I/ الديمقراطية

1- كيف تُعرَّفُ الديمقراطية وكيف تُقدم للشعوب؟

تقدم الديمقراطية اليوم للشعوب على أنها النظام الأصلح والأوحد لمجابهة الظلم والاستبداد، وأنها أرضية للتعايش والسلم الاجتماعي و وسيلة لتحقيق رخاء اقتصادي واستهلاكي، شريطة أن لا يكون هناك ذكرٌ لقضية الأخلاق أو القيم الدينية. كما تقدم على المستوى الفلسفي كنسق يدحض مفهوم المطلق ويكرس فكرة النسبية، وتقدم على المستوى السياسي كآلية للتداول عل السلطة بشكل سلمي عن طريق انتخابات وعبر صناديق الاقتراع يتنافس فيها أحزاب وهيئات سياسية ومدنية وفق برامج وتصورات.

الديمقراطية حكم الشعب، الديمقراطية رفض لحكم الفرد رفض للديكتاتورية ظاهرا، رفض للثيوقراطية التي هي الدين ورموزه وتعاليمه باطنا، كل دين في زعمها.

2- ما خفي من التعريف

سكوت النخبة المثقفة عن تلازم الديمقراطية واللائكية خيانة وتعتيم على الأمة وتغرير بها وكتم للحقائق عنها وأعظم من ذلك تجندهم وتخطيطهم لمسخ هوية المسلمين وتجهيلهم بدينهم وتحويل ولاء أبنائهم وبناتهم لعقلانية ديكارت، ووضعية كونت، وفلسفة هيوم وثورية فلتير على الدين ..

ظهر مفهوم الديمقراطية الحديث كثمرة لاجتهاد العقل الفلسفي وتم ترسيخ المفهوم وسريانه في الأوساط المتنورة بعد انحراف الكنيسة وتواطئها مع الإقطاع وما نتج عنه من رفض للدين باعتبار هذا الأخير هو المسؤول عما تعيشه أوروبا وخاصة فرنسا من تخلف واستبداد.

يصرح أوكست كونت، واضع “البوزيتيفيزم” ، أن العقل البشري يجب أن يرتفع عن طفولة التفكير الأسطوري والديني إلى مستوى التفكير الوضعي. كذلك نظر داروين لتفاهة الإنسان القرد. وأتبعهم نيتش بعبثية الوجود عبر نظرية “النييليزم” وختم العِقد سارتر بجوهرة “الوجودية”، يهدف هؤلاء الفلاسفة  بإجماع غريب ومركب- لحقيقة فلسفية واحدة: تفاهة الدين وتأليه العقل وضرب الثوابت والأخلاق.

أخذ العقل الغربي يتكون في أحضان هذا الفكر الإلحادي، وزكاه أخطاء رجالات الكنيسة من تعاليم منحرفة تارة ومن تواطئ مع الارستقراطية وأرباب البلاط تارة أخرى، فانقسم أهل الغرب شيعا منهم من حارب الكنيسة مع الحفاظ على فكرة الإيمان الفردي وكان من رواد هذا التوجه “مارتن لوتر” وما خلفه من فكر بروتستانتي، ومنهم من كفر جملة وتفصيلا بفكرة الدين وتبنى الإلحاد.

عن هذا التصدع الكنسي وذاك الخليط الفلسفي نتج الفكر اللائيكي الرافض للدين- كيف ما كان هذا الدين وتعاليمه- آلة أو مادة في الحكم، كما تمخض عن كل ذلك الفكر الإلحادي الذي يرفض فكرة الإله بالجملة، وفكرة “السيكيلاريزم” التي تفرغ كل المفاهيم الدينية من محتواها الغيبي أو الروحي أو الأخلاقي.

هكذا اتفقت الأسباب فاجتمعت الكلمة، وظهرت الديمقراطية كأنها روح البشرية وخلاص الأمم، ظهرت متمثلة في إقصاء الدين وما يحذو حذوه من أخلاق وقيم. فآمنت بها الأمم واستيقنتها قلوبهم فلو نزلت الملائكة من السماء يسمع تسبيحهم ليؤيدوا الديمقراطية لما زادوا الديمقراطية شيئا.

3- إشكالية الديمقراطية وقصورها

لم تكد ترى الديمقراطية النور حتى وقعت في مستنقع إذلال الشعوب وتركيعها وخنق الحريات وحقوق الإنسان وخذلان المظلومين؛ وما مثل البوسنة منا ببعيد، وما تواطؤها مع أسراب الجراد الصربي ليفعلوا الأفاعيل في سربرينتشا وسراييفو منا بغريب.

كم عمر التجربة الديمقراطية والممارسة الديمقراطية على المستوى السياسي؟ متى يبتدئ العد لهذه التجربة التي سمح لها أصحابها أن تكون دينا جديدا؟ بالأمس القريب تمت المصادقة دوليا على منع المتاجرة بالرقيق الأبيض! بالأمس القريب ما تزال الدول تتكلم عن الإمبراطورية النمساوية والفرنسية والإنجليزية والعثمانية. بالأمس القريب لا زلنا نتحدث عن الفاشية والنازية. فمتى يبتدئ التأريخ؟ بعد الحرب الأوربية الكبرى الأولى  والتي يصطلح عليها باسم الحرب العالمية وذلك لكون العالم في تصور الغرب هو الغرب- تم تقسيم العالم الإسلامي إلى أسواق وآبار للنفط عبر “سايس بيكو” وبعد الحرب الأوربية الكبرى الثانية أنشأ BIRD لإعادة إعمار أوربا بعد كل هذا تقدم الأسياد لنا بهذا المنتوج المسمى ديمقراطية. انقسم المسلمون في تبني هذا المولود الجديد سياسيا، القديم فلسفيا فمنهم من قبله وسلم به وجعله غاية مبتغاه ومنهم من تقبله بتحفظ و منهم من كفر به.

كيف يتم التعامل اليوم مع هاته الديمقراطية وقد فشلت إلى حد بعيد في تثبيت الحقل السياسي والاجتماعي والاقتصادي في أوربا عموما وأمريكا على الخصوص، لإنقاذ الاستقرار السياسي وحفظ السلم الاجتماعي ومكافحة الإرهاب.

إن حركية الصراع اليوم المتمثل في الاستعمار الأمريكي والمقاومات التحررية يخلق جدلية لا يمكن لمفهوم الديمقراطية أن يصمد أمامها. يحاول الغرب أن يقنع البشرية جمعاء أن مكافحة الإرهاب لأجل إرساء الديمقراطية. لكن التعارض الكلي بين المفهومين وحتمية التدافع الأبدية لن تترك بعد اليوم مجالا لسريان مفهوم الديمقراطية.

العالم الغربي بحاجة لنفط العرب وخيرات العرب وأرض العرب وسوق العرب. العالم الغربي لا مفر له من شن هجومات متتاليات استعمارية لتحقيق مآربه. والإنسان العربي بدأ يتخلص من “عروبته” التي أرضعته الهوان سنينا ليلتحق بإسلامه الذي يصعد به لطلب الشهادة دفاعا عن الوطن والدار. أصبحت المقاومة والتحرر مطلبا وحب الاستشهاد ثقافة لدى الشعوب العربية المسلمة مما يجعل فكرة دحض الإرهاب من أجل الديمقراطية مطلبا لاغيا.

مكافحة الإرهاب من قبل الغرب الذي تتزعمه أمريكا وحب الشهادة عند المسلمين طلبا للتحرر جعلا الصراع يدور في حلقة دائرية متصاعدة لا مجال بعدها للتفكير في الديمقراطية: الديمقراطية حكم الشعب واستشارة الشعب وموافقة الشعب. وحرية التعبير، حرية التجول، وحرية التفكير. مكافحة الإرهاب إقصاء للشعب.

بحجة مكافحة الإرهاب، يمنع الناس من حرية التعبير تحت أشباح التنصت الإلكتروني.

بحجة مكافحة الإرهاب يمنع الناس من التجول بحرية وطمأنينة ويمنع الناس من التفكير بل يتهم كل مخالف بالتواطئ مع العدو  كل من ليس معنا فهو مع الإرهاب- .

أصبحت النخبة الحاكمة بحجة مكافحة الإرهاب تمارس عملية سطو على الحكم تشن الحرب على من تشاء وقت ما تشاء.

ديمقراطية اليوم أصبحت مفهوما مفروغا من محتواه لاغيا أمام المفهوم القديس الجديد “مكافحة الإرهاب” فلا يمكن بعد اليوم لأمريكا ومن يسير في ركبها أن يُسوق لمفهوم الديمقراطية بعد إحداث هذا المفهوم الجديد.

II/ الديمقراطية وواقع الممارسة

1- النموذج الجزائري

تفاقم الوضع في الجزائر وغاب عن القادة السياسيين التلاميذ البعد الفلسفي اللاديني اللازم للديمقراطية وحسبوا الأمر مجرد لعبة صناديق وهرولة شعب مغفل للاقتراع. فنادى الكل بالديمقراطية وزعمت الديمقراطية أنها تفتح ذراعيها للإسلاميين، وأفرزت نتائج الاقتراع كارثة عظمى وزلزالا رهيبا: صوت الشعب معظمه لجبهة الإنقاذ وفاز الإسلاميون وفرحوا وغاب عنهم كما غاب عن التلاميذ السذج من قبلهم المفهوم الحقيقي لكلمة ديمقراطية، فلما أعلن الإسلاميون عن برنامجهم وهتف معهم الشعب وصوت لهم الشعب لدولة إسلامية، جاءت ردة فعل صانع القرار في الجزائر  اللائيكيين الفرنسيين- أعلنوها مدوية من غير تحفظ وجاءت الصحف الفرنسية مجمعة على رأيها شعارا واحدا: الوداع للديمقراطية  A dieu la démocratie 

هكذا كانت صرخة الغرب الديمقراطي ورجع صدى صرختهم من الجزائر: الموت للإسلاميين، الموت للدين، الحياة للديمقراطية. استفاق اللائيكي المحلي التلميذ من غفلته فهتف وراء أسياده وأيد البرنامج المعادي للدين المهمش للدين. لائكيون عسكر ومن ورائهم نخبة مغربة منها قوميون وملاحدة يزجون بالإسلاميين في السجون بعدما صوت لهم الشعب بالإجماع لكراسي الحكم.

نعم للديمقراطية لا للدين وإن بإجماع الشعوب.

2- النموذج الفرنسي

ناضلت فرنسا وعانت وأريقت الدماء لتتحرر وتتوحد ولتتآخى “وطنيا”، وبعد جهد جهيد وشهداء وصبر ومعاناة تم رسم الثوابت والمقدسات العليا للبلاد فكان شعار: حرية + مساواة + إخاء.

هذه الثوابت الكبرى والمقدسات العليا والدين الجديد سرعان ما تلاشت وتبخرت وسقطت وأصبحت شعارات مرفوضة بالإجماع السياسي حينما برزت في الساحة ظاهرة نساء ارتضين لأنفسهن ارتداء لباس يتوافق ومبادئهن الدينية. هذا “الرمز” فهم منه السياسيون ضربا للديمقراطية اللادينية اللائيكية، فأسقطوا ثوابتهم من أجل لائكيتهم.

لا للحرية، لا للمساواة، لا للأخوة، “فليرحل المسلمون عن ديارنا فنحن لسنا أخوة!” للمرأة أن تختار من اللباس ما تشاء وإن لم يكن شيئا وليس لها الحق أن تغطي شعرها لأن ذلك تفوح منه نتانة رائحة الدين.

لا للدين نعم للديمقراطية.

3- النموذج الفلسطيني  حركة حماس-

هذا النموذج الذي نجح في الانتخابات عن طريق الديمقراطية، كيف نقرأ نتائجه؟ كيف نقيم ما آل إليه؟ كيف نستخلص منه العبر من أجل حوار مستقبلي مسؤول هدفه البناء الجماعي؟ هل بعدما وقع لحركة حماس في فلسطين من رغبة في “لعبة” سياسية قوامها الآلية الديمقراطية  رحم الله من سماها لعبة-؟ هل لمساحيق الديمقراطية على وجه العدو الصليبي الصهيوني الأمريكي ومن يسير في ركبه من تأثير على تفكيرنا يثنينا على فهم أطماعهم في غزو أرضنا ونهب خيراتنا؟

فازت حركة حماس في الانتخابات ففزع العالم جله لهول ما حدث وأقاموا عليها الحصار الاقتصادي والإنساني، وأصدر الأمر الحاسم القاطع من السيد الأمريكي والغربي ومن ورائه الخسيس العربي النفطي بقطع المساعدات ووضعت الحركة في عداد المنظمات الإرهابية الواجبة تصفيتها.

ليس الحديث الآن عن اليهود الصهاينة وما يفعلونه في الكيان الفلسطيني فهذه دولة تلمودية سفاكة للدماء بمرجعيتها، وإنما الحديث عن الذين يتبنون النهج الديمقراطي وما يفعلونه اليوم في فلسطين.

العالم الغربي اليوم في فلسطين عالم محاربة الإرهاب لا عالم ديمقراطية.

4- النموذج اللبناني  حزب الله-

هل توقف العقل الغربي عند مفهوم روسو ولوك ولا تفكير بعد اليوم ولا إنتاج فلسفي لمفهوم الدولة؟ أليس المجتمع اللبناني مجتمعا يحتاج إلى كثير من الاجتهادات لطرح جديد لمفهوم الدولة نظرا لخصوصيته الجغرافية والسياسية وكذا الطائفية؟

اتضح للصغير والكبير والمثقف والأمي عبر الأحداث الأخيرة من حرب مدمرة على لبنان أن حزب الله مكون أساسي في النسيج السياسي لهذا البلد وعضو أصيل في البناء الاجتماعي ويحظى بشعبية كبرى قل نظيرها، تحرج الخصم وتفرض عليه نوعا من الخطاب يزيد حزب الله شعبية واحتراما وتقديرا. أحدث هذا الحزب “الديني” بعض التوازنات على مستوى الصراع العربي الصهيوني، ثم انتقل بعد ذلك إلى الشأن الداخلي وحول مائدة الحوار الوطني بدأت أطروحاته تنحو منحى تثبيت التوازنات الداخلية الوطنية. وكانت هاته النقطة التي أفاضت الكأس، فلا يحق لحزب “ديني” “متطرف” أن يحظى بكل هذه الانتصارات والإنجازات فكان نتيجة ذلك تدخل الدولة الأمريكية على خط الحوار الوطني ونسفه فانتقل حزب الله من عضو وطني فاعل قيادي يروم التسوية الجامعة والتوازنات الداخلية إلى منظمة إرهابية قسمت العالم شطرين متناقضين: غرب معزز بمجلس أمني يحارب الإسلام وأهله، ومستضعفون رأوا بصيص الأمل في النموذج اللبناني.

لا تسمح الديمقراطية بقيام حزب ديني ولا بقيادة سياسية لها مرجعية دينية، اللهم إن كان الدين راكعا ساجدا للإله الديمقراطية قابعا في الأركان والهامش فحين ذاك تهلل به الديمقراطية وتمجده وتقيم له الحفلات!

III/ لا للديمقراطية!

انقسم الإسلاميون بين من يعتبر الديمقراطية كفرا بالدين وبين من يؤمن بالآلة ويرفض الفلسفة وبين منبهر مشدود.

الآن وقد أزيلت المساحيق فهل للانبهار معنى؟ الآن وقد تقدمت أمريكا للعالم أجمع بمشروعها الجديد “محاربة الإرهاب” ألا يزال تمت مراهنة على الديمقراطية؟ ألا يكفينا نموذج فلسطين ولبنان والجزائر والعراق وما يحاك اليوم للسودان كي ننهض من سباتنا؟ أما آن وقت انبعاثنا؟ كفرت “الويلات المتحدة الأمريكية” ومن يسير في ركبها بالديمقراطية من أجل نهبنا فما جدوى تمسكنا بهذه الجيفة النتنة؟ أو ليست للمسلمين رسالة في العالم ورسالة للإنسان؟

المسلمون تحت آلية الجيفة الديمقراطية “قصعة تؤكل، خراف تذبح، أعراض تنتهك، ملة تُجرأ على حرمها الصهاينة اليهود يطئون أرضها، يرومون تدجين اقتصادها”. إذلال المسلمين وتركيعهم وخطم أنفهم وتمريغ هامتهم في حمأة الهوان قمة ما تصبو إليه الجيفة الديمقراطية.

“تماسيح هي الديمقراطيات الغربية على المسلمين، أنت الباحث المؤرخ أدرى بما فعلته ديمقراطيات أوربا في القرن الماضي حين اقتسمت العالم الإفريقي الأسيوي المسلم، وتوزعته وانتهكته وانتهبته … تماسيح وردت علينا متزينة بزي حامل مشعل الحضارة ومصباح التنوير الفكري …”.

إن اختزال الديمقراطية في بعدها الآلي وعزلها عن مضمونها الفلسفي لهو أكبر ورطة يقع في وحلها اليوم المساومون ولهو المانع غدا من كل محاولة جادة للحوار والبناء.

-يتبع-