VI-من الديمقراطية إلى مكافحة الإرهاب

النظام الديمقراطي الذي اختاره الغرب كآلة للحكم ومعنى للحياة وروج له ولأحاديته وفعاليته في العالم، ارتكز إلى عهد قريب على قاعدة صلبة من دعامتين أولاهما: موقف حكام دول العالم الثالث الموالي والتابع للغرب السيد اقتصاديا وسياسيا وثقافيا، والقابل بواقع أن تكون دوله “أقفاصا استعمارية” مقسمة مجزأة إما آبارا للنفط، وأسواقا استهلاكية، وحقولا للتجارب البيولوجية أو مقابرا للنفايات النووية والكيماوية .. وثانيهما: الاستبداد المطلق الذي تعانيه الشعوب المستضعفة، حيث إحكام القبضة الحديدية على السلطة والحكم رغم تعدد الأنظمة السياسية وتنوعها ظاهريا في شكل ملكيات أو بعثيات أو قوميات، أو اشتراكيات أو حتى وطنيات. .

من هنا كانت هذه القاعدة الصلبة أقوى سلاح أعطى للغرب كثيرا من المشروعية، وقد أسهمت النخب المغربة الليبرالية أو حتى بقايا النخب الاشتراكية الاجتماعية في تكريسها ثقافيا وإعلاميا إما اقتناعا أو اعتناقا أو قطعا للطريق على التيارات “الأصولية” الدينية أو السياسية خاصة في أمريكا اللاتينية والعالم الإسلامي. فبعد أن أصيبت هذه المشروعية “بهشاشة العظام” نتيجة لقيام تيارات مناهضة لهيمنة أمريكا والغرب ووكلائها المحليين أما لاعتبارات اقتصادية مناهضة للعولمة (الصين، آسيا، اليابان، الهند) أو أخلاقية دينية (الكنيسة الفقيرة، المسلمين) أو وطنية (الإثنيات أستراليا، أمريكا) أو حتى بيئية (تيار الخضر وحماة البيئة) فالعالم الإسلامي مثلا عرف ميلاد حركات إسلامية ووطنية معارضة للأنظمة الحاكمة الموروثة، وغير الشرعية هذه “المعارضة” المتزايدة يوما بعد يوم قطرا تلو قطر  أضع كلمة معارضة بين هلالين كي لا يفهم منها البعد السياسي القدحي للكلمة، إذ غدت المعارضة مساومات وبيعا وشراء في ذمم الشعوب على طاولة المفاوضات وتحت الطاولة وفي الكواليس وما خفي كان أعظم- والخوف من تزلزل هذه القاعدة الثابتة، الصلبة، إضافة لبعض التجارب المؤلمة التي شهدها الغرب عموما وأمريكا خصوصا، دفعت منظري الإدارة الأمريكية اليوم والغرب ، لتبني نظام سياسي جديد متمثل في قمع الشعوب بدعوى مكافحة الإرهاب. ولولا هاته التوقعات الأمنية التي تنبئ بثورة الشعوب على حكامها ذوي الولاء المطلق لهاته أو تلك من الدول الغربية، لما كان لمكافحة الإرهاب ميلاد.

V- لب الديمقراطية

من خلال حوار بين صديقين أقتبس فقرة تلخص فلسفتين في الحياة، توجهين، خيارين، جاء في الحوار ردا لأحدهما على الآخر: “لن أعلق على ما تبقى من جوابك على رسالتي، لأني شعرت أن موازين حوارنا غير مضبوطة. فبينما تنطلق أنت من “المطلق” لا أنطلق أنا إلا من “النسبي” القابل للنقاش”.

حينما كتبت فيما سبق أن اختزال الديمقراطية في بعدها الآلي وعزلها عن مضمونها الفلسفي يمثل عقبة أمام كل محاولة جادة للحوار والبناء، إنما قصدت هذا الشعور الذي انتاب الكاتب وهو يحاور صديقه حيث قال: “شعرت أن موازين حوارنا غير مضبوطة”.

المطلق في الحوار هو الدين، هو كتاب الله وشرعة نبيه عليه الصلاة والسلام، لا يقبل صاحب خيار الديمقراطية أن تنطلق، وأنت تحاوره، من مسلمات دينية “فبينما تنطلق أنت من “المطلق” لا أنطلق أنا إلا من “النسبي””.

الحوار مع الديمقراطي الحداثي لزوما يقتضي أول ما يقتضي أن يُطَلَّق الدين، ليس هذا تجريحا ولا قدحا في فهم الغرب وعقولهم، لكنه وصف دقيق لازم تقتضيه مسؤولية وجدية وصراحة الحوار. من هنا كانت المعضلة، كان الإشكال أقوى من سفاسف الحوارات الهامشية في موضوع الديمقراطية المعتمدة على طرح الانتخابات وصناديق الاقتراع وما إلى ذلك من تقنيات سطحية لا يختلف في فعالية أمرها اثنان.

هنا لا غير مركز ثقل الحوار، هنا لا غير وجب الوقوف بحكمة وتريث وروية لأن المسلمين لا يمكنهم أن يطلقوا دينهم، لا يمكنهم أن يطلقوا أخلاقهم التي هي من الدين بل هي الدين كله: “إنما بعثت لأتم مكارم الأخلاق” – إنما: أداة حصر!

في المقابل نرى جماع أمر الديمقراطية مؤسسة الحريات العامة التي هي في حقيقتها وفلسفتها وعمقها تحرر الإنسان وتحلله من كل قيد يكبح شهواته.

الفرق بعيد، والخيار صعب وحاسم بين دين دولة يكبح الشهوات وديمقراطية تقيم المؤسسات للإبداع في إثارة الشهوات، الخيار حاسم وقاطع بين مرجعية تعتمد النسبية كمنطلق وتضع المطلق في خانة المخلفات الإركيولوجية ومرجعية المطلق فيها أصل الانطلاق وعماده.

VI- الديمقراطية والاستبداد

الديمقراطية ضد الدين، هذا أمر إن خفي عن المثقفين والمسيسين العرب والمسلمين أو أخفوه، فأهل الغرب يعلنونه ولا يخفونه. لكن الذي يشترك في الإفصاح عنه الجميع هو أن الديمقراطية ضد الاستبداد وقهر الإنسان.

الإنسان

ما معنى الاستبداد؟ من يستبد؟ ومن يستبد به؟ وكيف؟ أسئلة هاته يتعذر الجواب عنها بمجرد الوقوف على تعريفات فلان وعلان من الأكاديميين، أو اعتماد القواميس والمعاجم. لا يمكن الجواب على هاته الأسئلة من غير الرجوع إلى التاريخ ومساءلته واستقرائه، ومن غير الوقوف على واقع اليوم وتحليله. بل يتعذر الجواب عنها وكلمة الإنسان لما تزال غامضة. من هو الإنسان؟ هل الإنسان واحد؟

الديمقراطية عند اليونان كانت تعني الإنسان السيد فقط أما العبيد فلا حق لهم إلا في البقاء إن هم للأسياد ظلوا طائعين. الإنسان عند اليونان الفلسفة إنسانان: سيد وعبد. لا يمكن للسيد اليوناني أن يتصور نفسه والعبد متساويين ولو افتراضا.

القانون الروماني لم يكن يعترف بحق غير حق أهل روما العظيمة. ما من صغيرة ولا كبيرة خارج روما إلا وجب انتماؤها لأهل الحضارة الحقة. تسلب أرزاق الشعوب وتريق دماؤهم والمواطن الروماني فرح بإنتاجات حضارته الدموية. الإنسان في القانون الروماني إنسانان، إنسان متحضر وآخر بربري متوحش غير متحضر لا يصلح إلا أن يقدم لحلبة الصراع ضد الأسود، ليلهو الروماني ويتسلى بدماء المسكين تقطعه المخالب تقطيعا. محور هي روما والعالم هامش لب هي روما والعالم قشر.

كان هذا في الماضي، للأسف ماضي أسلاف الغرب!

واليوم!

كيف نفسر ترف واستعلاء الأحفاد؟ كيف نفسر بذخهم؟ كيف نفسر عبثهم في جسم الأمم وأرزاقهم؟ كيف نفسر لا مبالاتهم ولهوهم وأطفال أفريقيا السوداء ونساؤها يموتون جوعا من غير مأوى ولا أي مقوم من مقومات الحياة؟ كيف نفسر جرأتهم على اللعب بأجسام المساكين حيث تجرى التجارب البيولوجية وغيرها تحت غطاء المساعدات الإنسانية؟

مشهدان لست أرى فيهما غير التطابق التام:

” مشهد رجل تنهش لحمه الأُسد وتفترس أضلاعه، والمتحضر الروماني يصفق طربا ويرقص وينتشي بكؤوس الخمر وقرع الطبول، كان هذا الماضي وكانت هذه روما.

” مشهد صبي تنهش لحمه الفيروسات في مختبرات التجارب والطبيب الغربي الحفيد يطير فرحا ويصفق لنجاح التجربة، ثم يعطي أمره برمي الجثة بعد سكونها. هذه حضارة اليوم الغربية. !!هل الإنسان هو الإنسان؟

تصرخ الغربية ألما  ونحن نألم كما تألم – من جراح أثناء عملية “انتحارية” “إرهابية” “فدائية” “استشهادية”، على اختلاف الروايات والتوجهات، عملية كانت في حقيقتها رد فعل على الطغيان الغربي، فيهتز العالم وينهض ويتضامن، وتذرف العيون دموع الأسى والأسف على مصاب المسكينة، ولا من يحرك ساكنا لحال آلاف الجوعى والهلكى في إفريقيا السوداء واسيا وأمريكا اللاتينية.

تعرض صورة في الإنترنيت لنسور تقف منتظرة سقوط طفل أسود يلفظ أنفساه الأخيرة ليكون لها وصغارها مأدبة عشاء. لا من رأى ولا من سمع ! ! هل الإنسان هو الإنسان؟

سكوت الغرب على هذا التقسيم، تجسيد لعقلية رومانية يونانية قديمة سرت في دماء الأبناء والأحفاد، سكوت الغرب على هذا التمييز الجائر، هذا التمييز الجريمة هو لب الاستبداد وعينه.

هل يستوي الأسود والأبيض في الغرب؟ لا يستويان ولو علا الأسود منصة الأمم المتحدة. ما كلام الأسود في مجلس الأمن إلا تلاوة ما يمليه الأبيض السيد، وإلا فهو الزنجي! يروج المخدرات ويمارس الجريمة في كيتوهات السود بنيويورك وشيكاغو.

ما علت السوداء إلا لتبريرها أمر الأبيض القاضي بدمار لبنان، وإلا فهي السوداء. عبودية جديدة واسترقاق مهذب.

الأسود والسوداء أإيمانا بكفاءتهما تصدرا أم لتتخذ منهما الإدارة مساحيق تحجب عن العالم عنصرية أمريكا؟

سود “نيو أورلينز” New Orleans، مصابهم  كان الله في عونهم- يجعلنا نتحفظ كثيرا على وجود السود “الأطر” داخل الإدارة الغربية. إن نسي الأسود هناك لا ينسى عنصرية أتت على الآلاف من بني جنسه “لعيب” في جلده ذهب بكل حسناته بل ذهب بإنسانيته  نعوذ بالله من العنصرية -.

هل الإنسان هو الإنسان؟ ننتظر من يقنعنا بهذه الحقيقة.

نداءات المنظمات الحقوقية ونضالاتهم وسعيهم الجاد، لا يستطيع أن يحجب فظاعة نار الاستبداد الغربي وهول ما يفعل في جسمنا. تاريخ الغرب القديم وواقعه اليوم يلصق تهمة رعاية الاستبداد بالديمقراطية إلصاقا.

VII- وبعد

هل من تعريف دقيق متعارف عليه عالميا أو مجمع عليه لمفهوم الديمقراطية؟ أم أن الغرب يعتمد التستر وراء المفاهيم العامة ليُبقي بين يديه مرونة بموجبها يضمن المفهوم ما تقتضيه الظرفية؟ حداثة، إرهاب، ديمقراطية…

لنفترض جميعا أن الديمقراطية هي العدل، الحرية، الأخوة، الكرامة، المساواة، السلم، الاستقرار، رفض الظلم والاستبداد .. لنفرض أن هذه المبادئ هي عمق ما تنادي به الديمقراطية  وقد تكون كذلك- يظهر هذا جليا من خلال الآليات التي اعتمدتها لتصريف هاته المعاني الأخلاقية السامية، آلية فصل السلط، برلمان، أحزاب، جمعيات ..

أين الخلل؟ هذا عمق ما ينادي به الإسلام، فلم الصراخ؟

ما لهذا “المقال الملتحي” يعلنها حربا ويطلق أحكاما بنوع من التعميم اللامنطقي!؟ ما لهذا المقال يقصي آلاف المتضامنين مع المستضعفين من داخل الغرب؟ ما لهذا المقال يقصي كل من يؤمن بالديمقراطية أو ينادي بها؟..

لا يقبل القط أن يحاور فأرا. للحوار أدبيات خرقها الغرب بنظرة الازدراء والاحتقار التي يكنها للفأر المسلم. حدة هذا المقال وقوته لا عنفه هي عمق رغبته في الحوار مع الغرب ومع كل الأطراف. حدة هذا المقال يفهم من خلاله الغرب ومن يسير في ركبهم أن الفأر ما هو إلا صورة وهمية في ذهنه رسخته فيه ثقافة “الكوبوي” و نظرة الاستعلاء.

حدة هذا المقال نريد من خلالها أن نُفهم الغرب أنا نفهم عقله وعقليته، فلسفته وثقافته، تاريخه وحضارته وحاضره، كما نفهم أن ذوي المروءات منهم والصادقين صنفان: صنف لنا معه لقاء، يتحرق لما يقع لكنهم قلة واستثناء لا يمكن أن يقاس عليهم الأصل. وصنف، منافق، يشارك في صنع المشهد الديمقراطي والصوت المعارض لتكتمل المسرحية. قريبا ينكشف عنه الغطاء.

VIII- على مائدة الحوار

لا نريد من خلال التنقيب في تاريخ الديمقراطية وحاضرها وفعلها في الإنسان أن نحاكم الديمقراطية الأصل، الديمقراطية المبدأ من خلال ممارسات الغرب، كما يحاكم المستشرقون الإسلام من خلال فعل المسلمين، لكن إجماع الغرب على فعله فينا وتقسيمه أراضينا وسفكه دماء أطفالنا واستهتاره بعقولنا نفهم منه إقرارا بشرعية أعماله، نستنبط منه تعريفا للديمقراطية، نفهم منه أن المبادئ العليا التي تنادي بها الديمقراطية يقصد بها الإنسان الإنسان لا الإنسان الحيوان.

أول سؤال نطرحه على مائدة الحوار: ما معنى هذا الإجماع العالمي على حيوانية الإنسان الآخر؟ نطرح هذا السؤال بكل صدق.

مارس “ملوك المسلمين” في قرون انحطاطهم ظلما كثيرا على المسلمين وغير المسلمين، سطو ونهب ولهو وسبي، تحت غطاء ما سمي زورا “فتوحات إسلامية”، كما سمي ويسمى الاستبداد والقهر- زورا وتزويرا -، خلافة وإمارة للمؤمنين.

يتبرأ المسلمون  عدا من يوالون الغرب من أمراء وعلماء النفط- اليوم جميعا من فعل الأجداد الملوك ويدينون ويعتبرون الفعل خرقا سافرا للتعاليم الإسلامية الداعية لكل حقوق الإنسان بما فيه حقه في الكفر “فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”، ” لا إكراه في الدين”.

تبرأ المسلمون ويتمسك الغربي بفعل الأجداد ويعلنها مدوية حاسمة قاطعة، الإنسان غير الإنسان، حيث يصرح أن ما عليه شأنه اليوم هو قلب الديمقراطية وعينها.

السؤال الثاني الذي نطرحه على الديمقراطية حول مائدة الحوار: ما علاقة الديمقراطية بالحدود الجغرافية؟

كيف يسمح عدل الديمقراطية ومساواتها وأخوتها أن يقف هذا الداهية الأريب المدعى حدود جغرافية، سدا منيعا بين الإنسان والإنسان؟ كيف يسمح أن يعيش الغربي في رغد وترف إلى النخاع ويموت غيره من الناس، ما هذه الطبقية العجيبة؟

فضل طعام خنازير الغرب وكلابهم كاف ليمحق مجاعة أفريقيا، فكيف إن هب الغرب واعتبر أن الإنسان واحد.

لا كلام للديمقراطية المبادئ إلا إن رأينا إنجازاتها رأي العين وإلا فهي المثالية الحالمة. ما تطرحه الديمقراطية من مبادئ وأخلاق سامية مهمات ومقاصد دونها خرط القتاد ولمس السحاب، ما تنادي به الديمقراطية عملية سطو على ما جاءت به الديانات السماوية في شقه الأرضي الأفقي بعدما تمردت وطردت بعدها السماوي. مثالية هي الديمقراطية حينما أقصت وتخلت عن أسمى معنى ليكون الإنسان إنسانا: معنى وجوده و حقه في معرفة ربه.

لا للديمقراطية نعم لمكافحة الإرهاب!