حدثنا الأشهب بن يقظان قال: لما سمعت ما انتهى إليه حديث زعفان عن محاربة المخزن لأهل العدل والإحسان، خرجت هاربا دون اتجاه أو عنوان .. قلبي يستنكر، ولساني يزمجر.. فلم أدر إلا وقد لحق بي صاحبي، يساعدني في التماس دربي.. وإذا بنا قبالة قوس، يبكي حال اليوم والأمس.. يُطل على متّسع، هو اليوم للعطالة مرتع.. وأمامه قد انتصبت قُبّة، أخبرني الزعفان أنها في جبين المغرب سُبّة.. قلت: أخبرني عن أمرها، وأطلعني عن سرّها.. فقال: هذا هو البرلمان، أعجوبة هذا الزمان، من دخله عليه الأمان: لا أحد يحاسَب أو يحاسِب، ولا شيء فيه يناسِب.. إني لم أدخله من قبل، ولا يوجد بيني وبينه حبل.. غير أني أعرف دقائقه، وأعلم بوائقه.. فقد سارت بحديثه الركبان، حتى صار أشهر مكان، يشهد على بوار الزمان، وفساد الإنسان.. به من كان بالأمس يُزبِد ويرعد، وهو اليوم ب”الشكارة” يسعد.. غاب عن المكان وتسيَّد، كأنه ما كان عليه يوما يتردد.. وأصحابه مثله قد تفرقوا، وإلى الوزارات هرولة تسابقوا.. تركوا للشعب آخرين، يزعمون أنهم له ممثلون .. أخذوا من كل حديث طرَف، يُقسمون بالشرف، يرومون منزلة الترف، لا يهمّهم من جهل أو عرف.. كَذِبهم طريقة، وزورهم حقيقة.. أتوا من كل فجّ عميق، وقد جمعهم نفس الطريق.. يبحثون عن المنزلة الرّاقية، والحظوة والسمعة والمكانة الراقية.. فاكتظ بهم المكان، وعمّ الزحام، وكثُر لغو الكلام.. فما عُدت تميِّز بين اليمين واليسار، ولا بين المستقلين والأحرار.. كلّهم وسط، يتقاسمون اللغط.. وقد أنعم عليهم الحكيم الراحل بثانية تُخفّف عن الكاهل.. فزاد الطين بلّة، وقَرَن إلى الفيل فيلة.. ينوبون ويُستشارون، عن حق الشعب ساهون، وعلى مصالحم ساهرون.. نسُوا عناوينهم، لمّا غادروا دكاكينهم.. فما عادوا مربوطين بمبدإ أو نِحلة، وما بقيت لهم بالشعب صِلة.. فإذا مرّت أربع أو خمس، وجدتهم يتأهبون كالأمس.. يستعدون للخطط وللتحالف، كأن لا عهد بينهم ولا تآلف.. يتنكّر القريب منهم لِ”الأحباب “، ومن لم يُنصفوه يُغيِّر “الجلباب”.. تتغير في عالمهم الخرائط، وتتعدّد بينهم الوسائط.. وعلى باب الغرفتين، نفس الحراس من العهدين.. لا يدخلهما إلا من حاز تأشيرة المرور، وأنجز الطقوس وتعفَّر بالبخور.. فإذا بهم قد أصبحوا أربعين، بعد أن كانوا من قبل عشرين ثم ثلاثين.. بيضُهم يُفرِّخ، وأمرهم يُدوِّخ..! يَغرقون لِحين في لُجاجة، مَن منهم البيضة ومَن منهم الدجاجة..! كل طرف يدَّعي أنه الأصل، ولا نهاية لأمرهم ولا فصل.. حتى إذا دارت العجلَة، وبلغ الموعد أجلَه.. وجدت نفس المشهد يتكرر، والجديد / القديم تحته يتستّر.. والشعب المسكين تحت أعينهم، وبين أرجلهم، يُرفس ويقهر.. خُدَّام العتبات، وأصدقاء اللوبيات.. إذا دعوتهم لمأدبة اللِّئام استجابوا، وإذا فرشت لهم بساط الحوار غابوا، وإذا قلت لهم حيَّ على الوحدة والإصلاح والتغيير غضِبوا.. كأنك ستقتلع منهم مزيّة، أو تحرمهم درجة سويّة.. أو ترمي بهم في بحر النسيان، فيصبحوا في خبر كان..

وهم الحريصون على الرِّفعة، وطول البقاء والسمعة.. قدَّموا في سبيلها النِّضال والتضحيات، وبَلَعوا ” على مضض”

النوال والأعطيات.. وما كانوا يظنون أنها حلوة طيبة، حتى تنعّموا وذهبت عنهم المسغبة.. فحمدوا الله على زوال الغبن

بعد حين، وعن نعمة كانوا عنها غافلين.. فهم يسألونه سبحانه الدوام، والحِرز من عين شر الأنام.. مَن يُذكِّرهم بماضيهم يُضحِك ويُطرِف، ومَن يحاجِجُهم في الحاضر يُقرِف، ومَن يبشِّرهم بالخلافة يخرِّف.. فالأمر عندهم قد قُضِي وصُرِّف ..!!

ثم قرأ الزعفان عبارة كُتِبت بخط عريض على قبة البرلمان:

” لا كلام يعلو على صوت المخزن الحكيم.. به نقِرُّ ونلتزم.. “

وبتوقيع : أحزاب العهدين الجديد والقديم..

قال الأشهب: فلم أدر إلا ويدي تسد فم الزعفان، و أنا أقول: حسبك! هذه أدهى من السابقة..! لا تتحمّلها طائقة..! وما أرى لها من بارقة..!

اقرأ أيضا:

المقامة المخزنية