إن “أهل الله” الذين يهولهم خطر المعصية، بل والهفوة إلى هذا الحد الذي رأينا، تتفتح قلوبهم وينفتح وعيهم على رحاب الرحمة والمغفرة فيرون من خلالها واتساعها ما لا يرى سواهم من بقية الناس.

   يقول أحدهم، وهو “أوس بن عبد الله”:

   “ليس ثمة ذنب يقول الله له: إني لا أغفر.. إلا الشرك به سبحانه”.

   لقد اختار “أوس” رضي الله عنه هذا التعبير الرقيق الشاعري المرهف، ليعكس شعوره الممتلئ والفياض برحمة الله.

   ليس هناك ذنب مهما جشم وغلظ يستطيع أن يتعاظم عفو الله ومغفرته.

   إن لحظة عابرة تحمل توبة صادقة، لتدك دكا خطايا عشرات السنين حتى تعود وكأنها ما كانت .. لا بل:

   “يبدل الله سيئاتهم حسنات”!

   الشرك بالله فقط هو الذي يحرم جواز المرور إلى عفو الله وهذا جزاء طبيعي وعادل، لأن هذا الشرك يتضمن إنكار وجود الله بالكمال والجلال اللذين وصف بهما ربنا ذاته.

   ومن ينكر وجود الله ويجحد كماله وجلاله ووحدانيته في إصرار أعمى وضلال مهين، يفقد الحق في رجاء آلائه ومغفرته.

   أما الخطايا دون الشرك فللتوابين منها لا رحمة الله فحسب، بل وحبه أيضا:

   “إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين”.

   والتوبة عندهم، نزوع جاد وتصميم حازم على تجنب الإثم وهجر الخطيئة.. والناس فيها درجات.

   يقول “عبد الله التميمي”:

   “شتان ما بين تائب يتوب من الزلات ..

   وتائب يتوب من الغفلات ..

   وتائب يتوب من رؤية الحسنات”!!..

   فهناك من يتوب من الذنب .. وهناك من لم يذنب، لكنه غفل بعض الغفلة، فحق عليه أن يتوب!!. وثالث لم يذنب ولم يغفل .. لكن قد مر به لحظات رضا عن نفسه وشعوره بعبادته .. فهذا البار أيضا له توبة تناسب مقامه.

   لهذا، كان للتوبة كذلك عندهم درجات.

   يقول “أبو علي الدقاق”:

   “إنها التوبة .. والإنابة .. والأوبة”..

   فالذين على أول الطريق، لهم التوبة يتطهرون بها من ذنوبهم التي تثقل ظهورهم وذكرياتهم.

   والذين في وسطه، لهم الإنابة، يتجهون بها إلى الله في حياء التقصير..

   والذين وصلوا، لهم الأوبة يخبتون لها إلى الله في غبطة وشوق، وفريق من “أهل الله” يصل التوبة من الذنب بخشية الله وصلا وثيقا .. وذلك كيما يظل مقت التائب لذنبه قائما يحول بينه وبين مراجعته، أو حتى الرغبة في تذكر نشوته الكاذبة.

   فيقرر “سهل بن عبد الله”:

   “التوبة ألا تنسى ذنبك”.

   و”أهل الله” .. لا ينظرون إلى التوبة باعتبارها مجرد نزوع محمود عن الذنب .. بل هي قبل ذلك وفوق ذلك إعادة صياغة وبناء للإنسان الرباني الفريد.

   يقول “إبراهيم النخعي” رضي الله عنه:

   “جلاء القلوب التوبة .. وإنها لتدع قلب التائب كالسيف النقي المرهف”.

   كما أنهم لا ينظرون إلى التائب كرجل مشبوه، يطارده ماضي ينفر الناس من مصاحبته ومؤاخاته .. لا، بل “التائب الصادق” عندهم ريحانة من رياحين الله والجنة .. لا يحرصون على مصاحبته فحسب، بل ويتقربون إلى الله بهذه الصحبة .. ويتلمسون عندها رحمة الله!. هذا “إبراهيم النخعي” مرة أخرى، يوصي فيقول:

   “جالسوا التوابين فإنهم أرق الناس قلوبا .. ورحمة الله إليهم أقرب”..

   بل إن “أهل الله” عليهم رضوان الله وسلامه، لينفذون ببصائرهم إلى أعماق أبعد، حين يربطون وجودنا الإنساني كله بنعمة الله وبإرادته، وبفضله..

   وبهذه النظرة الدقيقة والعميقة، كم من ذنب، كان اختلاج صاحبه بوقعه، ثم صارت توبته منه معراجا إلى كمال روحي تعجز عن بلوغه طاعات كثيرة!!

   هذا “ابن عطاء الله السكندري” يعطينا التعبير النهائي لهذه الفلسفة البارة المبرورة فيقول:

   “ربما فُتح لك باب الطاعة، ولم يُفتح لك باب القبول..

   “وربما قضى عليك بالذنب، فكان سببا للوصول”!!..

   ألا ما أورعه، ثم ما أروعه!!

   فأنت قد توفق للطاعة .. ثم لا يفتح لك باب المثول، ولا تمنح جواز الوصول..

   بينما آخرون اعترفوا بذنوبهم، وقذف بهم تفجر الندم الرهيب إلى أعلى، فإذا هم فجأة، في مثل لمح البصر في أحضان النعمة والشهود والقبول..

   ذلك أن الطائع قد يتكل ولو بحسن نية على الصواب المرصود للطاعة .. أما التائب فماذا له؟ .. ومن له؟.. إنه بشعوره وباللاشعور فيه يطرح نفسه عند عتبات رحمة الله الكبير المتعال.

   إنه بدموعه وبضراعاته، وبامتهانه ضعفه الوالغ في الخطيئة، وبتجرده التلقائي والحقيقي من حوله ومن قوته إلى حول الله وقوته .. كل ذلك يجعله من الله جد قريب وجد محبوب!!

   وهم لذا يعلموننا دائما حسن اللجوء إلى الله.

   هذا “إبراهيم النخعي” يدعو ويعلمنا أن ندعو قائلين:

   “رب، إن نفسي لم ترحمني فارحمني”

   “رب، عافني منها، وعافها مني”

   “رب، أصلحني لها، وأصلحها لي”.

   وهذا “أبو حازم سلمة بن دينار” يواصل حديث القوم عن فلسفة الذنب، وفلسفة التوبة، فيقول:

   “إن العبد ليعمل السيئة، ما عمل حسنة قط أنفع له منها..

   “وإنه ليعمل الحسنة، ما عمل سيئة قط أضر عليه منها”..

   ويزيد القضية تفسيرا وتوضيحا، فيقول:

   “… وذلك أن العبد يعمل الحسنة فيزهو بها ويتجبر، ويرى أن له بها فضلا على غيره .. ولعل الله بهذا يحبطها ويحبط معها عملا كثيرا..

   “ويعمل آخر السيئة فتسوؤه .. ولعل الله يحدث له بها وجلا، حتى يلقاه وإن خوفها في جوفه لباق..”.

   كذلك يواصل حديث القوم عن جلال التوبة وبهاء عقباها، فيقول:

   “عند تصحيح الضمائر، تغفر الكبائر وإذا عزم العبد على ترك الآثام، أمه الفتوح..”.

   إذا عزم العبد على ترك الآثام، أمه الفتوح!!

   عبارة جليلة بقدر ما هي صادقة .. فالله البر الكريم لا ينتظر من عبده أكثر من رغبة صادقة في الاتجاه إليه، والسعي لمرضاته..

   هناك تأتيه من كل مكان وتفد إليه من كل أفق معونات الله وفتوحاته.

   وعند استقامة النوايا والضمائر، تتلاشى الكبائر وتذوب وينادى من سماء صافية وحانية.

   (لو جئتني بملء الأرض خطايا لجئتك يملئها مغفرة)!!

   المطلوب كله، ندم صادق على ما فات.. وتوبة صادقة لما هو آت.. ويقول “الأسود بن يزيد النخعي” لأصحابه وتلامذته:

   “تدرون ما الداء، وما الدواء، وما الشفاء”؟

   “الداء، الذنوب..

   “والدواء، الاستغفار..

   “والشفاء، التوبة التي لا رجعة فيها ولا نكوص”.

   وكلما استقام الضمير، كانت التوبة ناجعة. ليس ذلك فحسب بل:

   “إن العبد إذا خلصت سريرته، قال الله: هذا عبدي حقا”.

   هكذا قال “مطرف بن عبد الله”.

   إننا حين نفقد يقظة الضمير، نفقد معها ما هو شر من الإثم ومن الخطيئة. ألا وهو الاستهانة بهما والاستخفاف بعواقبهما، فلا يبقى هناك معنا أثارة من ندم تجعلنا على الأقل عارفين الخير من الشر، والإثم من الطاعة .. كما تجعلنا موصولين ولو بسبب واه مع إرادة الرجوع والتصحيح.

   وهكذا نقارف الخطايا فرحين ولا مبالين.

   ثم ماذا تكون العاقبة؟..

   يقول “بكر بن عبد الله المزني”:

   (من يأتي الخطيئة وهو يضحك دخل النار وهو يبكي).

   وهو مصير عادل .. إذ لا يستوي من يغلبه ضعفه وهواه فيأتي الذنب وهو مفزع ممرور .. ومن يأتيه جسورا، سادرا، جذلان.

   إن الاستهانة بعواقب الذنوب، ذنب أخطر من الذنب، لأنها  كما يراها أهل الله  تجاوز العصيان إلى التحدي، لاسيما إذا تضمنت الزهو بالخطيئة والإصرار على غشيانها .. ومن هنا كانت خطيئة السر أرجى للرحمة وأقرب إلى المغفرة من خطيئة الجهر والعلن .. شريطة أن تنجو من سلوك التبجح والإصرار.

   وإضافة إلى خطر الذنب على صاحبه، أيا ما تكن صفة هذا الذنب. فإن الجهر به ينقله إلى مرحلة أخرى من مراحل الخطر تلك التي يعبر عنها “بلال بن سعيد” فيقول:

   “إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا أهلها وإذا أعلنت، ولم تغير، ضرت العامة”.