دأب الساسة والإعلاميون على اعتبار بداية شتنبر دخولا لموسم سياسي جديد بعد فترة عطلة نال فيها الجميع قسطا من الراحة بعد عام من العطاء والبذل والجهد. وقد صار هذا تقليدا مسلما به في كل الدول، حيث تتسابق وسائل الإعلام للحديث عن مميزات هذا الدخول السياسي وأولوياته وانتظارات الرأي العام منه.

   لكن الملاحظ، بموازاة مع هذا الاهتمام، هو حرص البعض في بلدنا المسكين هذا على التعسف على “الدخول السياسي” وتحميله ما لا يحتمل، وتضمينه ما لا يطيق، يحاولون أن يخرجوا من الفراغ شيئا يضاهون به الدول والمجتمعات التي عندها دخول سياسي، وعندها فرقاء سياسيون ببرامج سياسية ووسائل عملية، ويملكون قرارهم بأيديهم.

   وكلما قرأت شيئا عن هذا الدخول السياسي، أو استمعت إلى حديث، أو كنت في حوار مع أحد إلا وملكتني حيرة، وانتابني إحساس، وتشكلت لدي قناعة ويقين بأن ساسة بلدنا في واد والرأي العام في واد آخر، وانشغالات أولئك غير اهتمامات هؤلاء.

   يحاول البعض أن ينشغل بالدخول السياسي، ويحدد له مميزات، فيتحدث عن انتخابات ثلث مجلس المستشارين، ووضع اللمسات الأخيرة على انتخابات 2007 ويسترسلون في تعداد تلك المميزات والاستحقاقات. وهي على كل حال استحقاقات المنتفعين، ولكنها، حتما، ليست استحقاقات المواطنين.

   يتحدثون عن انتخابات تجديد ثلث مجلس المستشارين، وهي، على كل حال، انتخابات غير مباشرة لهيئة ليس هناك إجماع حول جدواها ويعلم الكل ظروف وحيثيات تشكيلها، ويتناسون أن انتخابات مباشرة تمت سنة 2002 لهيئة هناك إجماع على ضرورتها، وهي مجلس النواب، وسوق لها بمختلف أنواع الدعاية الواضحة والخفية، وقدمت فيها الوعود على أنها ستكون مغايرة بنزاهتها وشفافيتها وبرامجها و…، وأنفقت الملايير من أجل إنجاحها ولكنها فشلت ولم تستقطب إلا قلة قليلة من المواطنين شارك معظمهم طمعا في مال، أو إرضاء لقريب، أو طاعة لعون سلطة.

   لن يهتم بها المواطنون لعلمهم أن نتائجها معروفة سلفا، وليقينهم أن لا قدرة للفائزين فيها على أي شيء، ولمعرفتهم أن الغش والتزوير سيكون مصيرها مهما أبدعت وزارة الداخلية، إن كانت حريصة فعلا على نزاهتها، من الإجراءات الزجرية والوقائية لأن القدرات الإبداعية لمن اعتادوا الإفساد أكبر من إجراءات الداخلية.

   لن ينشغل المواطنون باستحقاقات هؤلاء المنتفعين لأن لهم دخولهم الخاص واستحقاقاتهم الخاصة.

   ينسى هؤلاء أن الذي يميز هذا الدخول السياسي هو زيادات مهولة في أسعار مواد أساسية لحياة المواطن (الماء  الكهرباء  البنزين  السكر  النقل …) ويتناسون أن الذي يميز دخولنا السياسي في كل موسم هو انشغال ملايين الأسر بالهم المؤرق لجفونهم: تعليم الأبناء وتغطية نفقات الدراسة والأفق المسدود لأبنائهم حتى وإن حصلوا الشهادات وتفوقوا.

   الدخول السياسي عند المغاربة يعني التحاق أفواج من المتخرجين بطابور المعطلين الآملين في إيجاد شغل يتوجون به مشوارهم الدراسي، أمل يتحول مع مرور الزمن إلى حلم، ثم كابوس، فيأس، والبقية يعرفها كل من يعيش في هذه البلاد.

   الدخول السياسي عند المغاربة يعني استقبال فصل خريف وشتاء ستعري فيه الأمطار هشاشة البنية التحتية وحجم التلاعب والغش في بناء الطرقات ومجاري المياه وشبكات الواد الحار، وستكشف كم الكذب عند مسؤولينا حين يقدمون حصيلتهم الاجتماعية عن المغرب الحي والعهد الجديد والإنجازات العظيمة، سنرى جميعا مناطق تعزل عن البلاد، وطرقا تغلق، ومنازل تهدم، وعائلات تفترش الأرض وتلتحف السماء. سيزداد يقين المغاربة حينها أن هذه البلاد غير مستعدة لمواجهة الأمطار كما الحرارة، وهم الذين عانوا خلال الصيف من المآسي مع قطارات يؤدون فيها أسعارا غالية دون مكيفات ولا أدنى شروط الراحة حيث يحشرون فيها كما يحشر السردين في علب التصبير، ناهيك عن التأخرات و…، واكتشفوا فيها رداءة النقل في حافلات رديئة كانوا فيها عرضة لسماسرة يضاعفون ثمن التذكرة مرات دون حسيب أو رقيب.

   الدخول السياسي عند المغاربة يعني بحثا عن شروط أفضل للاستفادة من سلف يغطون به نفقات التمدرس والكسوة والمعيشة، فيصبحون لقمة سائغة لمؤسسات القروض التي تمتص دماءهم و”تأكل عرقهم” بتشجيع من الحكومة التي تسمح بنظام الربا أضعافا مضاعفة.

   الدخول السياسي عند المغاربة يعني ترقبا للأسوإ خوفا من مصنع يغلق وعمال يسرحون لأن لا قدرة لاقتصادنا على المنافسة، وكلنا يعلم سبب ذلك ونتائجه على البلاد وعلى المواطنين، أو لأن الخوصصة، وقد صارت الحل السحري لفك عجز الميزانية، تستلزم ذلك.

   الدخول السياسي عند المغاربة يعني انتظارا لما سيقوله الملك في خطابه الافتتاحي للسنة التشريعية في بداية أكتوبر، فهم يعرفون أن الملك هو كل شيء، ويقول كل شيء، وعنده كل شيء، والباقي خدام ومنفذون، ولا جدوى من الانشغال بتحليلاتهم وبرامجهم وخطبهم.

   الدخول السياسي، بالمناسبة، حتى عند السياسيين يعني ترقب لهذا الخطاب، فهو الذي سيشتغلون عليه، يستخرجون منه الدرر والنظريات والبرامج والخطط ويملؤون بذلك صفحات الجرائد وساعات البث في الإذاعة والتلفزيون، ومنصات الخطابة.

   قد يكون هؤلاء المنتفعين على صواب حين يتحدثون عن دخول سياسي لأنهم كانوا في عطلهم، منهم من غادر البلاد، ومنهم من نسي السياسة، ومنهم من ابتعد عن كل ما يذكره بها. وهم محقون حين يقولون بأنهم على أبواب دخول سياسي، فهم كمن كان في عطلة سنوية مؤداة الأجر، وسلام على السياسة كخدمة عمومية.

   أما المواطنون فهم دائما في معترك السياسة، وهم دخلوها بغير إرادتهم منذ خرجوا إلى الوجود، منذ الولادة، يولدون في مستشفيات لا توفر أدنى شروط السلامة، ولا تخرج الأسرة من مصاريف الولادة حتى تبدأ معاناة التطبيب والرضاعة، وحين يصبح الولد تلميذا معاناة أخرى مع تكاليف المعيشة المرتفعة بوثيرة صاروخية، وحتى بعد التخرج فهو معطل أو موظف يتقاضى أجرا لا يغطي ربع حاجياته، ثم تعود الدورة التاريخية دورتها مع أبنائه.

   الدخول السياسي عند المغاربة يتزامن مع فصل الخريف حيث تتساقط أوراق الشجر الذابلة ويتغير الطقس، ورجاء الجميع أن تتساقط معها حصون الفساد وتعصف ريح التغيير بالجاثمين على نفوسنا والناهبين لخيراتنا.

   الدخول السياسي عند المغاربة يعني مسلسلا من التفاهة والفرجة تنقله التلفزة يومي الأربعاء والثلاثاء يفضح فيه المسؤولون ضعفهم وهزالتهم وصغارهم.

   الدخول السياسي كما يتوهمه المنتفعون مصطنع، أما الدخول الحقيقي كما يعيشه المواطنون فهو معاناة ويأس وطاحونة تطحن العقول والإرادات والأبدان.