حدثنا الأشهب بن يقظان قال: ولما غادرنا الساحة الممدودة، وتركنا القُبّة المشهودة، رُمنا باب الأحد، حيث الشعب في كَبَد، داخل الأسوار الحزينة، يشهد غُبن المدينة.. وفي طريقنا إلى ذاك المكان، لفت انتباهي دكان .. ليس فيه ما يسدّ الرمق، غير الألوان والورق .. قلت للزعفان: ما هذه العناوين والألوان؟! قال: هذه بعض الجرائد والمجلات، تتيه بك في كل المجالات، عناوينها جذّابة لمّاعة، ونصوصها فارغة كفقاعة، ودروبها دوّامة بلاّعة، مهمتها تجارة الكلام، وتدويخ العقل بما يرام وما لا يرام، لا صِدق فيها ولا منطِق، فالكل يُسفسِط ويهرطِق .. بها من يزعم أنه يحلل ويكتب، وإن هو إلا يطير وَينقُب .. لا يستقر على منهج أو تشريح، تختلط أوراقه عند التلميح، يهتز منطقه عند التصريح، فاقد لعلم التعديل والتجريح … لغتها مبتذلة، ومواضيعها مرتجلة .. أصبحت تعيش نفس العِلّة، حزبية أو مستقلة -ولا أعمم- تُعدُّ الآن بالعشرات، عورتها النهار والأحداث .. بعد أن كان القلم، لا يعرف إلا القليل والعَلَم .. فهي اليوم تكاثرت، وعلى الرصيف تناثرت .. أوجَدَت للناس متاهات، في الكلمات المتقاطعات .. وحين شحَّت الإعلانات، خصَّصت ركنا ل”الشَّوَّافات” .. مَن أراد منها الاستمرار، فلا يطعنَن في “الاستقرار” .. به يزهو ويُشِيد، ويدعو “للمخزن السعيد”، بالبقاء والعمر المديد .. لا يبغي عنه بديلا، ولا يريد للوضع تعديلا، ومَن يرُم تجاوز الخطوط، فهو لا محالة إلى السقوط .. يُغلَق بوقه، ويُقطَع رِزقه، وتكسُد سوقه، يُحال على المحاكم، تلُفُّه الجرائم .. فهو المهنةَ دنَّس، حين مسَّ “المقدّس” .. ومَن منها لا يُراد له مكان، يُصادَر قبل الأوان، به تشهد “العدل والإحسان” ..

   ثم سكت الزعفان برهة، وتوجًَّه لي بالسؤال: هل تعرف ربيبتها في الصناعة، ورواج الخبر والإشاعة ؟! قلت: تعلَمُ يا صاحبي، مالي في الأمر بضاعة..! قال: هي ذات السَّمَّاعة، التلفزة والإذاعة .. مُختصرها إتم، وفعلها إثم .. مَلَكها المخزن فأصبحت له، تُذيع ما بدا له، وللشعب المسكين العقوبة، يستهلك ويدفع الضريبة .. سِلعتُها منذ سنين، تجارة التنميط والتدجين .. حتى ظهرت الفضائيات، فرَمَت بالناس في شتات .. فأي منبر يجمع؟! وهل من مسلك يشفع؟! أو قناة بالحق تصدع؟! فحسبنا الله وإليه المرجع..!!

   ثم تنحنح الزعفان كأنما بحلقه غُصَّة، وأردف: وإنه من عجائب تلك الفترة، أن اشتهر واحد من أهل البصرة .. فجمع عصا الصمت وبوق الكلام، وقَرَن إلى الداخلية الإعلام .. فأصبحتَ لا تسمع إلا ما يُطرِب، ويُسعِد المخزن ولا يُغضِب .. فعمَّ “الاطمئنان وهناء الحال” .. و فُتِح الباب لبديع المقال .. حتى إذا حلَّ عهد “االجوَّال والتِّجوال”، واستقرت الأحوال وهدأ البال، قُرِن الإعلام إلى الاتصال .. فأوكلوه إلى أحد “النبلاء”، يجود ويمدح في سخاء .. بالأمس كان في المعارضة، واليوم اسهوته سوق المقايضة .. ينوب عن الحكومة، في الكلام وفي الخصومة..! منطقه عجيب، و”إقناعه” غريب .. يرى رأيه عين الصواب، يملك الحكمة وفصل الخطاب .. المخزن السعيد يقرر، وهو على الفور يبرر .. فكان موفقا مسددا، وأثبت وجوده في الميدان .. وأصبح الصوت موحدا، بعد أن كان ناطقان .. وصار الأمر ممهدا، لا يتناطح فيه عنزان: صِناعة الكلام والإشارات، وإلهاء الشعب بالشعارات .. والضحِك على الذقون، والكذب على مرأى العيون.. علَنا ودون سِتارات.. !

   فلما سمع الأشهب لفظة الكذب البواح، انتفض وصرخ وصاح: لا يكذب المؤمن لا يكذب، أية طامَّة حلَّت بالمغرب ؟!! إنه الخراب والدمار، يحل بالحصون والديار .. فلُطفَك يا قهَّار، بشعب مسكين، وبالعجائز والصِّغار … ثم أخذ بيد صاحبه وســار، يحوقل، ويدعو بسيد الاستغفار…