صدرت هذه الأيام الأرقام الأولى لنتائج تطبيق اتفاق التبادل الحر بين المغرب والولايات المتحدة الأمريكية خلال الستة أشهر الأولى من دخولها حيز التنفيذ. وللإشارة فقد بدأ العمل بهده الاتفاقية منذ 1 يناير من العام الحالي بعد مفاوضات قصيرة دامت أقل من سنتين (من يوليوز 2002 إلى فبراير 2004) أي أنها من بركات العهد الجديد مائة بالمائة.

جاء في جريدة l”Economiste المغربية الصادرة بتاريخ 16-8-2006 أنه خلال المدة بين 1 يناير و31 ماي من هذه السنة انخفضت الصادرات المغربية بنسبة % 1.2 وارتفعت الصادرات الأمريكية بنسبة % 8.8 بالمقارنة مع نفس الفترة من العام السابق. أرقام خطيرة تكشف عن نتائج الخطوة الانتحارية التي أقدم عليها اقتصاد هشّ بتوقيع اتفاقية كهذه مع أحد أقوى الاقتصادات في العالم.

لن نورد أرقاما كثيرة فيما يتعلق بهذه النتائج لكن يهمنا أن نقف على رقم مرعب يتمثل في ارتفاع نسبة الواردات الأمريكية من الحبوب بنسبة %50 (بقيمة 570 مليون درهم أي 65 مليون دولار أي 57 مليون أورو أي 57 مليار سنتيم …) مقارنة مع نفس المدة من العام الماضي رغم أن القطاع الفلاحي يخضع لنظام خاص، ولن يفتح فيه المجال لتبادل حر كامل إلا بعد 15 سنة.

لاشك أن هذا الاختراق الفلاحي سيكون له انعكاسات خطيرة على الفلاح المغربي خصوصا إذا علمنا أن 3.5 مليون مغربي يعيشون بأقل من 10 دراهم في اليوم، وأن % 75 منهم يقطنون البوادي، ويعيشون على فرص عمل موسمية في المزارع والحقول المغربية. يذكر أن الفلاحين الأمريكيين يتمتعون بدعم مالي خيالي من طرف دولتهم مقابل ما يعانيه الفلاحون المغاربة من ضغط القرض الفلاحي الذي أدت سياسته إلى إفلاس عدد كبير منهم خلال سنوات الجفاف.

من أخطر ما تحويه الاتفاقية البنود المتعلقة بما يسمى حماية الملكية الفكرية والتي تحدّ من دخول الأدوية المستنسخة (والمعروفة بانخفاض الثمن ونفس الفعالية)، أو استنساخ هذه الأدوية في البلاد لفتح المجال لتجارة الأدوية المنتجة من قبل كبرى شركات الأدوية والتي توجد معظمها بالولايات المتحدة الأمريكية. بنود لها انعكاسات خطيرة على المريض المغربي خاصة من أصيب بمرض خطير كالسيدا أو السرطان… يشار إلى أن استراليا مثلا، وقبل توقيع اتفاق التجارة الحرة مع الولايات المتحدة، فرض برلمانها ثلاثة تشريعات تتضمن عدة شروط على رأسها فتح المجال أمام الأدوية المستنسخة.

نستغرب كيف أقدم المسؤولون في البلاد على مغامرة الاتفاقية وبشرونا على شاشات القنوات التلفزية الرسمية وفي استجواباتهم على صفحات الجرائد يمينا ويسارا بأن المغرب سيحقق أرباحا خيالية من خلال هذه الصفقة، وأن هذه الاتفاقية ستفتح للبلاد أبواب الإلدورادو الأمريكي. كيف تم هذا؟ والدول التي وقعت مثل هذا الاتفاق قبلنا كان من الواجب أن تكون عبرة لنا. فالمكسيك مثلا الذي كان من أوائل الدول التي فتحت أسواقها للولايات المتحدة اختفت فيها خلال عشر سنوات 28ألف شركة مما أفقدها 1.3 مليون فرصة شغل، وفقد في هذه المدة 6 ملايين فلاح إما أراضيهم أو أعمالهم…

تأتي هذه الاتفاقية في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تحاول من خلاله الإدارة الأمريكية تأسيس منطقة للتبادل الحر تبدأ من المغرب وتنتهي عند دول الخليج الهدف الأساسي للخطة. أما السوق المغربية فتبقى ثانوية، حيث تأتي أمريكا في المرتبة السابعة في لائحة المصدرين للمغرب ويبقى المستفيدان الأساسيان من خيراتنا هما فرنسا في المرتبة الأولى وإسبانيا في المرتبة الثانية، و في هذا الإطار بدأ المغرب مفاوضات مع الاتحاد الأوروبي في العام 1995، وينتظر أن تنتهي بتوقيع اتفاق للتبادل الحر في العام 2012.

اتفاقيات استكبارية يدفع ثمنها الشعب المغربي الذي لا يحتاج أن توزع عليه أطباق من “الحريرة” كلما جاء شهر رمضان المبارك بل يحتاج لتأطير دولة ذات سيادة فعلية تحفظ له حقه وتدافع عن ثرواته وخيراته وتربي أبناءه على الإيمان والأخلاق الفاضلة…

ورد عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا دخل السوق يقول (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفسوق ومن شر ما أحاطت به السوق. اللهم إني أعوذ بك من يمين فاجرة وصفقة خاسرة).

اللهم إنا نعوذ بك من المسؤولين عن الصفقات الخاسرة، و من الحكام الساعين لعقد الصفقات الخاسرة. نسألك اللهم أن ترفع ظلمهم وتجبرهم وطغيانهم عن الأمة إنك ولي ذلك والقادر عليه. وصلّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.