الحمد لله ربّ العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمين، القائلِ في الظلم والظالمين: “الظلمُ ظلماتٌ يوم القيامة”، و”إن الله، عز وجل، يُملي للظالم، فإذا أخذه لم يُـفْـلـتْه…”، و على آله الأطهار وصحابته الأخيار. وبعد: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة، إن أخذه أليم شديد)، صدق الله العظيم؛ رُفعت الأقلام وجفّت الصحف، وشاهت وجوه الظالمين الذين يأمرون بإيذاء المؤمنين والمؤمنات، ومحاربة أولياء الله، وترويع الآمنين والاستئساد على المسالمين، واستباحة بيوت المواطنين والتطاول على حرماتهم وتخريب ممتلكاتهم، لا لجناية جنوها إلا أنهم آمنوا بالله وحده، لا شريك له، واتبعوا رسوله، صلى الله عليه وسلم، وكفروا بالطاغوت أيّ طاغوت.

شاهت الوجوه

شاهت وجوه الآمرين بالمنكر، القاعدين للمعروف كلَّ مرصد، اللاصقين بكراسيهم بغير رضا الناس، الفرحين بسلطاتهم المطلقة يصولون بها ويجولون على المستضعفين، والعدوُ يسفك الدماء ويفسد في الأرض طولا وعرضا، ودماءُ المسلمين، في بلاد المسلمين، تسيل أنهارا وبحارا، بفعل الباطل وما في ركاب الباطل مما تقترفه أيدي المستكبرين الطغاة، وحكامُنا “المبجلون”، “المعظمون”، “المقدسون”، “الجبانون”، “النهّابون”، “الناكصون على عقبيهم”، سادرونٌ في غفلاتهم، قد تشتتت همومُهم في حقارات الدنيا، تداعب أحلامَهم ومنتهى آمالِهم لذاذاتُ سلطانهم الفاني الذي ينُوشُه الحرامُ من كل مكان؛

أتينَا إلى سَعْدٍ ليَجْمَع شملـَـنا °°° فشتَّتنَا سَعْدٌ فما نَحْنُ من سَعْد

لمنْ نكتبُ؟ ومن نحاورُ؟ ومن ننادي؟ (تكسَّرت النِّصالُ على النصال)

عاتبني أخٌ حبيبٌ- وعتابُه على رأسي وعيني- عتابا خفيّا كلّه لطفٌ ومودة على إعجام قلمي- والوقت وقت جهادٍ بالكلمة والحجة- عن المشاركة في معركة فضح سياسات الاستبداد والتنديد بما تقترفه السلطات المخزنية في حق جماعتنا من عدوان سافر، ليس له من موجب إلا التعليمات الجبرية الظالمة، والأحقاد الكامنة في بعض النفوس المريضة تجاه الدعوة الإسلامية عموما، ودعوة العدل والإحسان على وجه التخصيص.

تأملت هذا العتاب الأخوي ساعة، فإذا بيتٌ لأبي الطيب يفرض عليّ من عبارته عنوانَ هذه المقالة المُناضلةِ في حقٍّ، الثائرة في تؤدة، المدافعة في رفق، المتفائلة، في إيقان، بوعد الله لعباده المؤمنين الصابرين، ووعيده على الظَّلَمَة المجرمين المتجبّرين؛ يقول بيتُ المتنبي:

فصرتُ إذا أصابتني سهامٌ °°° تكسَّرت النِّصالُ على النصال

لم يعد الوضع يحتمل أكثر مما نحن فيه، ودعْك من المقارنات المغالطة الهاربة الماكرة التي يعقدها سياسيو المخزن بين مستوى المغرب ومستوى شعوب أخرى، ليقفزوا إلى النتيجة الإيجابية المتفائلة التي تحكم للمغرب، في زعمهم الكاذب، بأنه بات سائرا على الطريق الصحيح، وبأنه نموذجٌ يُحتذى في كذا وكذا وكذا من الإصلاحات والسياسات والقرارات… فبئس النموذجُ الذي يشهد له (بوش) وأمثالُه من قتلة الأطفال الوالغين في دماء المسلمين بغير حسيب ولا رقيب؛ وإن الله، تعالى، هو حسبنا ونعم الوكيل.

دعْـك من هذه الأضواء والأشكال والهياكل الفارغة والمهرجانات التبذيرية، والسفريات البذخية، والاستعراضات التلفزيونية الغِلْمانية، التي يُراد بها ذرُّ الرّماد في العيون، وإلهاءُ المستضعفين المُجهَّلين المُفقَّرين، وتخديرُ الحالمين المحرومين، في البوادي والمدن على السواء.

جراحاتٌ فوق جراحات، ومراراتٌ على مرارات، وظُلامات تتبعها ظُلامات، وإخفاقات تعقبها إخفاقات، ومَخْزَنِيَّّاتٌ جديدةٌ ترسّخ مخزنيات قديمة. في جملة، يُخيل إليّ، وأنا أستعرض جوانب من واقعنا المتردي، أنه لم يبق للمواطن في هذا الجو المخزني الخانق المُنتن من متنفس، فأستعيذ بالله من انفجارات تأتي بغتة، تجتاح الأخضر واليابس، ولاتَ حين مَنْدَم. فهل يتقي الله هؤلاء المخزَنيُّون في هذا البلد، ويكفّوا أيديهم أن تمتد بالأذى لأولياء الله؛ يا أيها الناس، قبل فوات الأوان، “اتّقوا دعوة المظلوم، فإنه ليس دونها حجاب”، كما قال عليه الصلاة والسلام.

من تخاطب؟ ومن تحاجج؟ ومن تنافس وتدافع؟

لقد أسمَعْتُ لو ناديْت حيًّا °°° ولكنْ لا حياةَ لمنْ تنــادي

نقولُ بالحِلْم، فيُرَدّ علينا بالسَّفاه. نخاطبُ بالرفق، فنواجَه بالعنف. ندعو بالحكمة والموعظة، فيُـجْلبُ علينا بالجهل والمغالطة والمكر السيء. نناضلُ وندافع ونحاور بالحجة والبيان، فلا نجد أمامنا إلا السفسطة والمداورة والمراوغة والكيدَ الجبان.

نطالب بدولة الحق والقانون والعدل والشورى، فإذا الجوابُ عصا التعليمات وهراواتُ قوات المخزن من كل الأنواع والأشكال…وهلم جرا

تكسَّرت النصالُ على النصال…

وها هو ذا تكبّر المخزن وتجبُّرُه وجهالتُه وخبرتُه الطويلة في القمع والمنع والإرهاب والإخضاع تنتهي به إلى التردّي في قاع الحضيض؛ وهل هناك أشنعُ وأبشع وأحقرُ وأجبنُ وأجلبُ لسخط الله من أن تقوم دولة، بقضها وقضيضها، لتخطط وتفكر وتقدّر ثم تقرر منع المسلمين من الاجتماع على ذكر الله، ومدارسة كتاب الله، والتعرض لرحمة الله، مع ما يصحب تنفيذَ هذا المنع من محاكمات شكلية ظالمة وتجاوزات وإرهاب وترويع وإهانات وسلبٍ ونهب وتخريب؟

في رأيي، مثلُ هذا القرار، مهما كانت تعليلاته ومقدماته، لا يمكن أن يصدر إلا من قلب جافٍّ قد بلغ به العمى مداه، والعياذ بالله، (فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور).

أما الحكمُ على نيات الناس، والرجمُ بالغيب فيما يتعلق بسرائرهم، والخوض في الأباطيل، أيِّ أباطيل، من أجل تبرير هذا الهجمة المخزنية اللادينية، فذلك هو البهتان الكبير، لسبب بسيط وهو أن النيات في هذا الشأن لا يعلمها إلا الله؛ مؤمنون ومؤمنات اعتادوا، منذ سنوات- وتقارير السلطات المخزنية بكل أنواعها شاهدة على ذلك- أن يجتمعوا من أجل مقاصد إيمانية ربّانية إحسانية، تجمعهم رابطة الإسلام أولا وأساسا، وثانيا رابطة الانتماء إلى جماعة العدل والإحسان. والمراقب العابر، فضلا عن المراقب المتقصي المتعمق، يعرف أن مُراد المخزن كان، ولا يزال وسيظل، هو رأس جماعة العدل والإحسان، لأنها، باختصار شديد، تمارس السياسة لا كما يطلب النظامُ المخزني، وإنما تمارسها على الصورة التي ينبغي أن تكون عليها كل معارضة حقيقية لدولة الاستبداد والاستعباد والتعليمات.

حقيقة القانون ومزاعم الاستبداد

الإعلام المخزني بكل أبواقه الراشِية والمرتَشية، الأصيلة والهجينة، وخاصة الأبواق المرتزقة التابعة الذليلة المشهورة، عند القاصي والداني، بعداوتها المفضوحة للمدّ الإسلامي، بكل تياراته، وبفتلها في كل حبل إلا حبل دعوة الإسلام، ومستقبل الإسلام، وأخوة الإسلام؛ جفاف على جفاف، (في قلوبهم مرض)، و(الله يُضل من يشاء ويهدي من يشاء)-

هذا الإعلام المخزني بسعى بكل ما في جهده، وبما يملكه من وسائل هائلة في مضمار الدعاية والتشويش وبث الأراجيف والأباطيل وقلب الحقائق، إلى ترويج فرية قديمةٍ جديدةٍ قوامُها أن الأمر، فيما تقوم به السلطات المخزنية من عدوان على جماعة العدل والإحسان منذ ما يقرب من أربعة أشهر، لا يعدو المشهدَ التالي: هناك دولةٌ تعمل من أجل القانون والنظام حماية الحقوق والحريات، وهناك، في المقابل، جماعة “محظورة” ظلامية تستغل الدين وتتحرك خارج القانون من أجل بث الفوضى والنيل من المكتسبات التي حققها المغرب على درب الانتقال الديمقراطي وبناء المجتمع الحداثي…إلى آخر مفردات هذه الأغنية الدعائية التي باتت ممجوجةً مستقبحة مردودةً إلا عند مؤلفيها وملحنيها ومغنيها.

وعلى الرغم من أهمية النقاش القانوني في هذا الأمر، وقد كتب في هذا الموضوع من هم أهل خبرة واختصاص وأصابوا ادعاءاتِ النظام المخزني ومن يدور في فلكه في مقتل، فإني أرى أن هذا النقاش القانوني لن يكون وراءه طائل ما دام أن الطرف المعتديَ في هذه النازلة، وهو النظام المخزني، لا يعترف بالقانون إلا حينما يكون مصدّقا لقراراته ومزكيا لسياساته وماشيا في ركابه بالتسليم والتصديق.

بعبارة أخرى، النظام المخزني، بطبيعته، نظام غير قانوني بالمفهوم الحقوقي والمؤسساتي، أي من جهة فصل السلط ومراقبة المسؤولين، بدءا من الرأس وهلمّ نزولا إلى أسفل السلم، ومحاسبتِهم وتقويم أعمالهم، إلى آخر الصفات والشروط التي يجب أن تتوافر في الأنظمة القانونية بالمفهوم الاصطلاحي المتعارف عليه. وهكذا هي الأنظمة الاستبدادية في كل زمان ومكان؛ لا تفزع إلى لغة القانون إلا للمناورة والتدليس والتمويه والدعاية.

ومن غير تطويل ولا لفّ ولا دوران، المشهد الحقيقي الواقعي، كما أراه، هو كالتالي:

من جهةِ النظامِ المخزني، المطلوبُ، ولو بالتحالف مع شياطين الجن والإنس أجمعين، هو رأسُ جماعة العدل والإحسان، هذا العدو اللدود، في عين المخزن، الذي استعصى على التدجين والمساومة والمداهنة والقبول بأنصاف الحلول، وهو على منهاجه اللاحب لايعرف كلالا ولا ملالا. ولا أحتاج أن أبين هنا أن كل من يعارض النظام المخزني معارضةً حقيقية رأسُه مطلوبٌ مهما كان مشربُه السياسي ومرجعيته العقدية.

ومن جهةِ العدل والإحسان، المطلوبُ، ولو بترك المُهج واعتناق الشهادة، فضلا عن العنت من جراء العدوان الذي لا ينتهي، هو الحسم مع الاستبداد وبناء دولة الشورى والعدل والمؤسسات المسؤولة؛ هذا المطلب العدْلي في البرنامج السياسي للعدل والإحسان هو جزء من برنامج أوسع وأشمل، يعانق فيه سعيَ الدنيا شوقٌ كبير إلى الدار الآخرة، عنوانُه: العدل والإحسان. وتفصيلاتُ هذا البرنامج تُطلب في مظانها من كتب الجماعة ومنشوراتها وتصريحاتها ومواقفها وغير ذلك مما يُعرّف بها ويدل عليها.

أما السياسيون المعارضون للنظام المخزني، بحسب تحليلي وتقديري، فنوعان، معارضون لفائدة هذا النظام، ومعارضون له من أجل نظام تتحققُ فيه كرامة الإنسان، وتُصانُ فيه حقوقه وحريته، وتكون فيه يد القانون فوق الجميع، لا فرق بين رئيس ومرؤوس. وبين هذين الطرفين هناك طيف من الآراء والمواقف ظهر بعضها، مثلا، فيما تسرّب من اقتراحات من هنا وهناك حول الإصلاحات الدستورية التي يروج أن النظام المخزني بصدد طبخها، وقد يتم فرضُ بعض التعديلات الشكلية والجزئية قبل موعد انتخابات2007، إن تم احترام هذا الموعد، والله أعلم. أقول الله أعلم، لأن عمل المخزن في مثل هذه الموضوعات هو دائما محاط بالتستر، مسبوق بالإشاعات والتكهنات؛ أليس الأمر أمرَ المخزن وحده؟ أليس الدستورُ التي ننعم في ظلاله الوارفة مِنِْ مِنَحِ الملك الغالية؟ بَلىَ، و(إنا لله وإنا إليه راجعون).

وهناك أصوات تنادي باطّراح النظر في تغيير الدستور، كليا أو جزئيا، والاهتمام، بدل ذلك، بما يهم مصالح المواطنين المباشرة وضروراتهم الملحة، وخاصة في المجالات الحيوية. وهذه الأصوات تستند في تقوية مقالتها، من بين ما تستند إليه، إلى كون الصلاحيات التي يمنحها الدستور الحالي للمؤسسات الموجودة، وعلى رأسها مؤسسة الحكومة، ليست مستغلةً بشكل كامل وعلى الوجه المطلوب. ومضمون هذه المقالة يقول، بلغة أخرى، إن هناك صلاحيات تنفيذية فائضة مهملة لا تجد من يقوم بها. فلمَ الاحتجاجُ إذا قام الملك وزرع الحياة في صلاحيات أهملها أصحابُها وأضافها إلى صلاحياته السيادية الشريفة المتواضعة.

وفي نظري، ليس هناك عبث سياسي وراء هذا العبث الذي تنبني عليه مثل هذه الأصوات والمقالات المغموسة في القِدْر المخزني من أسفل القدمين حتى قُنَّة الرأس.

تكسّرت النصالُ على النصال…

أما الذي عليه العقلاء والفضلاء والنزهاء من كل اتجاه، فهو أن الاستبداد هو منجم الأدواء التي لم تزل تفتك بالخلايا الحيوية في كياننا، وهو الرحم الذي تتخلق فيه كل الشرور والمصائب التي يكتوي بها الناس في معاشهم، في التعليم والصحة والعمل والسكن وسائر المرافق والخدمات. رأس الاستبداد أولا، ثم يهون الأمر بعد ذلك، وإن في التاريخ القريب والبعيد لعبرة لمن ينفعه الاعتبار.

وإلى مقالة جديدة، إن شاء الله، تتناول وجها آخر من أوجه الاستبداد والقمع للنظام المخزي.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.