاني من الباب الثالث، الذي خصّصته للحديث عن “أصناف الأخطاء العروضية”، ص177-192.

   وبسبب ما أبدته نازك الملائكة من تحفظات، وما سجلته من انتقادات على تجارب الشعراء الجدد، وبسبب ما أضافته من قواعد وحدود احترازية، بعد مراجعتها للقواعد العروضية التي وضعتها للشعر الحر، على ضوء ما أبانت عنه التجربة في الميدان طيلة اثنتي عشرة سنة(قضايا الشعر المعاصر، ص5، من مقدمة الطبعة الخامسة ) – بسبب كل ذلك، انقلب عليها من كانوا من أوائل من ساروا في موكب اختراعها العروضي، رافعين رايات التشجيع والتأييد والتقريظ، وجعلوا يلومونها ويأخذون عليها أنها ضيقت على الشعراء بقيودها الجديدة التي تفوق، في ثقلها-حسب زعمهم- قيود العروض الخليلي، وأنها تخلت عن شعاراتها التجديدية التحررية التي بدأت بها مسيرة دعوتها للشعر الحر. يُراجعُ، مثلا، النقد الذي وجهه إليها الدكتور محمد النويهي في كتاب “قضية الشعر الجديد”، في الفصل الثاني من الباب الرابع، بعنوان “نازك الملائكة والشعر الجديد”، ص249-309. وأيضا ما كتبه يوسف الخال الشاعر الحداثي، في نقد عنيف لكتابها، بعد ظهوره في سنة 1962، في مجلة “شعر”، العدد24، السنة6، خريف1962، ص138-152.

   ومهما تكن حدود الموضوعية والإنصاف في نقد كلا الفريقين، العموديين التراثيين والتجديديين المتحررين، لعمل نازك الملائكة، فإن الذي ننتهي إليه، بعد هذه الإطلالة المركزة على دعوة الشعر الحر، هو أن نازك الملائكة ومن سار على دعوتها من الأنصار والمتعاطفين، نقادا وأدباء، ظلوا يؤكدون “أن الشعر الحر ظاهرة عروضية قبل كل شيء”(قضايا الشعر المعاصر، لنازك الملائكة، ص69)، وأنه، في بنائه الموسيقي، “جارٍ على قواعد العروض العربي، ملتزم لها كل الالتزام& “(نفسه، ص146)، وأن الشعر شعر، وأن النثر نثر، وأن الوزن أساس في تمييز الشعر من النثر.

نازك الملائكة وبدعة “قصيدة النثر”   لقد ظلت نازك الملائكة، ومعها من اختار طريقها في نقد الشعر، تندد بمذهب أولئك “المتحمسين” “الخياليين”، الداعين إلى بدعة “قصيدة النثر”ـ وصفُ “بدعة” هو من نازك الملائكة في “قضايا الشعر المعاصر”، ص213ـ وتسألهم في تحدّ واستغراب: “لماذا إذن ميّزت لغات العالم كلها بين الشعر والنثر؟ وما الفرق بين الشعر والنثر إن لم يكن الوزن هو العنصر المميز؟”(نفسه، ص219).

   وتستطرد الناقدة الأديبة في مناقشة بدعة “قصيدة النثر” قائلة: “& فإذا نحن سمينا كل كلام شعرا بمعزل عن فكرة الوزن، فسوف نكون كمن يسمي الحياة كلها نهارا سواء أكان فيها ضياء أم لا. وإنه لواضح أنها تسمية مفتعلة. إن الليل ليل، والنثر نثر. وواجبنا نحو اللغة والذهن الإنساني أن نسميهما ليلا ونثرا دون أن ننتحل لهما تسميات مضللة لا تشخص شيئا. وما الذي نستفيده من تسمية النثر شعرا، والليل نهارا، يا ترى؟ أو ليس تشخيص الفروق أحسن من ذلك وأجدى؟”(نفسه، ص220)

   أدعو القارئ الكريم إلى مراجعة استنكار نازك الملائكة لبدعة “قصيدة النثر”، ومناقشتها لدعاوى أنصارها في الفصل الثاني من الباب الرابع، في “قضايا الشعر المعاصر”، ص213-227.

   وإذا كنت لا أجادل في قوة الموقف الذي وقفته نازك الملائكة ومن تابعها على نهجها من النقاد والأدباء، في وجه دعاة التحرر من الأوزان، باسم الحداثة والتجديد، وأنوه بعمق المناقشة التي جرت عليها في دحض مقولات بدعة “الشعر المنثور”(قصيدة النثر)، فإنني، مع ذلك، أزعم أن الدعوة إلى إسقاط خاصية التساوي العددي الكمي في بناء الوزن الشعري، التي كانت نازك الملائكة في مقدمة روّادها، تنظيرا وتطبيقا، قد شكلت، بصورة من الصور، المهاد التاريخي الوطيء الذي تسللت منه التيارات الحداثية ذات النزعة الإديولوجية الهدمية الرفضية، إلى قلب ديوان العرب ، فأحالت صنعة الشعر فعلا مائعا يتعاطاه كل من هبّ ودبّ، حتى اختلطت الحدود والمفاهيم، وكاد أن يتداعى عمود الشعر العربي وسط ضوضاء الحداثيين، ودعواهم أن الوزن إنما هو من مخلفات المستنقعات التراثية العفنة، التي عفّى عليها زمان الحداثة والمستقبل، وأن الإيقاع، والإيقاع وحده، هو قوام موسيقى الشعر الحديث.

   فما هو هذا الإيقاع عند هؤلاء الحداثيين؟ وما هي مميزاته الفنية عندهم؟ وما هي خصائصه الموسيقية الشعرية التي تميزه من أوزان الشعر العمودي؟

   في المقالة الثامنة محاولةٌ مقتضبة للإجابة عن هذه الأسئلة وأشباهها، من أجل التعرف على مفهوم موسيقى الشعر في النظرية الحداثية.

   فإلى الأسبوع المقبل، إن شاء الله.