من الذهنيات المريضة والمستعصية على العلاج في حياة الدعوة الإسلامية تلك الذهنية “المنتظرة” القاعدة التي تلتصق بالأرض وتجر دوما إلى الخلف، المتثاقلة التي لا تصدق ولا تستجيب، السطحية التي لا تقتحم ولا تتحمل، وإنما تواجه أمر الله بالقعود والتشكيك والتواكل والتفرج، وفي أسوء الأحوال تكذب وتسخر وتستهزئ، مختلقة صنوفا من المبررات الشيطانية والسلطانية لتزين بها سوء ظنها وتزن بها سيء عملها.

   وكثيرا ما تعرض القرآن الكريم لهذه الظاهرة وشدّ انتباهنا إليها، وعرض علينا سنة رسل الله عليهم السلام في التعامل معها، كثابت من ثوابت سنة الله في خلقه. ومن لم يوفق في تمييز الثابت من سنة الله عن المتغير منها فإنه لا يدري أفي خدمة الدعوة يسعى أم في محاربتها.

   إننا لما نقرأ قوله جل وعلا على لسان أنبيائه عليهم السلام للمكذبين من أقوامهم بعدما رفضوا دعوتهم: “فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ” نتساءل: هل انتظار النبي-حامل الدعوة، البشير النذير- كانتظار قومه؟ ما معنى إني معكم من المنتظرين؟ أو قل: هل “معكم” في الآية تعني المصاحبة والمشابهة والمثلية؟

   فانتظروا

   اقتضت سنة الله أن تعارض دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام بمختلف صنوف الاعتراض: من النفاق والقعود والارتياب، إلى الارتداد والتكذيب والقتل، ويبنى هذا الاعتراض دائما على مبررات واهية و كاسدة تفضح تلك النيات المغرضة الفاسدة التي تستصدرها: (ايت بقرآن غير هذا، ما أنت إلا بشر مثلنا، أساطير الأولين، أرنا الله جهرة، اتبعك أراذلنا، اعتراك بعض آلهتنا بسوء، تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، أنزل علينا مائدة من السماء، ائتنا بما تعدنا، ماهي وما لونها؟ فرقت جموعنا، سفهت عقولنا..)، ولما يحمل إليهم الأنبياء عليهم السلام نبأ عاقبة تكذيبهم وخبر الوعد الحق الذي يرتب الجزاء على جنس العمل يتمادون في غيهم وجدالهم وعنادهم: “فائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين” يظنون أن الكلام والخبر والوعد إنما هو ادعاء بشر و سياسة بشر وليس تدبيرا غيبيا محكما لرب البشر وغير البشر. يفعل ما يشاء أنى يشاء كيف يشاء “لا معقب لحكمه”.

   لذلك يجمعون تحديهم لحامل الوعد في أن ينجز لهم ما وعدهم على استعجال.

   لكن الجواب الحق الذي يجيبه أهل الحق على مر الزمان هو: “فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ”، أي فانتظروا خاتمة تعنتكم وإنكاركم وصدكم عن أمر الله، قال تعالى: “وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ” يونس 20، ذكر إسماعيل ابن كثير رحمه الله أنه “لما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين إعطائهم ما سألوا، فإن آمنوا وإلا عذبوا، وبين إنظارهم اختار إنظارهم”، حتى ينقلبوا خاسئين مذمومين مدحورين، وتنتصر الدعوة الصادقة بفضل الله ومنه وكرمه ويعلو شأنها! و يتفيأ الناس ظلالها.

   وإنه لما كان من سنة الله في خلقه إنظار المكذبين حتى يأتي نصر الله تعالى وهم في تكذيبهم يعمهون، هانحن اليوم نرى المرتابين والخرّاصين والبطّالين والورّاقين يدفعون بنفس الحجج القديمة  تشابهت قلوبهم- وإن اختلفت العبارات. يثبطون العزائم ويشككون في النوايا ويعطلون قضية الإسلام.

   وبذلك يكون الجميع في انتظار، وإن لم يكن نفس الانتظار، المكذب ينتظر من جهته متشككا فرصة الإجهاز على الدعوة والقضاء على الرسالة وفوات زمن الوعد الموعود، للشماتة بحامل الدعوة، نبيا مرسلا كان أو وليا صالحا -وإن كان من جهة الدعوة ينتظر الإفلاس والعذاب-، بينما ينتظر حامل الدعوة موقنا مقتحما عاملا خاشعا متضرعا وعد الله بالنصر والتمكين.

   قال الله تعالى: “َقالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وآباؤكم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ ” الأعراف71.

   هؤلاء مكذبون،

   وهناك آخرون “يصدقون” بوعد الله تعالى وظهور الإسلام وانتشاره في جميع أنحاء المعمور، لكنهم لا يعملون بالتكليف الشرعي تخطيطا وتربية وبناء…، يظنون ظنا متفاوتا أن النصر بيد الله لكنهم لا ينهضون للتعرض له ولا يبذلون أموالهم وأنفسهم في سبيله، هذه الذهنيات المتمنية والعاجزة والمنسحبة عبء ثقيل على الدعوة، خاصة عند نزول قدر الابتلاء، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “هناك انتظار بليد لأمر الله وهو انتظار المتواكلين الذين يبررون قعودهم وجبنهم وجهلهم بعقيدة جبرية.    وهناك من يشرك الأسباب مع الله، أو يعزل الله عن كل قدرة، فيسلك المسلك القدري لا ينتظر خيرا إلا من جهوده وحذقه وتدبيره. هؤلاء وأولئك يكلهم الله إلى عقيدتهم السوء، فهم من كافة البشر! تقلبهم الأقدار الإلهية جزاء وفاقا وقدرا مقدورا”.

   وجزاء المكذبين والمتشككين والظالمين يوم تظهر الآيات ويجيء نصر الله وفتحه هو الندم وعض الأنامل من الغيظ في الدنيا وهو العذاب المهين و العقاب الأليم في الآخرة “هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ” الأنعام158، فهم يتجاهلون قضية وجودهم الأساس ويتلهون عنها بالتافه من الاعتقاد والقول والفعل ويرفضون كل دعوة تنصحهم ألا يعبدوا ما كان يعبد آباءهم، عديمو الاستعداد  لفرط تمكن الدنيا من قلوبهم- لسماع صوت الحق إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم أو تنزل بهم صاعقة أو ريح عاتية أو عند لقاء الله في الآخرة. أمثال هؤلاء الناصبة يؤدون دورهم خائبين في سنة الله التي بمقتضاها تنتصر كلمة الحق ويؤيد رجالها ويظهر دين الله على الدين كله ولو كره الكافرون، ويتناسون ما فعل الله بالذين كذبوا من قبلهم، أمهلهم حتى إذا “كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ” القمر42.

   “وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ” هود 122 أي أن هناك أمرا جللا ينتظر الناس: هو العاقبة، إن بالحسنى فالحسنى للمتقين، وإن غير ذلك فلا يلومنّ مكذب إلا نفسه.

أتى أمر الله   سنة الله لا تحابي أحدا، كل شيء عنده بمقدار، الزمان والمكان مخلوقات طيعة تخدم سنة الله لا تتجاوزها، و فعل الخلق لا أثر له على سنة الخالق القادر المدبر ” كل شيء عنده بمقدار”. تدبيره سبحانه بيده لا يرده تدبير، وقضاؤه عز وجل “كن فيكون”.

   إلا أن الأمانة الربانية تستوجب على حامل الدعوة أن يكون جبلا راسخا من الصبر واليقين حتى يؤدي الرسالة كاملة خلال جميع مراحلها وأن ينتظر النصر والفرج باستبشار وحسن ظن وسعي حثيث، قال جل من قائل: “وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ” السجدة24، ومن لا صبر له ولا يقين أنى له أن يكون هاديا بأمر الله؟

   قال صلى الله عليه وسلم: “سلوا الله من فضله، فإن الله عز و جل يحب أن يسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج” رواه الترمذي، انتظار المقبلين على الله لا انتظار الغافلين، انتظار المقتحمين للعقبات لا انتظار الجبناء، انتظار العاملين الموقنين لا انتظار الكسالى المتواكلين.

   حامل الدعوة يلجأ إلى الله مفتقرا متذللا مستكينا متضرعا، صابرا و شاكرا في كل أحواله وأحيانه لا تلين له قناة في الحق، ولا يستفزه نزغ من الباطل، لكنه يجاري قدر الله من غير استعجال “أتى أمر الله فلا تستعجلوه”.

   من أنت يا أخي؟ وماذا تريد؟ دنياوي أنت أم تريد وجه الله؟

   الفتح انجماع على الله واجتماع عليه. بإتقان الأسباب والتعلق بربها، بالصبر الطويل والتحمل الجميل، تستحق الرجولة، لا بالتشتت على سطح الأحداث، تخوض مع الخائضين، وتتقاعس عن مهمات الجهاد حتى يلفك قدر الله وأنت من الغافلين. قال الله تعالى: “ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدّل لكلمات الله” الأنعام 34.

   وانظر إلى دعوة سيد الموقنين صلى الله عليه وسلم في الطائف، لما تلبّد عليه سفهاء ثقيف صفين يمر بينهما فيضربونه بالحجارة ويسبونه ويبصقون في وجهه الشريف! وكذلك يضربون ويسبون من ورث دعوته كاملة شاملة، صفية نقية.

   “قال له أحد قادة القبيلة: “أنا أمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك!” وقال الآخر: “أما وجد الله أحدا يرسله غيرك!” وقال ثالث: “لئن كنت رسولا من الله لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام. ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك”” حامل الدعوة يتقن السبب ويحسن الأدب، فلم يقعد صلى الله عليه وسلم عن الدعوة والتذكير والسعي، بل أتقن الأسباب بالتربية و التوجيه والدعوة والإعداد، وتحرى الإمكانات والأوقات والمناسبات والفرص، لكنه انتظر بكامل الأدب تنزل قدر الله بالنصر الذي وعده ولم يستعجله، قال صلى الله عليه وسلم: “أدبني ربي فأحسن تأديبي” رواه ابن السمعاني بسند صحيح. ثم كان أمر الله، وكان لقاء الله،! ولا إله إلا الله.