فرق شاسع، وبون كالطود قائم، بين سلطة الصحافة وصحافة السلطة. بل إن في الوصف الأخير إلغاء تام للوصف الأول، إذ أن صحافة السلطة لا سلطة لها. فهي تابعة خاضعة، تتحرك بالأوامر والتعليمات، ولا تأثير مستقل لها، فتأثيرها من تأثير السلطة التابعة لها. وإذا كانت الصحافة في جوهرها تقوم على الوضوح والموضوعية، و تتأسس على الحرية، حرية البحث والمعرفة بحيث تسلك مختلف الطرق المشروعة للوصول إلى المعلومات اللازمة، وحرية القول والتعبير بحيث تنقل تلك المعلومات بالكيفية التي تراها مناسبة، فإن صحافة السلطة تقوم على التلفيق والإشاعة، ولا نصيب لها من تلك الحرية بشقيها، إذ لا يسمح لها، أو بالأحرى لا تسمح لنفسها، إلا بمصدر واحد للمعلومات، وبتوظيف محدد وموجه لها. يقال أن أول من أطلق على الصحافة صفة السلطة الرابعة هو الإنجليزي أدمونديورك (المتوفى سنة 1797) إذ توجه إلى الصحافيين في مجلس العموم البريطاني وهو يقول:” أنتم السلطة الرابعة”. ومهما اختلف الباحثون حول المقصود من السلطة الرابعة فإن الخلاصة تكاد تكون واحدة ألا وهي تمتيع الصحافة بالاستقلال عن السلط الثلاث، السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وذلك حتى يتسنى لها القيام بوظائفها على أحسن وجه، فتراقب نظام الحكم بسلطه الثلاث، وتساهم في توعية المجتمع وتوجيهه في اتجاه يخدم قيمه ومصلحته العامة، و تحقق توثيقا موضوعيا للأحداث بحيث تشكل مصدرا للتاريخ. لكن دون الصحافة وقيامها بهذه الوظائف الجليلة تفريطها في سلطتها، وتحولها من سلطة رابعة إلى صحافة خاضعة. إن صحافة السلطة لا تراقب نظام الحكم بل تبرر أفعاله وتسوغ تصرفاته، ولا تساهم في توعية المجتمع بل تساهم في تسكينه وتنويمه، وبكل تأكيد ليس اتجاهها الصالح العام، ولا تحقق توثيقا موضوعيا بل تقدم رواية للتاريخ يساورها الشك من كل جانب. وأي خطر على الأجيال اللاحقة من تاريخ مشكوك في صحته؟ إن قراءة مغلوطة للتاريخ لا تنتج إلا حيرة واضطرابا في الحاضر والمستقبل.

   ما مناسبة هذا الكلام؟ والصحافة في المغرب تتحدث كل يوم عن الملك والأميرات والجيش… وهو الكلام الذي كان محرما من قبل…

   بكل تأكيد ليست كل الصحافة بالمغرب صحافة سلطة، كما ليست كلها تمثل سلطة رابعة، لذلك فتطرقها لتلك المواضيع لا يكون بنفس الجرأة، فأحيانا لا يعدو أن يكون الأمر مجرد عنوان مثير لجلب القراء، وحتى إذا كانت هناك جرأة فطريقة التناول تجعلك في بعض الأحيان تتساءل هل في ذلك نقد حقيقي للنظام ومراقبة له أم فيه توطيد لشرعيته؟ على الأقل الشرعية “الديمقراطية” من خلال جعل تلك المواضيع مجالا لحديث الصحافة.. وفي جميع الأحوال يبقى التطرق لتلك المواضيع من قبل الصحافة أمرا هاما.

   مناسبة الكلام عن الصحافة والسلطة ما أصبحنا نلاحظه في مغربنا الحبيب من سلوك لبعض الصحف التي زهدت في أخلاقيات المهنة، وانخرطت بالكامل في “استراتيجية” السلطة، وأصبحت وظيفتها تلفيق الإشاعات، ونسج روايات من الأوهام، وإصدار الأحكام قبل أن يصدرها القضاء، وحتى لا يبقى الكلام على عواهنه نسوق مثالا واضحا، فجماعة العدل والإحسان تعرضت وتتعرض منذ شهور لحملة أمنية واسعة، بشاعتها مستعصية عن الوصف، شملت اقتحاما للبيوت، واعتقالات تعسفية للآلاف، وسطوا على الممتلكات الخاصة، وطردا من الوظائف، وتوقيفا للأئمة، ومتابعات قضائية لأزيد من 370 عضوا من الجماعة….هذه الانتهاكات وغيرها لم تر فيها بعض الصحف أدنى مس بحريات المجتمع، وبالتالي لم تولها أية أهمية، وليتها اكتفت بذلك، بل إن منها ما تضمنت مقالات تشيد بالإنجاز الجبار لوزارة الداخلية، وتبرر الخرق الواضح الفاضح لأبسط حقوق الإنسان.

   فهي لم تدافع عن كرامة المواطنين وحرياتهم، وهذه هي الوظيفة الأساس لكل صحافة حرة، ولم تلتزم الحياد وذلك أضعف الإيمان.

   والأخطر من ذلك كله أن بعض الصحف، دون حياء أو خجل، أصبحت تروج في حق الجماعة أكاذيب لا سابق لها، حيث نشرت أن العدل والإحسان حصلت على أموال من أحد مروجي المخدرات، وأن من تسلم ذلك هو الأستاذ عبد السلام ياسين نفسه. لعل القوم لا يعرفون عاقبة الكذب عن أولياء الله، لكن بكل تأكيد هم يعرفون أساسيات العمل الصحفي، من ذلك أن يكون المصدر موثوقا، وكلها الجرائد التي أوردت الخبر لم تتحدث عن مصدرها، وبالمناسبة نسألها عن ذلك؟ وفي حالة تلقي المعلومة من مصدر واحد فإن من أبسط واجبات الصحافي الذي يحترم مهنته التحقق من تلك المعلومة بالاتصال بمن يعنيهم الأمر، فلماذا لم تعرض هذه الصحف وجهة نظر الجماعة في ذلك الافتراء الذي لم يعلن عن مصدره؟.. ثم نسأل هل كانت الجماعة ستبقى في منأى عن أية متابعة قضائية بمجرد الاشتباه في وجود علاقة للجماعة بمروجي المخدرات، والسلطة تتحين فرص الانقضاض عليها، ومما يغيظها في كل مرة أنها لا تجد ما تستند إليه.

   وإذا كانت تلك الصحف تختلف مع تصور الجماعة وأفكارها فذلك من حقها، ومن حقها أيضا أن تنتقد الفكر بالفكر وتدفع التصور بالتصور، لكن ليس من حقها أبدا أن تنخرط في حملة مخزنية ضد جماعة ممنوعة من أبسط وسائل التعبير، ثم إن تلك الصحف تعرف جيدا الخط التربوي لجماعة العدل والإحسان، وتوقن أنه ليس لها ولا يمكن أن تكون لها أية علاقة من قريب أو بعيد بمروجي المخدرات، وتدرك تمام الإدراك ورع الأستاذ المرشد وزهده وحرصه على الآخرة. فكيف تتجرأ أقلامها على كتابة ما كتبت ..

   إن بعض الصحف وللأسف الشديد أصبحت تظن أن هناك “حصانة صحافية” تجعلها في منأى عن أي نقد، رغم أنه بقليل من التأمل يمكننا أن نستنتج أن من عناصر الأزمة في المغرب “صحافة السلطة”، ومرة أخرى لا أعمم. كلنا سمعنا عن لقاءات أطر من وزارة الداخلية ببعض الصحف، وتقرر في الآونة الأخيرة دعم مالي للصحافة، ومما يعرفه الصحافيون جيدا مسألة الإشهار الذي لا تستفيد منه الصحف إلا بقدر رضى السلطة عنها، وليس بخاف على أحد سيف الغرامات المالية الخيالية التي أصبحت تشهره السلطة في وجه الصحف المغضوب عنها، كل هذه قرائن تؤكد رهان السلطة على الصحافة. قد يقول قائل ليس هناك ما يمنع لقاء الصحافة مع بعض أطر الدولة، كما أنه ليس هناك ما يمنع من تلقي الدعم المالي بالنظر لما تقدمه الصحافة من خدمات مجتمعية، وهذا صحيح إذا لم تغير تلك الصحف من خطها التحريري وأبقت على مسافة بينها وبين السلطة، أما إذا تحولت إلى بوق لترويج الأكاذيب في حق معارضي السلطة، فمن حقنا آنذاك أن نتحدث عن لقاءات مشبوهة، ودعم مالي مشبوه، وصفقات إشهارية مشبوهة… ولا يظن أهل الشبهة أنهم في منآى عن النقد.