أليس من حقنا على الأقل أن نحصي على الغرب الديمقراطي سوابقه كما يحصي علينا أنفاسنا وحركاتنا وسكناتنا، مستعملا كل ما ابتكره من تكنولوجيا التجسس من أقمار صناعية ومراكز تنصت ورصد وكافة أشكال الاستخبارات المعلنة والسرية المختفية تحت غطاء العمل الثقافي والإعلامي والإنساني.

فبعد انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفياتي انتهت الحرب الباردة بزوال الخطر الأحمر الذي هدد “العالم الحر” زهاء سبعين سنة، وكان لابد ل “وحيد القرن الأمريكي” من إيجاد خطر جديد تدشن به الولايات المتحدة الأمريكية ومعها العالم الغربي مرحلة جديدة من التاريخ سميت نظاما جديدا آنذاك، فسعرت حرب ساخنة مفضوحة وظاهرة ضد ما سمي “الخطر الأخضر”. وفي إطار مرجعية صراع الحضارات وفي غياب فراغ استراتيجي هائل خلفه انهيار الاتحاد السوفياتي الذي عجلت بروستاريكا غرباتشوف به، بدأ العالم يعيش حالة من عدم توازن في القوى، كان من أول تداعياته الحرب على العراق برعاية “بوش الأب” الذي يعد فاتحة بركات النظام العالمي الجديد وأول الغيث، وتوالت السوابق.

1- الجزائر: تفوز جبهة الإنقاذ في الانتخابات البلدية “عبر صناديق الاقتراع الزجاجية الشفافة”، تقوم الدنيا ولا تقعد، وفي أول سابقة يستقيل ويتنحى طوعيا رئيس عربي ومن عادة الحكام العرب أن لا يتنحوا عن الحكم إلا بدبابة أو اغتيال أو ملك الموت، وتأبى ديمقراطية الغرب الاعتراف بنجاح التجربة وتتواطأ مع العسكر ليتم إدخال البلاد في أتون حرب أهلية لا زالت الجزائر تؤدي ثمنها من أرواح أبنائها وأمنهم ودمائهم لحد الآن، سابقة أولى.

2- تركيا: يختار الأتراك الرفاه وعبر صناديق الاقتراع، ويشكل نجم الدين أربكان الحكومة لينقلب القوميون العلمانيون على الحكومة المنتخبة بأوامر من الغرب الديمقراطي، وبعد ذلك يحظر حزب الرفاه، وبعده حزب الفضيلة والعدالة والتنمية في الطريق….. ويمنع “نجم الدين” من ممارسة العمل السياسي. سابقة أخرى.

3- العراق: أمريكا والعالم الديمقراطي يغزو العراق مبشرا بالديمقراطية وحقوق الإنسان على ظهر الدبابة، كما حمل سلفه حضارة الرجل الأبيض إلى هنود أمريكا بالإبادة… الشعب العراقي يرفض الحكم العسكري والاحتلال يسقط النظام الحاكم، يعتقل صدام !!! يحاكم صدام!!! يعدم صدام!!! الديمقراطية أين؟؟؟ أبو غريب يفضح!!! إبادة جماعية واستعمال أسلحة دمار شامل محرمة دوليا ضدا المقاومة في الفلوجة والأنبار والقائم، شواهد على المأساة وعلى المهزلة. المحصلة لا ديمقراطية لا استقرار لا أمن لا حقوق الإنسان. سابقة ثالثة.

4- فلسطين: حماس تفوز، نتيجة غير متوقعة!!!! تسونامي سياسي يصيب المنطقة. “العالم الحر” يستنكر نتيجة الصناديق الشفافة جدا بشهادتهم. الشعب صوت لحماس فليعاقب الشعب أو فليغير الشعب؟ ولما لا يموت الشعب جوعا لما لا يحاصر الشعب “أما حماس فمحاصرة من زمان”؟؟ وتبدأ سلسلة من إجراءات العقاب الجماعي دوليا ومحليا وإقليميا لعزل حكومة الشعب برئاسة “هنية”، ومحاصرتها بتجريدها من شعبيتها ومن صلاحياتها وإفراغها من محتواها سياسيا واقتصاديا وإداريا. سابقة أخرى.

5- العالم الإسلامي: الحركة الإسلامية في العالم الإسلامي لا تحظى بالاعتراف، تمنع من ممارسة أنشطتها، يعتقل نشطاؤها، تصادر جرائدها وإعلامها، رغم أنها أوسع التنظيمات من حيث القاعدة الجماهيرية ومن حيث الشعبية!!! العدل والإحسان في المغرب – الإخوان المسلمون في مصر  والأردن  الجماعات الإسلامية في باكستان وبنغلاديش وكاشمير والنهضة في تونس والقائمة طويلة… والعالم الغربي -الديمقراطي حتى النخاع- الذي يزبد ويرعد ويهدد ويشجب ويندد إذا منع “نكرة ما” لا يمثل حتى نفسه من ممارسة شذوذه السياسي والفكري، لا يحرك ساكنا!!! وإذا أخجله أو أحرجه إعلامه أو رأيه العام، قد يتحرك ليوظف “ملفات حقوق الإنسان” للضغط على الحكومات العربية لابتزازها سياسيا ولتقدم مزيدا من التنازلات للعدو الإسرائيلي.

سوابق وسوابق ولم نسجل في هذه الصحيفة إلا جرائم ضد الإنسانية وضد الشعوب من الدرجة الأولى، وإلا فالسوابق من الدرجة الثانية والثالثة لا تعد ولا تحصى وكلها تؤكد أمرا واحدا هو أن الغرب مقتنع كل الاقتناع أن الديمقراطية “منتهية الصلاحية” لنا كشعوب مسلمة ومستضعفة فالديمقراطية ديمقراطية للإنسان الغربي، وأن حقوق الإنسان حقوق للإنسان الغربي، وهذا أمر للأسف لم تدركه جوقة السياسيين ونخب المفكرين العرب الذين يصرون إصرارا على أن الديمقراطية طوق نجاتنا وأنها الحل السحري لكل أزماتنا وإخفاقاتنا، وأنه يكفينا أن نركع أو حتى ننبطح تحت أقدام معشوقة الجماهير “القديسة الديمقراطية”، لنحقق التنمية والرخاء والكرامة والحرية. وللأسف لم يعتبر الجميع من سوابق التاريخ الاستعماري الذي تخفَّى قديما برفع يافطة “حضارة الرجل الأبيض” وها هو اليوم يتخفَّى تحت شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان، ونخشى بعد حين أن نردد بحسرة وندم مع الرجل الإفريقي البسيط الذي عبر عن حقيقة الاستعمار بقوله: “كنا نملك الأرض ولا نعرف الإنجيل فجاء الرجل الأبيض فعلمنا الإنجيل وأخذ منا الأرض”.

وأخشى أن يعلمنا العالم الديمقراطي بعضا من الديمقراطية ويمنحنا شبح حقوق وحرية، ويسلب منا أغلى ما تملك الأمة دينها والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعقلون.