حدثنا الأشهب بن يقظان قال : بعدما فرغت من كتاب “الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى” ، قررت أن أزور البلد، لأطلع على ما طرأ وجد .. فدخلت سوق المدينة ، وقد بدت لي الوجوه حزينة .. فنظرت في وجوه البشر، عساني أقف على سبب أو أثر .. فما راعني غير وجه مغبر، تارة يتمتم وتارة يزأر .. فتقدمت منه، وسألته: يا صاح ما الخبر؟! إني أرى مظهر الناس منكسر.. نظر إلي نظرة المرتاب، وهمّ أن يسد في وجهي الباب .. فقلت: على رسلك .. أنا عابر سبيل، زادي قليل، وعلمي بما يجري ضئيل .. فهلا أخذت بيدي ، وجُدت عليّ بما يُجدي؟! فجرّني من أسمالي، بعد أن رقّ لحالي .. وسرت أتبعه من درب لدرب، والشك يزداد وطأة على القلب.. حتى وصلنا كوة على شكل ممرّ، فدخل وتبعته في حذر.. فأومأ لي أن استقِرّ.. فعلمت أنه كوخه ومنزله، فلم أمهله ورُحت أسأله: من تكون يا صاح، وما أخبار الحكام والرعية؟! وهل من أخبار نديّة؟ فأجابني: أنا زعفان بن قنطان، واحد من ضحايا هذا الزمان .. وقد كان ما كان .. أنِ انتشرت “السيبة”، فقرر المخزن أن يُرجع للبلد الهيبة .. كذلك زعم، وفيه شرع وهمّ .. فتحالف مع كل قبيلة، ليقضي على كل ذي يد طويلة .. حتى تمَّ له الغرض، وأُكل الأحمر كما الأبيض … ثم أرسل العيون والمخبرين، و الشيوخ والمقدمين .. يجوبون الأمصار، ويُحصون الأنفاس والديار .. فلا يغيب عنهم أثر، ولا يستعصي عليهم خبر .. في الليل يحرسون، وفي النهار يندسّون .. كأنهم، في خدمة أسيادهم، عفاريت سليمان يتنافسون … فلم يدر الناس إلا وقد مرت خمسون .. فيها بلغ الخوف مبلغه، والفقر أذقعه، ووجد الجهل مرتعه .. ونطق “البرّاح” أن حيّ على الرقاد .. لا أريكم إلا ما أرى، ولا أهديكم إلا سبيل الرشاد.. فمن كان لنا وفيا فليهنأ بحاله، ومن كان شقيا فليستعدّ لنواله، ومن كان عنيدا فليقل ما بدا له .. إنا له بالمرصاد، وإنه ليس في قاموسنا أنداد … إنا قد تمت لنا نعمة الإسلام، بها نصول ونجول ونؤمّ الأنام .. وإنا قد ضممنا لها صولة الإعلام، تُنمّق وترمّم ما كسرته الأيام .. وإنا قد أحطنا أنفسنا بأسوار حصينة، وتركنا للشعب بقية المدينة، بأسوارها الحزينة .. حتى لا يقال أننا نستأثر بكل شيء، ولا يصدر عنا كرم أو فيء.. وجعلنا بيننا وبينهم من كل حزب مسكينا، مهمته أن إذا سمع الأنين، يهدئه بوعد معسول صادر عنا، أوشعار منقول مقتول .. وإذا استعصى الأنين، وتحول إلى طنين .. أخرجنا له من خدامنا الأشداء، ما به يُستأصل كل داء .. ومن سددنا في وجهه الأبواب وفتح بابا شمّعناه … وإنه قد سُمع في هذه الآونة الأخيرة، عن أناس يجتمعون حول الذكر والقرآن والسيرة .. وإنهم بهذا لنا غائضون، وإنا وأوفياءنا منهم حذرون .. وإنا قد أخذنا على أنفسنا أن نتابعهم في كل مكان، وألا نتركهم يعيشون في أمان .. وإنا قد أعددنا محاكمنا، وجيّشنا عساكرنا .. لمطاردة من يُسمّون أهل العدل والإحسان .. لحتفهم قبل فوات الأوان ، قبل أن يتحقق ما يرونه في المنام…

فلما سمع ابن يقظان ما انتهى إليه حديث زعفان، انتفض مستغربا: أ يُحارب ، في بلدكم العدل والإحسان؟!! ليستمر الذل والهوان؟! ما هذا ببلد الأمن والأمان! فدُلّني على طريق الرجوع .. وعجّل الله بدكِّ الأسوار الحصينة ..! وإنقاذ المدينة، وأسوارها الحزينة ..!