تنديدا بالزيادة الصاروخية في الأسعار، دعت هيأة الدفاع عن المصالح الاقتصادية والاجتماعية لإقليم طاطا (وهي إطار جامع تنضوي تحته العديد من الهيئات السياسية والمنظمات النقابية والجمعيات المحلية – تعتبر جماعة العدل والإحسان بطاطا إحدى أهم التنظيمات السياسية المؤسسة لهذا الإطار) إلى تنظيم وقفة سلمية يوم الأحد 01/10/2006 للاحتجاج على غلاء المعيشة والارتفاع الصاروخي للأسعار التي وصلت إلى حد لا يطيقه المواطن المأجور ناهيك عن الغالبية القصوى من الفقراء الذين لا دخل لهم البتة. فكان جواب الباشا الجديد الذي بيَّن انه يتقن لغة الرفض وكتابة تصاريح المنع بدقة فائقة حيث اتخذ أول قرار، بعد تنصيبه بقليل، يقضي بجعل ساحة المسيرة – قلب مدينة طاطا النابض- التي كانت دائما مسرحا لكل التظاهرات السياسية والنقابية والثقافية ومختلف أشكال التظاهرات السلمية على مدار تاريخ طاطا. فأعلن الباشا في قراره هذا جعل هذه الساحة منطقة محرمة على كل أشكال التظاهر والاحتجاج. فما كان منه إلا أن يرفض كتابة طلب الهيأة في الترخيص بتنظيم هذه الوقفة الاحتجاجية.

   وبكل عزم وإصرار قررت هيآت المجتمع المدني بطاطا تحدي قرار الباشا الذي رأت فيه إجهازا على ظهير الحريات العامة الذي يكفل لها حق التظاهر والتجمهر السلمي بكل حرية وبدون قيود، وعدم الرضوخ لسياسة المنع والقمع التي جعلها الباشا الجديد عنوان عمله ولب فلسفة تعامله مع المواطنين.

   وقفة سلمية اختارت لها هيأة الدفاع عن ساكنة طاطا عنوانا معبرا ذو مغزى سلمي حضاري وهو “وقفة ألف شمعة”. وقبيل انطلاق هذه الوقفة تمت عسكرت مدينة طاطا وسدت كل مداخل ساحة المسيرة بجحافل من الدرك الملكي والقوات المساعدة التي تم جلبها من الأقاليم المجاورة. فقامت هذه الفيالق بحركات تستعرض فيها قواها أمام المواطنين العزل قصد تخويفهم وبث الرعب في نفوسهم فحاولت عبثا كف المتظاهرين عن تنظيم وقفتهم. وتفاديا لكل احتكاك من شأنه أن يعطي الفرصة لقوات المخزن لتنفيذ مخططها والتدخل كما هو معهود منها ببطش شديد وقمع رهيب، التجأ المنظمون إلى مقر CDT بساحة المسيرة وتم إشعال الشموع ورفع الشعارات المنددة بزبانية المخزن. فكان هذا التغيير في مكان الوقفة كما يبدو مفاجأ للقوات العمومية التي كانت تتأهب للانقضاض على المتظاهرين بالعصي والهراوات، لكن ملاذ المنظمين إلى مقر CDT أربك خطة الباشا الذي لم يضع في حسبانه هذا الأمر فوقف مكتوف الأيدي ينتظر التعليمات لا هو يستطيع اقتحام المقر وإسكات أصوات المتظاهرين التي تعالت بالتنديد ولا هو يستطيع الحيلولة دون تجمع المزيد من المشاركين في الوقفة، فصب جام غضبه وسلط آلة قمعه على النساء والأطفال الصغار والتلاميذ الذين جاؤوا لمعاينة هذا المشهد والذين لم يستطيعوا الوصول إلى مكان الوقفة. فحين أراد الباشا تفريق وقفة واحدة تحولت كل أزقة وشوارع طاطا المحيطة بساحة المسيرة إلى وقفات ومسيرات واحتجاجات شعبية عفوية استمتع فيها الأطفال الصغار والتلاميذ بلعبة الفر والكر مع القوات المخزنية التي تتخبط وتركض وراءهم في كل اتجاه. فدامت هذه المطاردة السينمائية زهاء ثلاث ساعات كادت الأمور أن تخرج فيها عن السيطرة حين لم تستطع قوات المخزن فرض سيطرتها على الوضع الذي تسببت في تفجيره، حيث أضرم المتظاهرون النار في الإطارات المطاطية وأحبطوا محاولات المخزن الرامية إلى الحيلولة دون وصولهم إلى مكان الوقفة. وقام رجل من أعوان السلطة بلباس مدني بتوقيف تلميذ خرج من مخدع الهاتف ونادى على أفراد الدرك الملكي لاعتقاله بعدما سمعه يتصل بأشقائه يدعوهم لعدم الخروج من البيت خوفا عليهم. وتم حجزه بمخفر الدرك الملكي ليتم تقديمه صبيحة اليوم الموالي إلى وكيل الملك بتهمة التحريض على العصيان وتسيير عصابة. وقرر هذا الأخير متابعته في حالة سراح مؤقت لجلسة يوم 05/10/2006.

   والسؤال الكبير المطروح بحدة في الشارع الطاطوي هو ما الداعي لهذا الإفراط في استعمال القوة والعنف وضرب المواطنين العزل بلا هوادة دون مبرر؟ علما أن مدينة طاطا عرفت في السنة الماضية مسيرات وتظاهرات ووقفات شعبية حاشدة يقدر المشاركون فيها بالآلاف لم يسجل فيها أي حدث شغب خارج عن القانون. وهذا ما أشاذ به الإعلام الوطني دوما. فأخطأ الباشا ومن قرر معه استدعاء هذا الكم الهائل من القوات العمومية لضرب المتظاهرين، إذ يرى سكان طاطا انه وحده يتحمل مسؤولية استفزاز المواطنين.

   فماذا يضير السلطات المحلية لو سمحت للمواطنين بالاحتجاج السلمي لساعة أو ساعتين؟ فهل بلغ بهم الحنق والضيق مبلغا لا يستطيعون معه تحمل سماع أصوات المحتجين ولو على الأسعار الصاروخية وفواتير الماء والكهرباء الملتهبة، أم أن الباشا ما هو إلا أداة تنفيذ لتعليمات فوقية تتجاوز جغرافية الإقليم وربما الجهة كلها؟

   فلئن كان الباشا الجديد وراء هذه الحملة فهو قد أعلن الحرب على مؤسسات المجتمع المدني برمتها ومن ورائها عموم سكان طاطا وخاصة هيأة الدفاع عن المصالح الاجتماعية والاقتصادية لساكنة إقليم طاطا التي تؤطر هذه الأشكال النضالية. فمن المؤكد أن الباشا هو الخاسر الأكبر في هذه المعركة لأن إرادة المواطنين لا تهزم. فكان حري به – وهو جديد في المنطقة- أن يمد جسور التواصل بالحكمة والتعقل مع كل فعاليات المجتمع المدني بطاطا حفاظا على السلم والأمن الاجتماعيين خاصة في هذه الظرفية بالذات حيت الأوضاع ببلادنا بلغت حدا من التشنج والاحتقان تنتظر فيه أي فتيل مهما كان بسيطا وفي أية رقعة ولو كانت نائية ليتفجر الوضع إلى ما لا يعلم مدى خطورة تداعياته إلا علام الغيوب سبحانه وتعالى.