في الوقت الذي كان فيه الشعب المغربي ينتظر انفراجا على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، يخفف عنه ضيق الواقع وضراوة اليومي، لم تتأخر الحكومة التي لم تزل تبشر في تقاريرها وتصريحاتها الرسمية بالمستقبل الواعد الذي ينتظره المغاربة وذلك من خلال الشعارات التي تطبع كل مرحلة في تخييب ظنه وذلك بحل أزماتها وخيباتها المتوالية وخصوصا على المستوى الاقتصادي والمالي على حساب القوت اليومي للطبقة المسحوقة منه. حيث عملت الحكومة الموقرة وفي خلسة من الجميع على الزيادة في أسعار مجموعة من المواد الأساسية مثقلة بذلك كاهل المغربي البسيط، و لقد جاءت الزيادة الأخيرة في أسعار المواد الأساسية حسب البعض لهدف تغطية العجز الحاصل في صندوق المقاصة والذي بلغ حسب التصريحات الرسمية 11 مليار وأيضا من أجل تجاوز المشاكل المرتبطة بالإعداد للقانون المالي لسنة 2007، هذا وقد اتخذت هذه القرارات والشعب المغربي في زحمة الانشغالات بأجواء الصيف وضغط الدخول المدرسي والإعداد لشهر رمضان، وغلف كل هذا بجرعات من المنومات الإعلامية التي تراوحت مواضيعها بين الجيش والحشيش وأنصار المهدي والعنيكري وحزب التحرير وأتباعه وأشياء أخرى، وفرت كلها الفرصة المناسبة للحكومة، لدس هذه الزيادات في المصروف اليومي للشعب المغربي، حتى إذا انتبه الجميع إلى ذلك وقدر لهم أن يحتجوا لا يأتي احتجاجهم هذا إلا في الوقت الميت بعد أن طويت صحف الزيادات وأصبحت أمرا واقعا، والأدهى والأمر أن ما أقدمت عليه الحكومة المغربية أتى بعد أيام فقط من التصريح الذي خص به الوزير الأول مجلس المستشارين والذي ركز فيه على الإنجازات الكبيرة في المجال الاجتماعي، مكرسا بذلك كون الحكومة المغربية على مر تاريخ المغرب المعاصر ظلت مجرد ظاهرة صوتية ليس إلا، لا علاقة لقولها وخطاباتها بفعلها الملموس على مستوى الواقع الملموس.

الزيادة في الأسعار أو الطريق السهل:   لقد اختارت الحكومة دائما سلوك الطريق السهل لحل تناقضاتها المالية، حيث تلجأ كلما استفحلت الأزمة إلى السطو على جيوب المواطنين وبيع المرافق الحيوية في إطار الخوصصة، التعويذة الجديدة لزعيم الاشتراكية التأميمية وزيرنا في المالية والخوصصة، ملتجئة بذلك إلى حلول سياسة الطوارئ وإطفاء الحرائق، ومبتعدة كل البعد عن السياسة البنائية المبدعة المركزة على تقوية الاقتصاد الوطني وتشجيع الاستثمار…

   وهكذا، وكنتيجة طبيعية لهذه السياسة، سعت الدولة دائما إلى التخلص من أعباء التكاليف الاجتماعية الموجهة للفائدة الطبقة المسحوقة، وكمثال على ذلك فقد أكدت الجهات الرسمية غير ما مرة أنه ليس بإمكان الحكومة دعم المواد الاستهلاكية إلى ما لا نهاية، وأن عملية تحرير الأسعار يجب أن تتم بصورة تدريجية، وأن مسألة إلغاء صندوق الدعم الحكومي الذي استحدث لدعم المواد الاستهلاكية الأساسية مسألة وقت ليس إلا.

   فكان ما سعت إليه الحكومة، وقد بدأ النقاش مع بداية الإعداد للقانون المالي لسنة 2006 وبحجة توسيع الوعاء الضريبي كانت دعوة الحكومة إلى توحيد نسب القيمة المضافة حيث اقترح مشروع القانون المالي لسنة 2006 تجميع معدلات الضريبة على القيمة المضافة في نسبتين هي 10 % و20 % فقط عوض أربع معدلات أي 7 % و10 % و14 % و20 % وهي طريقة كان الهدف منها الزيادة في الأسعار، فبينما يوهم الخطاب الرسمي أنه يسعى إلى التبسيط يلجأ في الواقع، إلى الرفع بشكل حاد، من مستوى العبء الضريبي على المواطنين ذوي الدخل المحدود، علما بأن عبء الزيادة في المعدلات الضريبية سيقع على مواد وخدمات حيوية ذات الاستهلاك الواسع مثل الماء والكهرباء والأدوية والأغذية المركبة والمصبرات والأدوات المدرسية وعمليات نقل المسافرين والفنادق والأشغال العقارية… وهذا ما يقع في هذه الأيام أو ربما هي فقط بدايات لأشياء تأتي في المستقبل، في حين يتم غض الطرف عن تضريب السلع الكمالية الترفية، لتكون بذلك سياسة التضريب في خدمة الطبقة الحاكمة، وعلى حساب الطبقة المحكومة الكادحة.

   ومع ارتفاع سعر البترول نتيجة لظرفية الحرب التي يعرفها الشرق الأوسط، ستجد الحكومة المشجب المناسب الذي ستعلق عليه مبررات الزيادات التي طالت المحروقات والمواد الغذائية الأساسية والخدمات ووسائل النقل بمختلف أنواعها… بالرغم من أن ثمن البرميل من البترول ينخفض بين الحين والآخر فإن الحكومة تغض الطرف عن ذلك متناسية قاعدة المناقصة المعمول بها دوليا.

الشارع المغربي والزيادة في الأسعار بين الأمس واليوم:   البلاغة السياسية قد تسعف المسئولين عندما يتعلق الأمر بوعود انتخابية أو إخفاء حقيقة معينة أو تزويرها… لكن عندما يتعلق الأمر بشيء يمس الشعب المغربي في وجوده وفي قوته اليومي، فإن الكلام يصير غير ذي معنى، ولا يبقى للمخزن المغربي إلا خياران لا ثالث لهما إما توفير الخبز أو الكشف عن وجهه البشع، ليضع الشعب في خيارين الجوع في صمت أو الموت بالرصاص أو تحت التعذيب.

   وهذا ما وقع في 23 مارس 1965 عندما تفاقمت الأوضاع العامة وجاء فرض الرسوم الدراسية كالقطرة التي أفاضت كأس الشارع ليخرج في انتفاضة شعبية، سقط خلالها، حسب تصريحات البخاري، 1525 قتيل برصاص أوفقير من الطائرة، وهذا ما تكرر في 20 /21 يونيو سنة 1981 عندما سقط أزيد من 600 قتيل سماهم البصري شهداء الكوميرة، نتيجة غليان الساكنة البيضاوية احتجاجا على الزيادة التي أعلنتها الحكومة في بعض المواد الغذائية الأساسية، أما في 1984 و 1990 فستشهد مدينة فاس ومراكش وطنجة وأكادير والقنيطرة ومكناس نفس الأحداث ولنفس الأسباب.

   غير أن ما لا يفوتنا تسجيله، أنه وعلى الرغم من أن هذه الأحداث في مجملها جاءت عفوية ونتيجة طبيعية لتفاقم الأوضاع الاجتماعية، وأن القيادة السياسية والنقابية التي قد تكون قد أشعلت فتيل هذه الفورات لم تتوفر على الوعي التاريخي والإستراتيجي والإيديولوجي الفكري الكافي لاحتواء غضب الشارع وتوجيهه الوجهة البنائية الصحيحة، قلت على الرغم من كل هذا فإن تحرك المجتمع في هذه الوضعيات الاجتماعية المتأزمة لمؤشر تغييري مهم لابد من أخذه بعين الاعتبار، على اعتبار أنه مهما طال سكوت أي مجتمع عن الاستبداد السياسي، فإن الأزمات الاجتماعية تكون غالبا، حتى لا نقول دائما، هي القشة التي تقسم ظهر الاستبداد والشرارة التي تسبق نضج الوعي التاريخي للمجتمع مهما بدت البداية مادية أو لنقل خبزية. هكذا كان رد الشارع المغربي عن الزيادات في الأسعار وكذلك كان رد الدولة باستعمال العصا الغليظة لإسكاته، وإن ما يقع اليوم من زيادات في الأسعار ومستوى الاختناق الاقتصادي والاجتماعي الذي يعرفه أفراد الشعب المغربي بالموازاة مع ارتفاع معدل البطالة وانخفاض الأجور وبالتالي ضعف القدرة الشرائية للفرد، ليس بالأقل سوءا من الأوضاع التي ولدت الانفجار في العقود السابقة.

   غير أن الملاحظ أن سياسات الدولة الاحتوائية والقمعية … للنخب السياسية والشارع عبر تاريخ المغرب المعاصر، أنتجت في هذه اللحظة التاريخية، وارتباطا بموضوعنا دائما، نوعان من أشكال التعاطي مع حادث الزيادة في الأسعار:

   * من جهة تعاطي الشارع المغربي مع موضوع الزيادة في الأسعار: حيث نجد أن الشارع المغربي اكتفى بالاحتجاج الصامت في المقاهي وفي الحافلات والأسواق وفي الزوايا المظلمة… مكتفون بالحوقلة والمعاناة في صمت دون أن يتعدى ذلك اتخاذ أي موقف فاعل من شأنه أن يعيد التوازن بين مصلحة المجتمع وحسابات الدولة وموازناتها المالية، لكن لا أحد يعرف بالفعل ما هي حدود الصمت الممكنة وإلى متى سيستطيع المجتمع الصبر والتحمل، خصوصا إذا استحضرنا التحولات التي عرفها المجتمع المغربي من حيث القابلية للاحتجاج، التي شهدت ارتفاعا غير مسبوق في السنوات الأخيرة، وقد ظهرت في عدة مناسبات مختلفة وضمن فئات اجتماعية متنوعة، هذه الاحتجاجات التي أصبحت تصل ولأول مرة لدرجة إحراق الذات والانتحار الجماعي… كل هذا يجعل ضغط الأسعار مفتوح على كل واجهات الانفجار.

   * من جهة أخرى: نجد أن تنديد بعض الهيآت السياسية والنقابية والحقوقية والجمعيات المهتمة بغلاء الأسعار لا يزال في بدايته ولم يرق بعد إلا المؤمل الذي تنتظره الجماهير.

   وبالتالي، ومن خلال الملاحظتين، نستنتج الهوة الساحقة الفاصلة بين النخب التي تعتبر نفسها ممثلة للشارع المغربي والمجتمع، حيث يبقى المستفيد الوحيد من الوضع هو المخزن والحاشية القريبة منه، والمتضرر الأول هم أفراد الشعب المغربي وحصرا الطبقة الفقيرة والمتوسطة. مما يطرح السؤال من جديد وبحدة عن غياب القوة المجتمعية القادرة على الالتحام الصادق بهموم الشعب المغربي وتوجيه غضبه من الفورات الانفعالية الظرفية إلى حركة واعية وتاريخية قادرة على استيعاب دروس الماضي وتجاوز إكراهات الواقع وبناء المستقبل، مجنبة المجتمع المغربي المزيد من الانكسارات.