بمناسبة اليوم العالمي للمدرس* اخترنا هذه الفقرة من كتاب “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين “للأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، لنحيي بها جمهور الأساتذة والأستاذات في البوادي والحواضر، مشيدين بما يبذلونه لنشر نور العلم والمعرفة، برغم المعاناة والمشاق والإكراهات التي يتحملونها….. فتحية إكبار وإجلال وتقدير، ودعاء خالص أن يتقبل الله منهم وأن يجزل لهم العطاء والأجر ….فتحية إلى من يسكنون الأقسام في الفرعيات وتحية لمن هم في شعاب الجبال والصحاري يقطعون المسافات رجالا وعلى كل ضامر تحت الثلج والمطر أوتحت وهج الشمس في أغرم وتنغير وأسا وبوكماز وبني احمد، وأسكاون، وتيشكا….و.و.و.و الخ. إلى من يعانون ألم الفراق والبعد عن الأهل والأولاد والأحباء ….. تحية الى كل” أستاذة أم” أودعت فلذة كبدها رضيعا لدى امها لتعلم فلذات اكبادنا… وتحية لمن ….. تحية الى كل” استاذة ام” اودعت فلذة كبدها رضيعا لدى أمها لتعلم فلذات أكبادنا… وتحية لمن يضحون بسلامتهم وراحتهم صابرين على الاكتظاظ والفوضى والعنف داخل مدارسنا ….إلى كل هؤلاء الشرفاء الفضلاء الأنقياء الذين على قلة اليد في زمن الرشاوي والبلاوي لا زالوا مثال النزاهة والعفة والنقاء نقف وقفة تبجيل ووفاء مع أمير الشعراء لنقول:

قف للمعلم وفه التبجيل ***** كاد المعلم أن يكون رسولا

*نفضل اسم “المعلم ” فهو لفظ نبوي أصيل.

المعلم

كنا ذكرنا للتربية والتعليم هدفين اثنين: تربية الباعث، وقد تحدثنا عن إحيائه وتلقيحه وتنشيطه، ويربطنا الكلام عن اللغة خادمة الهدفين إلى الهدف الثاني التعليمي.

يبدأ التعليم من السن المبكرة مع التربية. ليست التربية الوجدانية القلبية الإيمانية شيئا يترعرع خارج حقل التعليم، أو شيئا يسقى من ماء التربية مستغنيا عما تجود به قنوات التعليم؛ فإن للنفس والوجدان مسالك مشتركة مع العقل والفكر والحواس.

للتشرب الوجداني من القدوة المربية -الأسرة والمعلم والمناخ المسجدي- التأثير الأعمق. ويأتي التعليم مباشرة بعد ذلك.

ولا يقف التأثر التربوي عند التسع سنوات الغضة من حياة الطفل كما لا يقف التعلم، بل هو وظيفة متبادلة بين الأحياء، يؤثر كل في كل ويتأثر مدى الحياة.

يتأثر مدى الحياة. بيد أن السنوات الغضة والطفولة والشباب الباكر أمثل قابلية. يقول الشاعر الحكيم :

إن الغصون إذا قومتها اعتدلت**ولا يقوم إذا عدلته الحطب

وتعلو السن بالطفل، فييفع ويشب ويحتاج لتعليم عال، وتدريب عال وترويض، وتزويد لقدراته العقلية المتنامية، وكسبه المتكامل من المهارات العملية.

ويعترض الحكم الإسلامي، من أثقل ما يعترضه، النتائج الفظيعة لتعليم غير ناجع، مضافة إلى النتائج الأفظع لتربية، بل لانعدام تربية، سائبة منحلة أرخت زمام الناس على عاتق الناس. فوضى التفتت واللامسؤولية والغزو الثقافي.

التعليم المبرمج المخطط، المتصرف في الأموال الطائلة، المؤطر بجيوش من الموظفين لا ينتج في سائبة المجتمع المسلم الذي يقوده قريبا إن شاء الله جند الله إلا أفواجا من العاطلين العاجزين عن العمل النافع.

ما بال هذه المدارس والجامعات تفرخ شبابا تسلمهم للشارع والبطالة ؟

قال الاقتصادي: ذلك لأن المنظومة الاقتصادية في العالم الثالث عاجزة عن إنشاء مناصب للشغل. وهي كلمة لها وجه من الصواب. وجه من وجوه الصواب لايسع الاقتصادي الإسلامي إلا الاعتراف به.

وقال السياسي: إنه التوزيع غير العادل للعمل بين الدول، وإنها الأموال العالمية تنفر من بلاد المسلمين مولية ذعرا من التطرف الديني، وإنه الاستثمار المحلي الذي يستعمل تقنيات أكثر إنتاجية تقوم الآلة المستوردة فيه مقام عشرات من العمال. وهذا أيضا وجه من الصواب لا يسع العاقل إنكاره. وإن كان العاقل بعمق السؤال لا يعرف ما سبب حاجة المسلمين عامة، والعرب خاصة إلى أموال أجنبية تستدرج إلى بلاد المسلمين بالإغراءات، مع أن أموال العرب المكدسة في المصاريف اليهودية النصرانية تقدر بأرقام خيالية. ما عرف منها وما لم يعرف، ما اختلس منها وما هرب، ما بيض منها وما لم يبيض. وهل تحتاج أموال مترفينا لتبييض وهي الفياشة الفاحشة المتبرجة لا تستحي ولا تخاف؟

وجوه العوامل الاقتصادية والسياسية المحلية والعالمية من الصواب لا تنكر.

أفذاذ هم العلماء الربانيون الذين تقطع المفازات للقاء أحدهم. أولئك المبجلون في قمة الربانية. ولم يكن أحد منهم روحا بلا جسد، وإنما لهم حاجات معاشية كفاهم إياها البذل العام وما يعنينا -ونحن في حديث عن التعليم وبرامجه وملاءمته- هو معرفة وجه أساسي من الصواب في المسألة. ذلك أن من بين ثغرات المدارس التي عممها الاستقلال الوطني، والبرامج التي طورها، والمعلمين الذين كونهم تتمثل الثغرة الأفدح في جدار المنظومة في قلة كفاءة المعلم، وانعدام الباعث القوي لدى المعلم، ووضعية المعلم مع سائر الناس في دوامة السائبة العامة، ووضعية المعلم الاجتماعية غير المريحة.

المعلم هو واسطة عقد المنظومة التعليمية التربوية. ولئن وسطنا بين التربية والتعليم الوعاء اللغوي الحامل للمعنى، فإن المعلم المربي القدوة هو الواسطة الحية في عملية التربية والتعليم.

إن لم تكن هذه الواسطة على القدر الكبير من الكفاءة وعلو الباعث، والكرامة والرخاء في المجتمع، فالعملية كلها تنفسخ، لاسيما في المجتمع الفتنوي المغزو الذي تنحل فيه الروابط الأسرية، وتضعف فيه الأم، ويضعف الأب عن تقويم الطفل، وتوجيه اليافع، ومساعدة الشاب.

طفل من يمسك بيده، ويستلمه برفق وحب، ومسؤولية أخلاقية، إن كان المعلم مجرد موظف أجير؟

يافع من يدربه ويعلمه، ويصقل قدراته العقلية، ومهاراته ومواهبه، إن كان المعلم عديم الكفاءة ناقصها؟

من يتحكم بزمام السلوك العام في المجتمع القائم، والجيل الناشئ في فوضى التفتت والتميع واللامسؤولية، إن لم يكن المعلم بوقوفه النموذجي أول الماسكين؟

السائبة الأخلاقية ليس ينهض لمقاومتها معلم لا وزن له في المجتمع، ولا هيبة ولا تقدير، ولا كفاءة ولا باعث.

إن كانت المدارس والمعاهد والجامعات تفرخ أفواجا للشارع والبطالة، فمن بين الأسباب وآكدها فراغ المتخرج والمتسرب والمترسب لفراغ المعلم الذي عاش معه في شجار زمانا، لم يتعلم منه لفراغ المعلم. سبب أكيد سابق ولاحق للسبب الاقتصادي الاستثماري وللسبب السياسي التمويلي.

تقول: “من هنا نبدأ” لأي خلل في البنية التي ستؤول يوما -إن شاء الله- للأيدي المتوضئة، والضمائر الحية بتقوى الله ؟

بأي خلل تبدأ والأولويات تتزاحم ؟

دع ذلك الذي يفكر في تغيير الهياكل وتدويلها أو تخصيصها ملغيا الاعتبار الأخلاقي المعنوي. وتعال نتحدث عن المواصفات المثالية للمعلم القدوة واسطة عقد المنظومة.

من لا مثالية له لا باعث له. ومن مثاليته الرقي في السلم الاجتماعي، ونيل الحظوة والمكانة الدنيوية، فباعثه إن بنى الاقتصاد، وتعلم العلوم، وكسب القدرة على امتلاك الوسائل، فإنه ليبني ولايخطر أن يبني المجتمع الأخوي الذي أساسه الأخلاقي يشده أساسه المادي لا العكس.

الناس معادن: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. والناس خيار، أفضل منهم خيار الخيار. وخير الناس من تعلم القرآن وعلمه كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإذا كان المعلم واسطة الخير بين جيل وجيل، وكان حامل الكلمة ومفشي الرسالة من جيل لجيل، فينبغي أن يكون من الخيار، ومن خيار الخيار، ومن خير الناس. أعني أن تكون مروءته وعلو همته صفتين بارزتين يستوي عليهما دينه ليكون خير الناس.

أعني أن يكون المعلم قرآنيا. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلقه القرآن وهو النموذج.

في قمة الخيار، وخيار الخيار، وخير الناس يستوي، وينبغي أن يستوي، العالم الرباني المتطوع في مسجد جماعة المسلمين. ويدنو من القمة ويتطلع إليها، ويجلس إليها المعلم الميداني المشتغل في مدرسته ومعهده وجامعته.

العالم الرباني القدوة، والمعلم الميداني المحاذي المتطلع، ينبغي أن لا تنازع دنياه آخرته. ينبغي ألا يكون مبعثرا مشتت الذهن منشغلا بهموم البيت والخبز والدرهم. صلاح دنياه مع آخرته، وصلاح آخرته بصلاح دنياه يتوقفان فيما يتوقفان على ضمان العيش الكريم له. كيف ينفق من علمه وخلقه من هو موزع في همومه اليومية منبث غير مضموم؟

الفقه في الدين شرط في المعلم والعالم، ولا يخلص فقه لمن في حلقه غصص الدنيا. اللهم إلا أن يكون زاهدا اعتزل الحياة وهرب منها. وليس هذا الذي نطلب.

العالم والمعلم المطلوبان من يعملان لآخرتهما بنفع المسلمين، وتوجيه المسلمين، وهداية الناس، وخدمة الناس، عملا يقبله الله تعالى. وإن الله لا يقبل إلا ما كان خالصا، وأريد به وجهه.

فلا ننتظر من عالم المسجد، ومعلم الميدان أن يقودا جهاد التعليم وهما في حضيض الحاجة، هات واعمل لآخرتك ولا تسألنا عن دنياك!

هذا كلام حالم.

فإذا تقرر أن كفاية العلماء والمعلمين أساس، فلنلتمس عند ذلك لهذه الخدمة الجليلة أي الناس خير.

الفرز بمباريات وامتحانات تقيم المحصول المعرفي وحده غرر وضرر. لما يخترع البشر وسيلة لفرز الأخيار أفضل من الاستماع لشهادة الناس فيهم. وفي ديننا الحنيف مبدأ التعديل والتجريح. “كيف نعدل العلماء والمعلمين؟” سؤال عن الوسيلة. وإنه لآكد من عدلية الشاهد عند القاضي عدلية من نستأمنهم على فلذات أكبادنا وعلى مستقبل الأمة.

المجتمع المسلم يرسف في أصفاده التقليدية، والأخرى المحدثة البدعة، فالعالم والمعلم المحرران لا بد أن يكونا حرين من عبودية هم المعاش، حرين مما يجرح المروءة والدين بشهادة الناس فيهم.

كيف يشهد فيهم، وكيف يعاد النظر في صلاحيتهم ؟ هذه أسئلة لاتتناسق مع إجرائيات التوظيف الإداري، وامتحانات التأهيل ومباريات الوزارة. والجواب عنها الجواب الإسلامي إنما يأتي في سياق التغيير العام حين تكون المشاركة العامة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والشورى وحرية الرأي، وواجب النصح أخلاقا يفرضها على الضمير المسلم دينه.

مطلبنا عالم متوازن، ومعلم منسجم في نفسه، مرتاح في سربه الاجتماعي، سوي في بنيته النفسية الخلقية، كفء في مادته العلمية، مراقب لله تعالى في أمانته، مطمئن بالإيمان، صابر على معالجة النفوس الناشئة والعقول، زاهد فيما بأيدي الناس، ذو مروءة وعفة وهمة.

هذا نمط من الرجال في حقل التربية والتعليم لا يتعايش ولا يزدهر إلا إن كان نفس النمط له القيادة والسيادة في الحقل السياسي. لاننتظر أن تبرز في حقل التعليم شخصية تنضح بالإيمان وتشرق منها الطمأنينة إن كان قائد القافلة السياسي الحاكم شخصية تنضح بالنفاق، وتنبعث منها روح التسيب الخلقي.

وها نحن عدنا لإشكالية من أين يبدأ التغيير؟ من أعلى حيث يتخذ القرار السياسي أم من القاعدة حيث يتقرر مصير الأجيال؟

لاشك أن هذا من ذاك وذاك من هذا، وأن التغيير قومة لا تتجزأ.

فالمعلم الذي يصنع المجتمع الجديد ولاينساق صنو لرجل السلطة العفيف النزيه الأمين القوي

وللمعلم في حياة الأمم الأثر البليغ على كل حال. لايزال الفرنسيون يذكرون بالثناء وزير تعليمهم جول فري الذي وطد أركان المدرسة اللاييكية منذ قرابة قرن. كان تعميم التعليم اللاييكي حدثا مهما في تطور المجتمع الفرنسي، وكان المعلم في المدرسة الابتدائية اللاييكية الجديدة محور نشاط الحي في المدينة والقرية، ومحطة إشعاع ثقافي، وعامل توعية سياسية، ومحرك تغيير.

وبمعلم جول فري ومدرسته اللاييكية استطاعت فرنسا أن تحوز التعليم النصراني الكنسي في ركن ضيق.

أيام المستقبل الإسلامي حبلى بالآمال حققها الله. ومن الآمال أن لا يطول عهد التحول حتى يصفو مناخ مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا من النفس المعادي للدين، فنتخلص من الاحتلال الأجنبي المشخص في أساتذة مفلسفين ملحدين. أي ركن يحوزهم؟

ليس هذا بعون الله سجلا من الأوهام اليائسة، ولا مخططا للتصفية المعتدية، وإنما هو خط سلوكي يكون للعالم والمعلم الإسلامي فيه مرتبة المُجَلِّى.

لا عدوان إلا على الظالمين، ولا تصفق يد السلطان الإسلامي وحدها حتى تتعرض لها بالاستجابة والتعاون الميداني يد القرآن متمثلة في عالم المسجد، ومعلم الميدان، ومعهما عامة المسلمين وخاصتهم، لهما السلطة الأخلاقية والهيبة والتبجيل والشعبية والمحبة. إن شاء الله. له الحول وله الطول.