التجديد في “شعر التفعيلة” أو “الشعر الحر”

د. عبد العالي مجدوب / [email protected]

انتصار إديولوجي إعلامي أم انتصار أدبي فني؟   تتحدث كثير من الكتب النقدية اليوم-إن لم نقل كل الكتب النقدية- عن تجربة “شعر التفعيلة”، وكأنه معطى أدبي ثابت لا يقبل النقض أو المراجعة، مثله مثل المعطى العلمي الراسخ بالحجة والبرهان.

   وإن كان الحديث عن هذا الثبوت جائزا، على المستوى الإنشائي العام، فإنه ليس كذلك، على المستوى الخاص المتعلق بعلم العروض وموسيقى الشعر.

   فلا أحد، في زعمنا، يستطيع أن يجزم بأن “شعر التفعيلة” قد ربح المعركة فعلا، في مواجهة “الشعر العمودي”، وأن الصراع قد انتهى. وينبغي التذكير هنا أن “الشعر العمودي” من العبارات الشائعة عند النقاد لنعت الشعر القائم، في وزنه، على نظام التساوي العددي الكمي، أجزاء وأشطارا، وأبياتا. ويختلف “شعر التفعيلة”- أو “الشعر الحر” حسب اختيار نازك الملائكة-عن الشعر العمودي بأنه يتكون من أسطر أفقية بدلا من أبيات عمودية. وهذه الأسطر لا يشترط فيها التساوي، لا في الكم ولا في الطول. يراجع عروض هذا الشعر مفصلا، كما وضعته نازك الملائكة، في كتابها “قضايا الشعر المعاصر”(ص67-132).

   نعم، قد يكون هذا “الشعر الجديد”، تاريخيا، قد ربح المعركة إديولوجيا وسياسيا بالدعاية والنشر على أوسع نطاق، لكنه، في رأيي، لم يربحها قط أدبيا، بالعلم والدليل الفني المقنع. ونستمع هنا إلى شاهد من أهلها، وهو الأديب المغربي الدكتور أحمد المعداوي، في كتابه “أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث”(ص5)، حيث كتب أن “النصر الذي خرجت به هذه الحركة[يقصد حركة الشعر الحديث] من تلك المعركة لم يكن نصرا شعريا محضا، ولكننا معشر أنصار هذه الحركة والمنبهرين بها إلى حدود التماهي والاستلاب قد اعتبرنا ذلك النصر نصرا شعريا خالصا إلى درجة أن علاقتنا بها قد ألغت كل علاقة بما عداها من الحركات الشعرية السابقة عليها …”.

   فما زالت المعركة مشتعلة إلى يومنا هذا، بل وتزداد اشتعالا، وخاصة بعد اجتياح التطرف الحداثي العنفي الهدمي للميدان الشعري بشعارات، ومقالات، ونظريات، قوامها اللاشكل، واللاقواعد، أي العبث واللامعقول.

   وما تزال المصادر النقدية والتاريخية الأدبية تذكرنا بتلك السخونة التي طبعت المناقشات، والجدالات، والمطارحات، وغيرها من أشكال المناظرة والحجاج، التي دارت بين أنصار “الشعر الجديد” وأنصار “الشعر القديم” على عهد البدايات الأولى لهذه الدعوة الشعرية التجديدية.

   وما تزال الحجج التي كان يعرضها كل طرف في مواجهة حجج الطرف الآخر حيّة في نقاشاتنا النقدية إلى يومنا هذا، رغم مرور أكثر من نصف قرن على بداية هذا الصراع.

   فالمعركة إذاً ما تزال مستمرة، ولعلها ستدوم، في الزمان المستقبل، بدوام الأسباب التي كانت، وما تزال، تفرق بين أذواق الناس، ومشاعرهم، وانطباعاتهم، وأحكامهم، وتقويماتهم، ومواقفهم عامة تجاه الأعمال الأدبية.

حجتان منقوضتان   وقد كانت انتقادات “المجددين” واعتراضاتهم على “الشعر العمودي” تدور، في غالبيتها، على حجتين اثنتين:

   ـ أما الحجة الأولى، فهي أن الشكل الشعري ليس شيئا نهائيا ومقدسا، وإنما هو شكل يفرض قانون التجدد والتطور أن يتغير تبعا لتغير المعاني والأغراض. “فالشكل ينبع من طبيعة المضمون، والمضمون هو الذي يخلق الشكل ويحدده”(قضية الشعر الجديد، للدكتور محمد النويهي، ص93).

   ولما كان الزمان الحديث قد فرض تغيرات واسعة في التصورات، والرؤى، والمشاعر، وزوايا النظر، والتفكير، والإحساس، فإن من الطبيعي أن تُتْرك أشكال التعبير القديمة، وتُستحدث أشكال جديدة تناسب المعاني المتطورة الطارئة على حياتنا. أما الجمود على الأشكال القديمة، فهو من قبيل التقديس الذي لا مسوغ له، ومن قبيل فرض قيود لا لزوم لها على حريات الشعراء ومشاعرهم وحقوقهم في التعبير بالشكل الذي يستجيب لحقيقة ذواتهم، وصفاء تجاربهم، وعمق معاناتهم.

   في موضوع شعار المجددين: “لا بد للمضمون الجديد من شكل جديد”، أحيل القارئ الكريم على كتاب “الصراع بين القديم والجديد في الأدب العربي الحديث”، للدكتور محمد الكتاني(ج2/ ص1020)، وكتاب “هذا الشعر الحديث”، للدكتور أحمد سليمان الأحمد(ص135-136، وص202 وما بعدها).

   ـ أما حجتهم الثانية، فهي ذات صلة وثيقة بالأولى، ذلك أنهم يزعمون أن الأوزان العمودية التقليدية قد نشأت في بيئة فرضت عليها إيقاعا يمتاز بالحدة والثقل، و”التنسيق الهندسي الرتيب”(هذا الشعر الحديث، للدكتور أحمد سليمان الأحمد، ص131)، لأن الناس كانوا يطلبون الطرب السماعي، والرتابة الموسيقية الموسومة بالقياس الرياضي والهندسي الصارم. أما في العصر الحديث، فلم تعد هناك حاجة إلى هذا النوع من الإيقاع الشعري المطبوع بحدة الوزن، ورتابة القوافي، والذي يشبه “مجموعة من الأصوات التي تروع الأذن”(الشعر العربي المعاصر، للدكتور عز الدين إسماعيل، ص45 و78). فلم تعد الأذن تطرب وتستريح لهذا النوع من البناء الرياضي الرتيب، بل أصبحت تطلب الإيقاعات السريعة التي تتناسب وسرعة إيقاع الحياة الحديثة، وتخف للموسيقى المتحرّرة من القيود الهندسية الثقيلة، وكذلك تنشرح للألحان التي لا يحدها حساب في التركيب، ولا يطبعها تكرار في الأداء. ومن عباراتهم ومؤاخذاتهم النقدية، مثلا، على أوزان الشعر: “حدة الإيقاع وبروزه ورتابته”(النويهي في “قضية الشعر الجديد”، ص232)، و”سيميترية الشطرين”(نفسه)، و”الرنين والضخامة، والشطر، هذا الحاكم العتيق المستبد”(جبرا إبراهيم جبرا، في “الرحلة الثامنة”، ص14)، و”الفكر الهندسي الصارم& والنسب المتساوية& والنموذج المتسق اتساقا تاما& “(نازك الملائكة، في “قضايا الشعر المعاصر”، ص60).

   وما تزال الحجج التي يرددها أنصار التجديد والحداثة المعاصرون تدور، في جوهرها، على هاتين الحجتين الموروثتين عن بداية تاريخ الصراع بين القديم والجديد في تاريخ الشعر الحديث، وإن اختلفت العبارات، وتعددت المقالات، وتنوعت أساليب الاحتجاج وطرائق التناول والإقناع.

   أما الحجة الأولى، فما تزال منقوضة بكثرة الشعر الذي قيل، قديما وحديثا، في مختلف الأغراض، وعبّر عن أدق العواطف والخلجات، وجَلّى ببيان مبدع وموسيقى لذيذة ومطربة عمق معاناة الشعراء، وحقيقة آمالهم وآلامهم.

   لقد أبدع الشعراء أيما إبداع في كل الأغراض، وغاصوا إلى أعماق أسرار الذات، من غير أن يحسوا، لحظة، بضيق الأوزان العربية، بنظامها الكمي العددي، أو عجزها عن استيعاب تجاربهم، وتجلية حقيقة مشاعرهم، وذلك، لسبب واحد وواحد فقط، وهو أنهم كانوا شعراء مقتدرين يملكون ناصية الشعر، ومهارة الصنعة والإبداع.

   فهل ضاقت أوزان الشعر العربي، قديما، عن فلسفيات أبي العلاء المعري مثلا، في مثل داليته المشهورة: “غير مجد في ملتي واعتقادي**نوح باك ولا ترنم شادي”؟

   هل ضاقت عن المعاني الصوفية التي غاصت في أعماق الأسرار، وطَوّفَت في أرجاءِ دقيقاتِ المشاعر والأفكار، ومخرت عباب محيط الرؤى الغيبية الزّخّار؟

   وها هو شعر إيليا أبي ماضي، من شعراء المهجر مثلا، في العصر الحديث، يشهد للأوزان العربية العمودية بأنها كاملة الأهلية-في تنوع إيقاعاتها وأنغامها الموسيقية، وتعدد تشكيلاتها العروضية، وغنى إمكاناتها الصوتية- لاستيعاب مختلف الأفكار والأحاسيس والعواطف الإنسانية في جميع مستوياتها وأصنافها وأحجامها.

   ألم يعبر إيليا أبو ماضي المهجري، وأبو القاسم الشابي الرومانسي-وأمثالهما من شعراء العصر الحديث كثيرون- بالأوزان التراثية، بالنظام العروضي العمودي القائم على تساوي الأجزاء والأشطر، عن مختلف نوازع النفس الإنسانية في أخفى اهتزازات أعماقها، وألطف نبضات مكنوناتها؟

   ألم يتوغلا، على متن العروض العمودي، في غوامض النفسيات وعويصات الوجوديات-ومعهم شعراء كثيرون، قديما وحديثا- فأبدعوا لنا شعرا جميلا شفيفا بديعا، يرتاح إليه الذوق، وتقبله الفطرة الأدبية السليمة؟

   فلِمَ لم يعْيَ الشعر العمودي بكل هذه العواطف الشفيفة، والمشاعر العميقة، والفلسفات الدقيقة، والأفكار اللطيفة؟

   الجواب، في رأينا-وقد أجاب به قبلنا أساتذة في نقد الشعر كبار- أن الوزن العمودي لم يعيَ بكل هذه الأغراض، لأنه صادف لدى الشعراء مواهب قوية، وملكات شعرية عبقرية، فكان الإبداع الشعري الجميل، الذي سيظل شاهدا على شموخ الشعر العربي في العصر الحديث.

   يقول الأستاذ عباس محمود العقاد في هذا الموضوع-وهو من كبار الأدباء النقاد الذين سبقوا إلى نقض مقالات المجددين ودعاوي المعترضين على الأوزان العمودية، في بداية المعركة الأدبية بين القديم والجديد-: “إن تجارب العصور الماضية تنجلي عن صلاح القوالب العروضية لمجاراة أغراض الشعر في أحوال كثيرة، ويبدو منها أن أساس العروض العربي قابل للبناء عليه بغير حاجة إلى نقضه وإلغائه.”(اللغة الشاعرة، ص163)

   وقد ساق العقاد، لتأكيد مقالته، مثال الإلياذة اليونانية، فحين تم نقلها “إلى النظم العربي لم تضق بها أوزانه، ولم يظهر من سياق الترجمة أن هذه الأوزان قاصرة عن التنويع فيها على نمط غير هذا النمط لمن يشاء التنويع”(نفسه). وكذلك “استجابت الأوزان لمطالب المسرح، كما استجابت للملحمة المترجمة ولما يشبهها من القصائد التاريخية المطولة.”(نفسه)

   ويستطرد الأستاذ العقاد، في السياق نفسه، قائلا: “ومن تجاربنا في تاريخ الشعر العربي يتبين لنا أن قواعد النظم عندنا مواتية للشاعر في كل تصرف يلجئه إليه تطور المعاني والتعبيرات في مختلف البيئات والأزمنة.”(نفسه، ص166). ثم ينتهي إلى أنه “لا موجب للفصل بين قواعد النظم وأغراض الشعر في تجربة من التجارب العربية التي وعيناها منذ نشأت أوائل الأوزان إلى أن بلغت ما بلغته في منتصف هذا القرن العشرين.”( نفسه، ص166-167).

   أما حجتهم الثانية، فهي مكونة من عناصر ترجع، في معظمها، إلى أحكام ذاتية، وانطباعات آنية، لا يمكن اعتمادها أساسا لحكم نقدي علمي موضوعي.

   ما معنى انتقاد الوزن العمودي بأن إيقاعه حاد وبارز ورتيب؟( قضية الشعر الجديد، للدكتور محمد النويهي، ص232) وبأنه معيب بسبب “الرنين الثقيل الرتيب الذي استعبد الأذن العربية بجرسه الطاغي& “؟(نفسه، 259) وبأن موسيقاه “مجرد أصوات رنّانة تروع الأذن”؟(الشعر العربي المعاصر، للدكتور عز الدين إسماعيل، ص67).

   هذه أحكام وانطباعات مغرقة في الذاتية، ولهذا، فهي أحكام متغيرة بحسب نفسيات المتلقين، تتلون بتلون أذواقهم، وتتباين بتباين طباعهم وشخصياتهم.

   وإذا أردنا حكما فنيا على الأوزان العمودية قريبا من الإنصاف، صادرا عن أهل الذوق والاختصاص في الميدان، فلنراجع، مثلا، كتاب الدكتور عبد الله الطيب “المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها”.

   فإذا رجعنا إلى هذا الكتاب وأمثاله من مصادر صنعة أوزان الشعر، يتضح لنا أن الأوزان العموديية، بكل أنواعها، تامة ومجزوءة ومشطورة، ومعها الأوزان المستحدثة لأغراض غنائية وعاطفية، تستطيع بإمكاناتها الإيقاعية الغنية، ومستوياتها الموسيقية المختلفة، أن تشمل محيطا واسعا من العواطف الإنسانية، وكذلك تستطيع أن تستجيب لمستويات متعددة من الانفعالات النفسانية في نبضها الشعوري المتغير، قوة وضعفا، حدّة واعتدالا، بروزا وخفوتا، خشونة ونعومة، تعثرا وانسيابا، شهوة وعفة، غضبا وحلما، حربا وسلما، هدوءا وضجيجا، وغير ذلك من ألوان الأحاسيس النفسية، والمشاعر الانفعالية، والمستويات العاطفية التي تتميز بها النفس الإنسانية.

   أليس في الأوزان العمودية ما يمتاز، في إيقاعه، بالخفوت والانسياب؟

   أليس فيها ما يمتاز بإيقاع الشدة والرعب والحرب؟

   أليس فيها ما لا يصلح إلا لمعاني النضال، والتدافع، والاصطراع؟

   أليس فيها ما لا يصلح إلا للرقص والترفيه عن النفس؟

   أليس فيها ما لا يصلح إلا للمشاعر الرقيقة والتعبير عن رفرفات أحلام العاشقين، وأماني المتيمين؟

   في الأوزان العمودية كل هذه الألوان من المعاني، والمواقف، والعواطف. ولولا أن يطول بنا الكلام لجئت بأمثلة من الشعر العربي على كل هذه المستويات من الصفات النفسية، والسلوكات العاطفية، وغيرها من ألوان المواقف الحياتية الإنسانية.

   فما كانت الحركة الخفيفة والإيقاع الخافت، في يوم من الأيام، حكرا على “العروض الجديد”، كما يزعم المجددون، وما كان الثقل والحدة والرتابة صفات مقصورة على العروض العمودي.

   وما كانت “السيميترية الشطرية”، على طول تاريخ الشعر العربي، عائقا لملكات الشعراء ومواهب المبدعين.

   فمثل هذه الأقوال والأحكام، إنما هي، في رأيي، من الكلام الإنشائي الذي لا علاقة له بحقيقة موضوع الوزن الشعري، الذي ينتسب، علميا وفنيا، إلى مجالين، مجال اللغة وبنائها وخصائص أصواتها، ومجال الإيقاع الموسيقي، الذي هو مجال قائم على الحساب والتناسب والتناغم وغيرها من العناصر التي لا يمكن اكتسابها والتحكم فيها إلا بقواعد معروفة، وقوانين مضبوطة. والمرجع في كلا المجالين أهلُ التخصص والصنعة والميدان.

   ولعل ما جعلهم يذهبون هذا المذهب في محاولة نقض الأساس العددي الكمي في بناء الوزن الشعري هو نظرهم إلى الوزن على أنه عنصر خارجي يفرض على الذات الشاعرة فرضا، ومن ثم فهو بمثابة قيد ثقيل يحول دون انطلاق كل الطاقة الإبداعية لدى الشاعر.

   ويظهر هذا المذهب جليا في مثل قول الدكتور عز الدين إسماعيل، حيث يصف النظام في الإطار الجديد للقصيدة بأنه “نظام داخلي، أو لنقل-إذا نحن تحرينا الدقة- إن معظم هذا النظام داخلي، ينتمي إلى الشيء نفسه(القصيدة)، وينبع من داخله، وليس شيئا(تصورا) خارجيا مفروضا عليه.”( الشعر العربي المعاصر، ص82).

   فأنصار الشعر الجديد يُقرون بضرورة النظام في الأعمال الفنية، لكنهم “حريصون على جعل هذا النظام شيئا يصدر عن نفس الشاعر، لا شيئا يفرض من الخارج، أو يفرضه الشاعر نفسه على نفسه& “(نفسه، ص56)

بين القواعد المحمودة والقيود المذمومة   لقد مرّ بنا أن الوزن هو عنصر قائم في بناء اللغة نفسها، وليس عنصرا غريبا. هو صفة متلبسة بلسان الشاعر، وكامنة في سليقته اللغوية، وليس عليه إلا أن يبلوره بموهبته وإبداعه، ليحوله من طبيعة الوزن اللغوي إلى الوزن الشعري المطلوب في أداء التجربة الشعرية.

   فليس في الأمر حسابات مرهقة، وقياسات معجزة، وهندسة خانقة، وأصوات مروعة، وإيقاعات حادة وثقيلة، وأنغام مكررة ورتيبة، وما إلى ذلك من دعاوي المجددين القائمة، في أساسها، على الانطباع الذاتي والكلام الإنشائي، وفي بعض الأحيان، على الموقف “الإديولوجي” المبيّت. وإنما الأمر قواعد مطلوبة، بالضرورة، لقيام عمل فني.

   فلا بد في هذا السياق من “التفرقة بين القواعد والقيود في كل فن من الفنون. فلا سبيل إلى الاستغناء عن القواعد في عمل له صفة فنية، ولا ضرر من الاستغناء عن القيود التي تعوق حرية الفن، ولا يتوقف عليها قوامه الذي يسلكه في عداد الفنون.”(اللغة الشاعرة، لعباس محمود العقاد، ص166)

   أليس للموسيقى قواعد وضوابط وأسس فنية ضرورية؟

   أليس للنحت والتصوير قوانين معلومة ومتعارفة بين الفنانين أهل الصنعة والاختصاص؟

   أليس لفنون الرياضة قوانين، وشروط، ولوازم، واصطلاحات، وحدود مرعية؟

   وكذلك فن الشعر، فهو كيان إبداعي له قواعد وضوابط وخصائص تميزه من غيره من فنون القول؛ قواعد وضوابط وخصائص تطورت عبر زمان طويل، حتى انتهت إلى ما يتعارفه أهل اللسان من قوانين وحدود وغيرها من العناصر المعرّفة المميزة.

   يحتج أنصار التجديد والتحديث على نظام الشعر العمودي بأن أوزانه لم تزل تثقل كاهل المبدع بصرامتها، ورتابتها، وحدّة إيقاعاتها، وصرامة كمّها وحساب طول أشطارها، حتى انتهت إلى حصر تصرفه وإرادته وإبداعه في مجال ضيق من القواعد والقيود الخارجية المسبقة، لا يستطيع بها التعبير عن حقيقة تجربته، وكشف أسرار مشاعره، وعرض مكنونات مواهبه وإبداعه.

   نعم، هناك قواعد وقوانين وضوابط، ولكن ليس هناك قيود، لأن الأصل في الفن والإبداع هو حرية المبدع، وانطلاق ملكته وقدراته من غير قيود أو حدود من خارج طبيعة الفن ذاته.

   نعم، هناك قواعد في الفن والإبداع، ولذلك كان المبدع الحقيقي هو من يستطيع أن يأتي بالعمل الرائق الشائق الجميل وفق تلك القواعد. بل إن تلك القواعد والمعايير هي التي تميز المقتدر من غيره من المدّعين أو المجرّبين الفاشلين. وما أكثر الأدعياء حينما تزول القواعد، وتستباح جميع الحدود، ويصبح كل شيء جائزا، حتى الأشياء التي لا وجود لها إلا في أوهام أصحابها.

   إنه “إذا لم يكن هناك قيود على المرء(أي قواعد متبعة تكون مقاييس للجودة في الإنتاج عند المنافسة)[هذا التفسير للمؤلف في أصل النص]، فكيف يعرف العبقري من غير العبقري؟ وعندي أن جميع الذين اختاروا طريق الشعر الحر صدروا عن مبرر واحد: هو ضعفهم(من الناحية العملية الواقعة أو من الناحية النظرية العارضة) في الثقافة المنطقية وفي الرواية اللغوية. وفي يدينا على ذلك أدلّة قاطعة، من الشرق العربي ومن الغرب الأجنبي.”(هذا الشعر الحديث، للدكتور عمر فرّوخ، ص98).

   إن سقوط خاصية التساوي في أجزاء الوزن الشعري، كما وطولا، يعني تحول هذا الوزن إلى وزن لغوي طبيعي، أي وزن موجود في جميع مفردات اللغة بالوضع، وهو الأمر الذي يترتب عليه تساوي الشعر والنثر في خاصية الوزن، وهذا ما لا يقول به إلا من ينكر وجود صفات وخصائص يعرف بها الشعر من النثر في آداب مختلف الأمم والحضارات، وأن من هذه الصفات والخصائص الوزن الشعري الفني الذي هو شيء آخر غير الوزن اللغوي الوضعي.

   إن “التفعيلة” “كلمة لا فرق بينها وبين ألوف الكلمات في الأوزان العروضية، إذ ليس في اللغة كلمة تتجرد من أوزان التفاعيل بين فعل وفاعل وفعولن وفاعلاتن ومستفعلن ومفاعيلن وغيرها من مركبات الفعل والاستفعال.”(بحوث في اللغة والأدب، لعباس محمود العقاد، ص12).

   فما من مفردة من مفردات اللغة إلا ولها شكل من أشكال وزن التفعيلة، حسب المفهوم اللغوي الصرفي للوزن. أما الوزن الشعري، فهو اجتماع أشكال من التفعيلات وفق نظام معلوم مصطلح عليه، يمتاز بتساوي الأجزاء في الكم وفي طول زمان الأداء، صقلته وأهلته ورسخته تجارب أجيال طويلة من الممارسة والإبداع.

   أما “من قال إن التفعيلة هي “تصميم ” البيت، فهو كمن يقول إن الحجر الواحد هو “تصميم” المنزل أو الحجرة أو النافذة أو الباب، ولن يقوم بناء فوق وجه الأرض على مثل هذا التصميم.”( نفسه، ص12،13).

   في مقالة الأسبوع القادم ، إن شاء الله، سأعرض أمثلة من أصوات نقدية انقلابية من أهل دار “الشعر الحديث”.

   ورمضان مبارك كريم؛ نسأل الله، تعالى، أن يتقبل من جميع المسلمين، وأن ينصر جنده من القائمين والمرابطين الصابرين، وأن يخزي إبليس وأتباعه من الإنس والجن أجمعين، آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.