ونعود إلى جوهر القضية، لنرى أهل الله وهم يدركون أعمق إدراك جوهر العلاقة بين الله وعباده.

   إن أبوابه مفتحة لنا جميعا  طائعين وعصاة، أبرارا وخطائين، إنه بالليل وبالنهار ينادينا: (هل من مستغفر، فأغفر له هل من مسترزق، فأرزقه)؟

   وهو يريدنا بكل ما فينا من طين ونور!! فلا يأس أبدا من فضله ولا خوف قط من غياب جوده وعطائه وبره.

   إذا ناديناه، لبانا..

   و”أطعناه، ما عصانا”..

   وعلينا إذن أن نريده بمقدار قطرة من بحار إرادته لنا، وحرصه علينا وحبه إيانا.

   تلك هي المشكلة، ولا مشكلة سواها.. أن نريده نحن، ونهفو إليه، ونرتمي بين يديه، أما الذي بعد هذا، فهو ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فأولئك الذين يريدون وجهه، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

   ولكن كيف نريد..؟

   هنا نلتقي بالشيخ “الواسطي” يقول: (أول مقام ينزله المريد، هو، إرادة الحق بإسقاط إرادته).

   ويقدم “أبو يزيد البسطامي” نفس الحقيقة في أسلوب أوضح فيقول: (إذا قلت: يا رب أين الطريق إليك؟ جاءك النداء: خل نفسك. وتعال!).

   فأهل الله هكذا يفكرون .. حين تريد أن تريد وجه الله، فمعنى ذلك أن حظوظ نفسك وهواك لا ينبغي أن يبقى لها في صدارة حياتك بل ولا في خلفيتها وجود.

   إنك تحتاج إلى “البطارية” وتعتمد عليها في الظلام الحالك، أما في رائعة النهار ومهرجان الشمس، فإنك لا تفقد الحاجة إليها وحسب، بل إنك تنساها وتنسى وجودها.

   كذلك، فأنت تشعر بذاتيتك، وبنفسك، عندما لا يكون معكما ثالث.

   أما في حضرة ثالث، ورابع، وخامس، فإن شعورك العاكف على ذاتك يتوزع بعدد الجالسين معك وبمقدار أهمية كل منهم.

   وأنت في حضرة إنسان عظيم تشعر بالارتباط والخجل، حتى لتكاد تفقد تماسكك، كما أنك في حضرته تتنازل عن الكثير من خصائصك وعاداتك.

   أفتريد أن تنزل في حضرة الله رب العالمين دون أن يطرأ عليك جديد يتناسب مع ضآلة العبد وكبرياء الرب؟؟

   إن أهون صور هذا الجديد، هو تخليك عن نفسك.(خل نفسك، وتعالى!)   إنه دغدغة هواك.. ونبذه بعيدا، بعيدا، وذلك يعني: “إرادة الحق بإسقاط إرادتك”   إن إدراج الإنسان ليأخذ مكانه بين “المريدين” يشكل في نظر أهل الله محاولة تتفجر رهبة وخطرا وقداسة .. فمعناها أنك تختار بين الله، ونفسك.

   انظر، كم هو رهيب ذلك الموقف، وكم هو مقدس!!

   ليس ثمة تنكر ولا هروب .. إنما هو الله ونفسك.

   ومن ثم قالوا، أو قال باسمهم “حاتم الأصم”:

   “إذا رأيت المريد يتلفت عن مراده فاعلم أنه نذل …”!!

   وفي تعبير “حاتم” هذا تخفيف وترفق وتلطف “فلفتة المريد عن مراده، ليست في عرفهم نذالة فحسب .. إنما هي ردة أيضا .. ها هو ذا “ابن الفارض” يقول مناجيا ربه ومولاه:

   ولو خطرت لي في سواك إرادة *** على خاطري يوما قضيت بردتي.

   والتخلي عن النفس هنا كما يريد أهل الله، هو في الحقيقة أمثل طريق لاستباق النفس وتعليتها، فالخروج بها من ظلماتها إلى دائرة الضوء الذي يفيؤه ويعكسه جلال ربها وبهاؤه. بعث جديد لها في أكمل نمط، وأحسن تقويم.

   ومن ثم، ففي قولنا إن المريد يجد نفسه في خيار بين الله ونفسه، تجوز كبير إذ أنه بين الرب والعبد، لا مجال بل لا وجود لهذا الاختيار ليس فقط لما بين المنزلتين من تفاوت يلاشي منزلة العبد ويدسها في التراب .. بل ولأنه ليس هناك وجود حقيقي لغير الله .. ومن ثم، فليس هناك وجود لمن يدخل معه سبحانه في دائرة الاختيار.

   لذلك كانت فلسفة “أهل الله” في التخلي عن النفس ماثلة على نحو أكثر في أن تقدر الله قدره، وتعرف لنفسك عجزها، وحقيقتها.

   وهنا يحدثنا “ابن عطاء السكندري” يقول:

   (كن بأوصاف ربوبيته متعلقا وبأوصاف عبوديتك متحققا)

   عندئذ ستختفي نفسك دون تكلف أو محاولة .. سينهار غرورها الكاذب، ويتلاشى كبرياؤها الباطل .. ستظهر حقيقتها كخلق ضعيف من خلق الله .. كطفل فوق ثبج بحر عريض قامت قيامة أمواجه وليس إلى نجاته سبيل، تمتد إليه في هدوء واثق، يد حانية وقادرة، تقهر البحر وتذل الموج وتجعل منه وهو الطفل الساذج المرعوب سيد البحر والموج والخطر والهول!!

   أجل .. عندما تتعلق بعظمة ربك، وتتحقق من عجز نفسك، فآنئذ تكون قد تخليت عنها، وتكون في نفس الوقت ولنفس السبب قد وجدتها، وامتلكتها وربحتها.

   ولكن أنى لإنسان أن يكون بأوصاف الربوبية متعلقا؟؟ أليس عليه بادئ ذي بدء أن يتعرف إلى الرب؟ وأنى له أن يعرف من ليس كمثله شيء. ولا تدركه الأبصار، ومن تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا؟؟

   هنا يقول “أهل الله”: نعم هو ذلك وأكبر من ذلك، ولكنه مع هذا أقرب إلينا منا .. وهو أوضح من كل موجود نلمسه ونشمه ونسمعه ونراه ..

   ها هو ذا “ابن عطاء الله” مرة أخرى يقول:

   كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الذي أظهر كل شيء؟

   كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الذي ظهر بكل شيء؟

   كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الذي ظهر في كل شيء؟

   كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الذي ظهر لكل شيء؟

   كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الظاهر قبل وجود كل شيء؟

   كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو أظهر من كل شيء؟

   كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو الأحد الذي ليس معه شيء؟

   كيف يتصور أن يحجبه شيء، وهو أقٌرب إليك من كل شيء؟

   كيف يتصور أن يحجبه شيء، ولولاه ما كان وجود أي شيء؟

   ففي كل شيء ظهوره، وبكل شيء ظهوره، وأظهر من كل شيء ظهوره، بل هو الواحد الذي ليس معه سواه، إذ لا وجود حقيقيا لغيره، ومن ثم، فليس هناك ظهور حقيقي غير ظهوره، وليس هناك حضور حقيقي دائم غير حضوره!!

   إذن فما بالنا نعيش عميانا عن هذا الظهور، تائهين ضلالا عن هذا الحضور؟

   ماذا يحول بيننا وبين شهوده؟

   وماذا يحجبنا كل هذا الحجب عن رؤية وجوده!!؟

   هو ذا يتم كلماته الهادية فيقول:

   (ما حجبك عن الله وجود موجود معه بل حجبك عنه توهم موجود معه!!)

   إذن فالتيه الذي نعيش في غياهبه وظلماته تيه صناعي موهم إذ ليس هناك أي وجود حقيقي لأي شيء مهما عظم حتى يشغلنا عن الله ويحول بيننا وبين شهوده وملاقاته، إنما هي الأشباح التي تنسجها أوهامنا فتحرمنا الرؤية، وتعمى علينا السبيل.

   وأخطر هذه الأشباح جميعا شبح النفس، نفسي، ونفسك، وأنفس الآخرين بكل ما تموج به من أهواء وأطماع وتفاهات، وهكذا كان طريقهم إلى الله ماثلا في تلك الصيحة المباركة:

“خل نفسك، وتعال!”.

   وكم من “مريد” خلى نفسه ومضى.. تخلى عن شهواته وآثامه وخطاياه، وقطع شوطا طويلا في التطهير والتغيير، ولكن وهو على وشك بلوغ المشارف السعيدة للملوك العظيم، إذا به يسقط صريع آفة لم يفتح عليها بصيرته. ولم يشحذ لها تصميمه .. تلك هي غرور الطاعة والعبادة!!.