من أشواقهم إليه يبدؤون .. وإلى مثواهم بين يديه ينتهون .. من الله الملك الحي القيوم تبدأ مسيرتهم ..

   وإلى الله الملك الحي القيوم ينتهي مسراهم ومعراجهم .. فهو  سبحانه- الأول والآخر.

   ورغبتهم في التعرف إليه، وشوقهم إلى محبته ولقائه، يمثلان شدة الزناد .. حيث تنطلق الطاقة المشتاقة في عنفوان مقتدر ذاهبة إلى هناك .. لا تلوى على شيء، ميممة وجهها شطر الطريق المضني إلى سدرة المنتهي .. غائضة في البحار المجهولة متسلقة جبال الهول .. مجتازة تخوم المألوف، إلى عالم كل ما فيه عجيب، وجليل، وباهر!! وعلى الرغم من أنهم مسافرون إلى الله. فهم في ذات الوقت مسافرون بالله..!!

   فإذا كان سبحانه “الآخر” الذي يقطعون الأعمار وثبا في السفر إلى رضوانه وجلاله، فهو أيضا “الأول” الذي يبدؤون الرحلة من دعوته، ومشيئته، وتوفيقه. ومن إرادته التي تقول للشيء كن، فيكون.. ومن حوله وقوته اللذين لولاهما ما قدر أحد على حركة أو سكون!!

   ولقد أدركوا ما عمى عنه كثيرون، وهو أن رحمة الله قريب من المحسنين، وأن مزمع السفر إلى رضوانه لا يكاد يلوح بعزمه وبأشواقه حتى يجد كل مراكب النعمة في انتظاره، لتنطلق به في الموكب المجيد والسعيد.. فالرب الذي يشدون الرحال إلى رحابه ليس فقط، الأول في وجوده .. بل الأول في جوده!!

   وهو  سبحانه- لا يعيق المهاجرين إليه. والمسافرين إلى رضوانه .. بل يجعل لهم الأرض مهدا والسماء سبلا ..

   ولقد فهم أولياؤه هذا فوضعوا أعينهم على أنفسهم حتى لا يؤتوا من قبلها بما يعرض الرحلة للتيه والضلال.

   وهنا نلتقي بـ”أبي حازم سلمة بن دينار” يقول في بهاء عظيم:

   (لأنا من أن أمنع الدعاء، أخوف علي من أن أمنع الإجابة).

   أي تغيير نهائي لهذه الفكرة يفوق هذا التعبير ويسبقه .. إنه لا يخشى أبدا أن يبسط يد الضراعة إلى ربه فلا تسارع إليه يمين الرحمن بكل برها ونجدتها وحنانها وعطاياها.

   لا يخشى أن يقرع الباب فلا تفتح له أبواب .. فذاك أمر مفروغ من تيقنه على يقين من قول الله لعباده في حديثه القدسي:

   “من مشى إلي شبرا، مشيت إليه ذراعا .. ومن مشى إلي ذراعا مشيت إليه باعا.. ومن أتاني يمشي، أتيته هرولة”.

   كما أنه على يقين من قوله تعالى لعباده في قرآنه العظيم: “ادعوني، أستجب لكم”.

   فتقبل الله أعمالنا، وفتحه أبواب رحمته وأبواب فضله لنا، لم يكونا قط موضع تساؤل من أهل الله وأوليائه. إنما المشكلة ماثلة فينا نحن.

   فهل نحن أهل لأن نريد؟ ثم هل نريد حقا؟ هذه هي المشكلة أما حين نريد ونحن للإرادة أهل، فإن كل قوى السماء والأرض توضع على الفور في خدمة ذلك العبد المشتاق الذي آثر الله وأراده، فكان له من الله ما يؤثر وما يريد!!

   وهنا نلتقي بـ”أبي وائل شقيق بن سلمة” يقول:

   (نعم الرب ربنا لو أطعناه ما عصانا!).

   وهي عبارة تثير الدهشة لا محالة من حيث الصياغة والتركيب فهل يجوز لنا أن نقول عن الله سبحانه: “ما عصانا”؟

   وما نحن بكل أبرارنا وقديسينا، حتى يطيعنا الله أو حتى يعصينا؟!

   لكن أهل الله لهم لغتهم التي أذن لهم بها. ولهم أذواقهم وأحاسيسهم .. ومن ثم تعبيراتهم التي تستمد من أبعد الأعماق وأرحب الآفاق.

   إنهم يعرفون كم يدلل الله عباده..!!

   ألم يقل لهم: “من أتاني يمشي، أتيته هرولة”؟

   فمن نحن حتى يهرول الله إلينا، إذا جئناه مشاة؟! .. وألم يقل سبحانه: “قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل”؟!

   فمن نحن، حتى يرفعنا الله إلى هذا المستوى من المنزلة عنده، بل من المنزلة معه؟!

   إن “أهل الله” يتحدثون بلغة قريبة، تصور ما أترعت به نفوسهم ومشاعرهم من فهم عن الله وحب له..!!

   وهكذا قال “أبو وائل” رضي الله عنه: “لو أطعناه ما عصانا”!