فالمتصوف بحق.. والمحسن بصدق، له بصر ومعه بصيرة..

   فهو المَعَنِيُّ بقول الله عز وجل في الحديث القدسي:

   “كنت سمعه الذي يسمع به.. وبصره الذي يبصر به. ويده التي يبطش بها. وساقه التي يمشي بها. ولئن سألني لأعطينَّه. ولئن استعاذ بي لأعيذنَّه”.

   “وإذا مشى إليَّ شبراً، مشيت إليه ذراعا”.

   “وإذا مشى إليَّ ذراعا، مشيت إليه باعا”..

   “وإن أتاني يمشي، أتيته هرولة”..

   أهناك من يفيؤه التدين الصادق أكرم من هذا الكرم..

   ألا إن هذه جميعا بعض مثوبات الله وعطاياه لأوليائه الذين سلكوا إليه الطريق  طريق القوم.. رضي الله عنهم أجمعين..

   إن الإمام “ابن القيم” رضي الله عنه، ليعجب من الذين يستكثرون على أولياء الله أن يروا في البلد البعيد مالا نراه وهم بيننا مقيمون .. أو يسمعون في البلد القريب والبعيد مالا يسمع سواهم من جلسائهم..

   أو تطوى لهم الأرض، فيكونون بيننا في حين من الزمان.. وبعد دقائق يكونون هناك في المسجد الحرام، أو المسجد الأقصى، أو أي بلد قصي بعيد..

   يعجب “ابن القيم” لإنكارهم ويقول: أيظن هؤلاء أن أصحاب هذه الخوارق والكرامات يرون بأعين كأعينهم، أو يسمعون بآذان مثل آذانهم.. أو يمشون بخطى مثل خطاهم..

   إذن أين قول الله عز وجل: – كنت “سمعه” الذي يسمع به.. “وبصره” الذي يبصر به.. فبى يسمع، وبى يبصر، وبي يسير..؟

   وصدق الإمام..

   ترى: ألم يأت أولئك نبأ “عمر وسارية” إذ رآه من فوق المنبر بالمدينة وناداه وهو هناك في البلد البعيد البعيد:

   “يا سارية الجبل”

   فسمع سارية صوته، ويفزع إلى جيشه الذي كان على وشك أن ينهزم ويضيع على أثر مباغتة أعدها له عدوه.. لولا صيحة “عمر” أمير المؤمنين؟..

   أو لم يأتهم نبأ الوحي يغدو ويروح بين السماء والأرض في لحظات.

   ألا صدق ربنا العظيم..

   (وما يعقلها إلا العالمون)

   والتصوف كذلك أعلى مراحل التدين، لأنه بصفائه يهب صاحبه البصيرة.

   والبصيرة كما عرفها القوم:

   “ما خلصك من الحيرة، إما بإيمان وإما بعيان”

   وهكذا نرى العارفين بالله غادين رائحين، بين الإيمان والعيان.. ومن ثم فالحيرة وضبابية الرؤية أبعد مما يكون عن عقولهم وأفئدتهم..

   ثم إن البصيرة  وهي خير عون على رؤية الحق واتباعه- تهب “الفراسة”..

   والفراسة نور يقذفه الله في القلب.. وفيها يقول سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم:.. “اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله”..

   والتصوف أيضا أعلى مراحل التدين لأنه يعني اجتياز كل العقبات التي تعتاق السفر إلى الله.. ويقتحم العقبة الكبرى المتمثلة في شهوات النفس وإيعازها بكافة النقائض والرذائل من الغرور، وكِبْر، وبغي، والكذب، وحقد، وقعود مع المخالفين..

   لأن التصوف فن “الروح” و”جوهر الضمير” و”نور العقل”.. فقد صاغ له شيوخه وأساتذته من لغة الروح والضمير والعقل فلسفة ومناهج -لن يتسع الزمان، ولا المكان ولا المناسبة للإضافة في تبيانهما، وحسبنا كلمات عابرة أو المقامات والأحوال.. فهم يقسمون الطريق إلى خصائص، فضلا عن تقسيمه إلى مراحل ومنازل.

   فمن حيث الخصائص يرون هناك  مقامات.. وأحوالا..

   والأحوال أعلى شأنا من المقامات.. حتى إن بعضهم ليفرق بينهما بأن المقامات “كسبية” والأحوال “وهبية”.. إن المقامات تكتسب بالمجاهدة والأحوال توهب، ويرزقها صاحبها بطريق الأعطية والهبة..

   ولعل في هذا يضعون بصائرهم على قول الله سبحانه:

   (الله يجتبي إليه من يشاء)

   و(يهدي إليه من ينيب)، فهناك “اجتباء” مردُّه إلى اختيار الله.. وهناك “اهتداء” مرده الإنابة إلى الله.. ولا نقف طويلا مع حديث روَّاد التصوف الأبرار عن المقامات والأحوال.. بل نكتفي برأي بعضهم إذ يقول:

   “الأحوال نتيجة للمقامات”.

   “والمقامات ثمرة الأعمال”.

   “فكل من أصلح عملا، كان أعلى مقاما”.

   “وكل من كان أعلى مقاما، كان أعظم حالا”.

   وعندهم أن المقامات تتداخل، ويندرج بعضها في بعض.

   فالتوبة  مثلا جامعة لمقام المحاسبة ومقام الخوف..

   والتوكل  جامع لمقام التفويض والاستعانة والرضا..

   والإنابة  جامعة لمقام المحبة والخشية..

   ومقام الحياء  جامع لمقام المعرفة والمراقبة..

   وهكذا، مما يفيض الإمام “ابن القيم” رضي الله عنه في شرحه وتبيانه في مؤلفه العظيم: “مدارج السالكين”..

   كان شيخ الإسلام “ابن تيمية” رضي الله عنه يقول:

   “إن في الدنيا جنة، من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة..”

   ويقول أحد العارفين:

   “إنه ليمر بالقلب أوقات، أقول فيها: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم إذن لفي عيش طيب..”.

   وقال بعضهم:

   “مساكين أهل الدنيا.. خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها..

   سئل: وما أطيب ما فيها؟؟

   قال: محبة الله.. والأنس به.. والشوق إليه.. والإقبال عليه.. والإعراض عما سواه..”.

   وهل التصوف الحق إلا هذا كله؟؟

   إني لأشهد ألا وجود لما ذكر العارفون إلا في التصوف السديد والمجيد..