هنا قاصمة الظهر لا ريب فيها .. وهذا الغرور رغم ارتكازه على العبادة، آية على ما لا تزال النفس تعج به من خبث واستعلاء.

   ولهذا الغرور وجهان: وجهه الأول رضاك عن نفسك والافتتان بما تأتيه من عبادة ونسك .. ووجهه الثاني: استعلاؤك على الآخرين بفضلك، بل وتعييرهم بما معهم من قصور ومساوئ.

   إن “أهل الله” لا يمقتون نقيصة مثلما يمقتون هذا اللون الوقح من الغرور.

   ذلك أنه حين تسلم نفسك حقا من ذاتيتها وأنانيتها، فلن تدل بطاعة أبدا. بل ستظل راكعة لله الذي وفقها، وهداها، وزكاها، ضارعة إليه ألا يسلبها هذه النعمة بعد إذ أعطاها.

   ثم هي لن تُعَيِّر بمعصية أبدا، لأنها تعلم علم اليقين أن ليس بينها في أوج طاعتها وبين الآخرين في أغوار عصيانهم سوى غلالة رقيقة من ستر الله وتوفيقه، لو تكشفت عنها لأصبحت والآثمين سواء!!

   من أجل هذا لم ينس “أهل الله وأولياؤه” هذا المنزلق الوعر والهوة الفاغرة.

   ها هو ذا “أبو علي الهروي” رضي الله عنه وعنهم أجمعين يقول:

   “اعرف أن كل طاعة رضيتها منك، فهي عليك”

   “وكل معصية عيرت بها أخاك، فهي إليك”!!

   إن خطر رضاك عن نفسك في هذا المجال، أنك بهذا الرضا، ومع تكراره واستمراره ستفقد الإحساس بالخطإ، ومن ثم تفقد حاسة الاتجاه إلى الفضيلة والخير والصواب.

   ثم إن هذا الرضا إذا لم تحسن استخدامه، سيضيع مكان الطموح إلى التكامل والخير الاغترار بما أصبت من تكامل وخير ومن ثم فالقعود عن طلب المزيد منهما والشوق إليهما.

   أما تعيير الآخرين بضعفهم، فهو لا يكشف وحسب عن أن النفس قد ضلت طريقها إلى الله. بل وقبل ذلك، يكشف عن أنها لا تستحق بحال، شرف السير على هذا الطريق!!

   ولنصغ لفلسفة “أهل الله” تجاه هذه القضية يؤلفها لنا “ابن القيم” فيقول:

   “تعييرك أخاك بذاته، أكثر إثما من ذنبه، ففي تعييرك هذا، تبدو صولة الطاعة وتزكية النفس والمناداة عليها بالبراءة من الذنب.

   “ولعل انكسار الذي عيرته بذنبه، وإزراءه على نفسه، وتخلصه مما أصابك من كبر وعجب وادعاء، ووقوفه بين يدي ربه ناكس الرأس خاضع الطرف، منكسر القلب، أنفع له من صولة طاعتك ومَنِّك بها على الله.

   “ألا ما أقرب هذا العاصي من رحمة الله!.

   وما أقرب ذلك المدل من مقت الله!.

   “فذنب تذل به لديه .. أحب من طاعة تدل بها عليه!!

   “ولأن تبيت نائما، وتصبح نادما .. خير من أن تبيت قائما، وتصبح معجبا، فإن المعجب لا يصعد له عمل..

   “وإنك إن تضحك وأنت معترف، خير من أن تبكي وأنت مدل..

   “وأنين المذنبين، أحب إلى الله من زجل المسبحين، المدلِّين..

   “ولعل الله سقاه بهذا الذنب دواء استخرج به داء قاتلا .. هو فيك وما تشعر”!!

   ويتقدم الإمام الجليل “أبو الحسن الشاذلي” رضي الله عنه ملخصا القضية في إيجاز بليغ فيقول:

   (رب معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عُجْباً واستكبارا).

   فغرور العبادة آفة يتوقاها “أهل الله” ويحاذرونها ويحذرون منها ذلك أن ارتباط هذا الغرور بالطاعة كثيرا ما يعمى عن خطره بل كثيرا ما يتنكر في ثياب فضيلة تكريم الطاعة والتحدث بنعمة الله!!

   يقول “إبراهيم النخعي”:

   “إني لأرى الرجل يرتكب أمرا أكرهه، فما يمنعني أن أعيبه إلا مخافة أن أبتلى بمثله”.

   أجل .. مخافة أن يبتلى بمثله، فهم أكثر من غيرهم إدراكا لما تعود به خطيئة التألي على الله من قَصَاص سريع.

   يقول الإمام “جعفر الصادق”:

   “من كشف حجاب غيره، انكشفت عورات بيته”.

   “ومن سل سيف البغي قتل به”.

   ثم إن لهم حكمة عميقة في رفض ذلك النوع من التألي والاغترار .. فالناس عندهم لا يحرمون فضلا يغبطون عليه مهما تكن أخطاؤهم.

   وإن حسنة واحدة تراها في إنسان لتشفع له بحسن الظن فيه، لأنها لن تظل واحدة وغريبة .. بل ستنادي إليها غيرها من الحسنات.

   يقول “عروة بن الزبير”:

   “إذا رأيت الرجل يعمل الحسنة، فاعلم أن لها عنده أخوات”.

   “وإذا رأيت الرجل يعمل السيئة، فاعلم أن لها عنده أخوات”.

   ويرتفع “أبو أيوب السختياني” إلى قمة الإدراك السديد للقضية حين يبتهل إلى الله داعيا، وقائلا:

   “اللهم استرنا بالعافية”

   فعافية الله سبحانه هي التي تصنع الفارق الشاهق بين الطائع والعاصي .. بين المعافى بالهدى، المستور بالعافية، وبين المبتلى بالذنب، المحروم من العافية.

   إن الخلاص من هذا الغرور الديني  غرور الطاعة والعبادة ضرورة لكي يصبح المؤمن صالحا للسير على طريق القوم الراكضين إلى الله .. و”أهل الله” يولونه أكبر قدر من اهتمامهم وعنايتهم، لأنه ليس هنالك ما يدل على بقاء سيطرة النفس وتألهها الكاذب مثل هذا النوع من الغرور.

   ولقد كان التوقي من هذا الغرور شيمة أهل الله جميعا، حتى الذين لهم قدم صدق عند ربهم، لم يكونوا ليأمنوا مكر النفس واغترارها بالطاعة.

   هذا هو “الربيع بن خيثم” واحد من كبار التابعين وكان عبد الله بن مسعود صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكاد يراه إلا ويصيح:

   “وبشر المخبتين”

   ثم يقول له:

   “لو رآك رسول الله لأحبك”.

   هذا “الربيع” عليه رضوان الله، يطلب إليه أن يعظ الناس، فيكون جوابه:

   “ما أنا عن نفسي براض حتى أتحول عن ذمها إلى ذم الناس”.

   “وما أريد أن أكون من قوم خافوا الله في ذنوب الناس وأمكنوا عذابه في ذنوبهم!..”

   ألا ما أعمقه .. وما آلقه؟!

   ترى من هؤلاء الذين يخافون الله في ذنوب الناس، ثم يأمنون عذابه في ذنوبهم؟!

   إنهم في أحسن مستوياتهم، وهو في نفس الوقت أسوأها حالا وعاقبة، ليسوا سوى ضحايا غرور الطاعة .. أنساهم غرورهم الأعمى ما في أنفسهم البشرية من ضعف، بل وأنساهم وزر الغرور نفسه، فأمنوا مكر الله تجاه أنفسهم.. بينما راحوا يدمدمون بوعيده ويتعجلون عذابه وبأسه للآخرين!!.

   وغرور العبادة هذا، عرض لمرض آخر يفطن إليه أهل الله، ويقرعون لضحاياه أجراس النذير.

   ذلك ما يعبر عنه “إبراهيم النخعي” فيقول:

   (ما أحسب أحدا تفرغ لعيوب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه).

   فهذا الغرور حين يخدع أصحابه عن أنفسهم ويقنعهم بأنهم انتهوا إلى خير ما يرجعون، ولم يعد في الإمكان أبدع مما كان، يعود فيلوي أبصارهم شطر الآخرين حيث يسول لهم غرورهم أنهم فريق الإنقاذ لأولئك الغرقى .. ثم ينفخ أوداجهم فيخيل إليهم أنهم الأطهار والأبرار وينظرون من عل إلى أولئك الخطائين نظرة تتضمن الاستخفاف بهم والتلمظ بعيوبهم.

   وذلك السلوك في نظر “أهل الله” برهان أكيد على أن صاحبه قد غفل عن نفسه.. والغفلة عن النفس عندهم مهما يكن تقدمها الروحي أدهى خطرا وعاقبة من غفلة رجل أعزل عن أسد يحاوره ويتربص به ليجعله مضغة شهية بين فكيه وتحت أنيابه!!.