مرت إلى الآن ما يقرب من ثلاثة أشهر على الحملة المسعورة المشينة التي شنتها السلطة المخزنية على جماعة العدل والإحسان. ذهب عموم الناس يقضون عطلتهم في التنزه على الشواطئ والسياحة في الجبال. وذهب المخزن إلى مهرجاناته العرجاء الشوهاء ينشر ثقافة الميوعة والإباحية ويزيد من جرعات التخدير والتمويه والتنويم في الوقت نفسه الذي كانت الأمة تواجه أعتى أعدائها. في جنوب لبنان وقف المجاهدون يِؤِدون واجب الدفاع عن العرض والأرض، والمخزن يفتح أحضانه لأعداء الأمة يطبع علاقاته معهم بدعوى التسامح والسلم. أما نخبتنا السياسية فمضت إلى خمولها السياسي تنتظر انتخابات الثلث الناجي متفرجة من أبراجها على استمرار مهازل الاستخفاف بعقول الناس.

بقي أهل العدل والإحسان يواجهون وحدهم شراسة المخزن معتمدين في ذلك على المولى الجليل محسبلين محوقلين مفوضين أمرهم إلى الله. قضوا عطلتهم في المعتقلات والغرامات والوقفات التنديدية والمسيرات التضامنية. قضت العدل والإحسان صيفا في رباطاتها التربوية أو وقفاتها التنديدية أو معتقلات المخزن السجنية. تؤدي في ذلك ضريبة قول الحق في وجه الاستبداد.

ضحك كالبكاء.

مارس المخزن المستبد المستخف بعقول الناس، منذ زمان، كل أشكال الاستبداد والاستخفاف بالعقول والأعراف والمعقول. عبث كل العبث هي ممارسات المخزن وأساليبه البليدة في مواجهة مؤمنين عزل:

– هاجم لقاءات تواصلية سلمية قانونية لجماعة قانونية باعتراف القضاء.

– سرق أثاث البيوت. واستولى على متاع الناس وأموالهم، ومزق ملصقات ومارس عنفا وحشيا على أجساد أبرياء عزل.

– هاجم إخوانا في مجالس ذكر لله وقراءة للقرآن ومدارسة للفقه كأن الذكر منكر وجريمة موجبان للعقاب.

– هاجم ويا للبلادة المضحكة المبكية إخوانا في عيادة مرضى أو وليمة عرس أومأتم عزاء، كأني بالمخزن لا يحب أن يرى تضامنا أو مواساة أو فرحا هو الذي ملأ الدنيا بأعطيات المناسبات التي لاتسمن ولا تغني من جوع وشغل الناس بكلمات التضامن في مواسم التسول السنوية.

– حاصر الناس في أعمالهم وتجارتهم، فأغلق المحلات التجارية وطرد الموظفين من أعمالهم لشبهة الانتماء للعدل والإحسان ليجفف المنابع ويسد أبواب الأرزاق لهذه الفئة “المارقة”. ونسي أن الرزاق الله.

– أصدر أحكاما قضائية غريبة وغرامات مالية خيالية، موظفا القضاء بشكل فج وممقوت لتصفية حسابات لم يستطع التعامل معها بمنطق الحرية والديموقراطية التي يتبجح بها آناء الليل وأطراف النهار.

– هاجم المواقع الالكترونية للجماعة، ومنع الناس من وصول الصوت الحر والكلمة الصادقة. ويا للغباء. إنه يريد منع الكلام من السير عبر الهواء ويريد التحكم في الأجواء والفضاء بعد أن ملأ جوره وجواسيسه البر والبحر.

ولكنه الاستبداد الذي لا يتصور وجود صوت حر يعلو فوق صوته أو رأيا غير رأيه.

إنه العبث والسخف في الممارسات. إنها الجرائم المخزنية تضاف إلى سجل الظلم الذي هو ظلمات يوم القيامة.

تدبير المعركة

كان المخزن العتيد في أساليب قمعه وتقنيات ظلمه يريد أن يضرب جماعة العدل والإحسان بشكل استباقي، وأن يقزم نشاطها وله في ذلك حساباته الخاصة المعلومة. أنفق المخزن كعادته الملايين من أموال الأمة في الدعاية لما سماه بالتنمية البشرية فلم يصدقه أحد لأن حال الأمة لا تغيره الشعارات. زد على أن المخزن بان عواره فما عاد كلامه يصدق ولا وعوده يثاق بها. إذ كثيرا ما محا النهار كلام الليل. بينما نظمت جماعة العدل والإحسان المحاصرة أبوابا مفتوحة بإمكانيات ذاتية بسيطة ففتح الله لها قلوب العباد المتعطشين لكلمة الصدق وقول الحق، فإذا الجموع تهرع لتعرف منه هوية الجماعة ومنهاجها، ولتغرف من معين الصحبة المباشرة لأهل العدل والإحسان معاني الإيمان والشوق إلى الإحسان بالرفق والحكمة. فلا غرو أن يتميز المخزن غيظا وهو يقول: جماعة بإمكانيات قليلة تصنع كل هذا وأنا الذي أنفقت.. وأنفقت.. وادعيت.. وكذبت.. وزعمت.. ما صدقني أحد وما سمع لي أحد، فوالله ما أداوي هذه الجماعة “المارقة” إلا بحد القمع. نفس منطق الاستبداد يمتح من كلام الذي قال: والله لا أدوي أمراض هذه الأمة إلا بالسيف.

لقد استطاعت جماعة العدل والإحسان أن تدير المعركة، إن جاز لنا أن نسميها معركة، أو بالأحرى لنقل، استطاعت أن تدير القمع المسلط عليها بذكاء كبير وباحترافية عالية إن تحدثنا لغة أهل السياسة وتكلمنا كلام المحللين، أما الحقيقة فهي توفيق الله عز وجل ومعيته ونصره الذي وعد به عباده المحسنين المتقين. تظهر هذه الإدارة الجيدة للأزمة على مستويات عدة نرصد بعضها كالآتي:

” المستوى الإعلامي:

كان المخزن يعول على هراواته القمعية ليخيف الجماعة فتنكمش في ركن ضيق يلصق بها فيه ما يشاء كعادته. ولكن الجماعة بفضل الله كانت يقظة فلم تفوت الفرصة لتفضح الممارسات القمعية الهمجية للسلطة المخزنية وتتواصل مع الناس مبدية مظلوميتها.

منذ الوهلة الأولى لبداية الحملة المخزنية على البيوت والممتلكات كانت الغرف الالكترونية للجماعة على شبكة الانترنيت منشغلة بإذاعة الخبر ومتابعة حملات الاعتقالات وتحليل أبعاد الحدث وحيثياته. ولم تمض إلا بضع ساعات حتى كان الخبر مذاعا في كبرى الشاشات التلفزيونية العالمية ووصل إلى العلم كله. وكان لمواقع الجماعة قصب السبق في المتابعة الآنية لكل وقائع الممارسات المشينة الهمجية للسلطة المخزنية إذاعة وتحليلا ومناقشة مما وفر فيضا كبيرا من المعلومات كانت المادة الصحفية والإخبارية للصحف التي تحدثت عن الهجمة المخزنية وللمواقع العالمية التي تتبعت الأحداث عن كتب.

المخزن الذي صعق لهذا التعامل الاحترافي الإعلامي لم يتمالك نفسه فاستنفر مهندسيه الإعلاميين لمهاجمة المواقع فمنع بثها من المغرب وهو الأمر الذي تصدى له جنود الحق من المؤمنين فأعادوا الأمور إلى نصابها.

” المستوى الحقوقي النضالي :

لم تصمت الجماعة أو تركن، بل صرخت بأعلى صوتها ولم تترك محفلا وطنيا أو دوليا إلا عبرت فيه عن مظلوميتها وفضحت ممارسات المخزن. كانت الجماعة تنظم وقفات وتجمعات أمام المعتقلات التي يساق إليها الإخوة وكانت تلك الوقفات مناسبة لإظهار تلاحم الجماعة وتضامنها مع أعضائها.

ونقلت الجماعة نضالها إلى مستوى الجمعيات المهتمة بحقوق الإنسان فكان التضامن مع الجماعة وشجب القمع الأخرق من جمعيات وبضع هيئات وطنية ودولية قويين. وكان المثير المستفز للمخزن الوقفات الاحتجاجية الجماعية في الدول الأوربية والأمريكية التي أبانت عن وجود فاعل لجماعة العدل والإحسان في مجتمعات الغربة. وهكذا تحولت الأبواب التي أرادتها الجماعة مفتوحة إلى أبواب مشرعة تعرف فيها القاصي والداني على الجماعة، وتحولت رغبة المخزن في تحجيم الجماعة وتقزيمها إلى امتداد شعبي وصلت أصداؤه إلى كبريات العواصم الدولية فكانت الفضيحة، فضيحة المخزن، على الملأ.

” المستوى الداخلي:

كان المخزن يعول على ممارساته القمعية للتخويف والترهيب عساه يثير الفزع في أعضاء الجماعة فتنخلع أفئدتهم فيخافون ويرتدون عن المنهاج التي ارتضوه لأنفسهم. لكن الخيبة كانت كبيرة، إذ لم تزد الاعتقالات والمداهمات والاختطافات الجماعة وأعضاءها إلا قوة وتضامنا ومواساة. وهكذا ازدادت صفوف الجماعة لحمة وقوة وتراصا وازدادت حيوية مجالسها خاصة مجلس النصيحة التي استقطب إليه كل المؤمنين لما وجدوا فيه من تحقيق سنة رسول الله وتعميق معاني الصحبة والمحبة والاتباع الصادق.

لم يعرف المخزن، ولا يريد أن يعرف، وما استفاد، وأنى للبلادة أن تستفيد من سابق التجربة مع الجماعة التي أبانت أن القمع لا يجدي وأن المنع لا يفيد، وأن الواقف على عتبة المولى الجليل يستمطر رحماته أنى يخيفه بشر ميت سائر إلى قبره. لم يعرف المخزن أنه يتعامل مع أناس ملأ حب الله قلوبهم فلا يخشون إلا هو ولا تأخذهم في دينه عز وجل لومة لائم .

*المستوى الإشعاعي التواصلي :

أرادت الجماعة كما قلنا أبوابا مفتوحة فجعلها المخزن بإذن الله وقدرته أبوابا مشرعة نوافذها مترعة يدخلها الكل ليعرف ويغرف. فتحقق تواصل عظيم مع مختلف شرائح الشعب المغربي: في دهاليز الكوميساريات وفي الشوارع والأسواق والأزقة والحارات… بل وتم التواصل مع العالم الغربي في أوربا وأمريكا وعبر العالم والدنيا كلها من خلال برامج وحوارات وملفات على شاشات القنوات العالمية.

بهذا انقلب السحر على الساحر ورد الله كيد الظالمين في نحورهم يخربون بيوتهم بأيدي قمعهم وأيدي بلادتهم وقلة اعتبارهم وانعدام اذكارهم.

المخزنيون الجدد

المخزنيون القدامى العريقون في مخزنيتهم لم يكن موقفهم غريبا، وإنما كان الغريب العجيب الذي يضاف إلى سلسلة غرائب المخزن في بلادنا  وأذكر هنا فقط بغرائب الوزير المخلوع في قوله بالحماية لتبرير حصار المرشد الأستاذ عبد السلام ياسين عشر سنوات في بيته- كان الغريب القول بأن تكثيف الجماعة للأنشطة هو السبب في التدخل لاحترام القانون، وياللعجب، متى كان تكثيف الأنشطة مبررا للخروج عن القانون؟؟ ومتى كان هدم البيوت وتكسير الضلوع وسرقة الممتلكات وانتهاك الحرمات سبيلا لردع الخارجين عن القانون. إنها غرائب المخزن الأزلية وتبريراته الواهية وأساليبه الجديدة القديمة البالية..

المخزنيون الجدد من محترفي سياسة الصالونات والندوات، ومن مناضلي الأمس الذين ذاقوا حلاوة الكراسي وامتلأت بطونهم من أعطيات المخزن المسروقة من مال الأمة، ومن معتنقي الإيديولوجيات الميتة التي أصبحت من قبيل الطعام البائت الفائت… هؤلاء شهدوا شهادة لوجه المخزن أشادوا فيها بسلوكات المخزن وغنوا فيها بأغنيات احترام الخصوصية والعمل ضمن الثوابت واحترام الإجماع وضرورة مكافحة الإرهاب والتصدي للظلامية وأعداء الحرية والديموقراطية. وما الثوابت التي يجمع عليها المخزن وأهله إلا التوافق على الصمت على الاستبداد والفساد وبيع البلاد والاستخفاف بالعباد. ما الثوابت إلا الرضى بالذل والقعود على الأرائك الوثيرة واقتسام عرق الملايين من هذا الشعب المجهل المفقر والمحقر لقاء متاع قليل.

مضى هؤلاء وعلى مرأى ومسمع من الشعب يستعدون المخزن ليضرب بيد من حديد على يد هؤلاء الخارجين عن الأمة في زعمهم. سكت المخزنيون الجدد عن الظلم النازل على رؤوس مواطنين كاملي الموطنة وعلى عباد لله أرادوا وجه الله بنصحهم لأمة في كل حين وآن. انضموا، أعني المخزنيين الجدد، يشيدون بكل مبادرات المخزن مساهمين في الكذب على الشعب ممارسين وصاية على الأمة ودين الأمة كابحين جماحها في التعبير عن حقها مصادرين عقول أبنائها في أن يكون لهم رأي في من يحكمهم وكيف يحكمهم.

انحاز المخزنيون الجدد إذن إلى صف الظلم رددوا كلامه وبرروا أفعاله وتفننوا في ذلك عساهم يزدادوا قربا وينالون رضى بعد أن عزلهم الشعب لما فاحت رائحة تواطئهم على الأمة وعلى الصادقين ممن يريد الخير للبلاد من غير أن يداهنوا أو يسلموا بمنطق الرأي الأوحد والفكر الأمجد.

ثبات العدل والإحسان

من أين استقت جماعة العدل والإحسان سر ثباتها على مواقفها؟؟ ما الذي يجعل الكل من أهل السياسة بل حتى من بعض أهل الدعوة في هذا البلد الأمين ينساقون وراء مخزن أبانت الأيام لكل ذي لب فطن لبيب أنه لا يسوق إلا الأحلام ولا يبيع إلا الأوهام؟؟ ينكت وعود الأمس ليبني عليها وعودا للغد تأتي الأيام لتبين أنها ليست إلا كذبا وجرما في حق الأمة. الكل صامت راض إن صدقا وإن على مضض، والعدل والإحسان ماضية في قول الحق صادقة لا تبدي الأيام إلا صدق تحليلاتها وقوة حجتها.

أثبت التاريخ لمن يقرأ سنن الله الماضية في كونه أن جماعة العدل والإحسان لا تزيدها المحن والابتلاءات إلا عزيمة وقوة ومضاء وثباتا على محجتها اللاحبة وما ذاك إلا ل:

” توكلها على الله العلي العظيم وتفويضها الأمر إليه سبحانه وتعالى، ويقينها التام في وعد الله جل وعلا باستخلاف المؤمنين والتمكين لهم في الأرض متى آمنوا وعملوا الصالحات وصدقوا الله ما عاهدوه عليه.

” ثقتها في هذه الصحبة المباركة التي من الله بها على الجماعة بمعية الأخ المرشد الأستاذ عبد السلام ياسين الذي ربى أجيالا من المؤمنين على محبة الله عز وجل والاستعداد للقاء الله وبعث في الإخوة بإذن من الله إرادة وجه الله بالقيام للشهادة بالقسط ونبذ الظلم.

” وضوح مشروعها المجتمعي المستند إلى وضوح تصورها المنهاجي الداعي إلى توفير البنية المجتمعية العدلية اللازمة ليعرف العبد ربه فيعبده ويترقى في مدارج الدين حتى يكون ممن يعبد الله كأنه يراه. وخاصية الوضوح هذه تجعل الجماعة على بينة من أمرها وعلى ثقة من نهجها، غايتها جلية سامقة، وأهدافها بينة عالية، ووسائلها دعوة رحيمة رفيقة غير مستعجلة، وأولوياتها مرتبة منظمة.

” اعتمادها الرفق من غير ضعف والقوة من غير عنف في تبليغ دعوة الله عز وجل إلى الإنسان بالحكمة والموعظة الحسنة وتغلغلها الرزين المتزن في أوساط الشعب تسمعه الفطرة السليمة وتعيش آلامه وتحمل آماله بصدق دون مواربة ولا مداهنة.

” صدقها في النصيحة للكل بدءا بالحكام حين دعتهم إلى التوبة والأوبة ورد المظالم إلى أهلها، مرورا بعموم الناس حين دعتهم لمجالس الخير يتربون على معاني الإيمان والرجولة من خلال عمل تربوي دعوي جاد مستمر، وانتهاء بالفضلاء من النخب حين دعتهم إلى ميثاق جامع على أعين الشعب لإيجاد حل جماعي مبني على عقيدة الشعب ودينه.

خلاصات :

” إن ما تؤكده هذه الحملة الشعواء على جماعة العدل والإحسان هو أن لا خلاص لهذا الشعب من ما يعانيه إلا بخلاصه من داء الاستبداد. وأن لا تغيير يرجى ولا تنمية تكون إلا بأن يختار الشعب بنفسه من يحكمه لا أن يعتبر قطيعا مهملا يساق لمواسم البهتان والزور.

” إن الصمت المريب للنخب السياسية ومن يوالي المخزن عموما على القمع المسلط على فئات عريضة من أبناء هذا الشعب لهو دليل ناصع على فقدان هؤلاء لمصداقيتهم وبعدهم كل البعد عن المدخل الحقيقي لبناء غد أفضل.

” إن خروج الجماعة كعادتها من هذه المحنة منتصرة بإذن الله لهو برهان آخر على أن ما تعرضه على الأمة حكاما ونخبا وشعبا من تصور تغييري جدير بأن يكون موضع حوار وطني شامل على أرضية إسلامية شعبية.

” إن القمع والإرهاب والتسلط وسائل لا تجدي نفعا مع الدعوات الصادقة المؤمنة بربها المعتمدة عليه الواقفة ببابه الراجية عونه، وأنى لإنسان سائر إلى القبر أن يوقف نور الشمس…. يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون.

فالله خير حفظا والله خير الراحمين.