ذكر وفاته صلى الله عليه وسلم   ابتدأ برسول الله صلى الله عليه وسلم صداع في بيت عائشة رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي بُدئ فيه، فقلت: وارأساه! فقال: “بل أنا وارأساه!”. ثم اشتد أمره في بيت ميمونة، واستأذن نساءه أن يمرض في بيت عائشة، فأُذن له وكانت مدة علته اثني عشر يوما، وقيل أربعة عشر.

   عن عبيد الله بن عبد الله رضي الله عنهما قال: “دخلت على عائشة فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: بلى، ثقُل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: “أصلى الناس؟” فقلت: لا هم ينتظرونك يا رسول الله، فقال: “ضعوا لي ماء في المخضب”، ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: “أصلى الناس؟” فقلنا: لا هم ينتظرونك يا رسول الله، قالت: والناس عُكوف في المسجد ينتظرون رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر أن يصلي بالناس، وكان أبو بكر رجلا رقيقا، فقال: يا عمر، صل بالناس، فقال: أنت أحق بذلك، فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه أن لا تتأخر، وأمرهما فأجلساه إلى جنبه فجعل أبو بكر يصلي قائما ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قاعدا، فدخلتُ على ابن عباس فقلت: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال: هات، فحدثته فما أنكر منه شيئا غير أنه قال: سَمَّت لك الرجل الذي كان مع العباس؟ قلت: لا، قال: هو علي”. أخرجاه في الصحيحين.

   قال ابن حبيب الهاشمي رضي الله عنه: “صلى أبو بكر بالناس في مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع عشرة صلاة، ويقال: ثلاثة أيام. وعن أنس بن مالك الأنصاري رضي الله عنهما: أن أبا بكر كان يصلي بهم في وجع النبي صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الاثنين وهم صفوف في الصلاة فكشف النبي صلى الله عليه وسلم ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف، ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي صلى الله عليه وسلم، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم خارج إلى الصلاة، فأشار إلينا النبي صلى الله عليه وسلم أن أتموا صلاتكم، وأرخى الستر، فتوفي في يومه صلى الله عليه وسلم”. أخرجاه في الصحيحين.

   وعن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ بهؤلاء الكلمات: “أذهب الباس رب الناس واشْفِ أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما”، قالت: فلما ثقُل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه أخذت بيده فجعلت أمسح بها وأقولها، قالت: فنزع يده مني وقال: “رب اغفر لي وألحقني بالرفيق الأعلى”، قالت: فكان هذا آخر ما سمعت من كلامه صلى الله عليه وسلم”. أخرجاه في الصحيحين. وعنهما قالت: “مات رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي ويومي وبين سُحْري ونَحْري، فدخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك رطب، فنظر إليه، فظننت أن له فيه حاجة، قالت: فأخذته فمضغته ونفضته وطيبته، ثم دفعته إليه، فاستن كأحسن ما رأيته مستنا قط، ثم ذهب يرفعه إلي فسقط في يده، فجعلت أدعو الله عز وجل بدعاء كان يدعو له به جبريل عليه السلام، وكان هو يدعو به إذا مرض فلم يدع به في مرضه ذاك، فرفع بصره إلى السماء وقال: “الرفيق الأعلى الرفيق الأعلى” يعني وفاضت نفسه. فالحمد لله الذي جمع بين ريقي وريقه في آخر يوم من أيام الدنيا”. رواه الإمام أحمد رحمه الله.

   وعنها رضي الله عنها كانت تقول: “إن من نعم الله علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي في بيتي وفي يومي وبين سُحري ونحري وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته، دخل علي عبد الرحمن وبيده سواك وأنا مُسْنِدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته ينظر إليه فعرفت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فناولته فاشتد عليه، فقلت: أُلَينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلينته فأخذه، فأمره وبين يديه رَكْوة أو علبة يشك أبو عمرو فيها ماء فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: “لا إله إلا الله إن للموت لسكرات”، ثم نصب يده فجعل يقول: “في الرفيق الأعلى” حتى قبض ومالت يده. انفرد بإخراجه الإمام البخاري رحمه الله. والسُّحر الرئة وما يتعلق بها.

   عن أبي بردة رضي الله عنه قال: أخرجت إلينا عائشة رضي الله عنها كساء ملبدا وإزارا غليظا فقالت: “قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين”. أخرجاه في الصحيحين. وعنها رضي الله عنها قالت: “ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة وبعيرا ولا أوصى بشيء”. انفرد بإخراجه الإمام مسلم رحمه الله.

   عن أبي هريرة رضي الله عنه أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي قبض فيه فقال: “إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول: كيف تجدك؟”، قال: “أجدني وجعا يا أمين الله”، ثم جاءه من الغد فقال: “يا محمد، إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول: كيف تجدك؟”، قال: “أجدني يا أمين الله وجعا”، ثم جاءه في اليوم الثالث ومعه ملك الموت فقال: “يا محمد، إن ربك يقرئك السلام ويقول: كيف تجدك؟”، قال: “أجدني يا أمين الله وجعا. من هذا معك؟”، قال: “هذا ملك الموت عليه السلام، وهذا آخر عهدي بالدنيا بعدك، وآخر عهدك بها، ولن آسى على هالك من ولد آدم بعدك، ولن أهبط إلى الأرض إلى أحد بعدك أبدا”. فوجد النبي صلى الله عليه وسلم سكرة الموت وعنده قَدَح فيه ماء فكلما وجد سكرة أخذ من ذلك الماء فمسح به وجهه ويقول: “اللهم أعني على سكرة الموت”.

   وعن جعفر بن محمد عن أبيه رضي الله عنهما قال: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين، فمكث ذلك اليوم وليلة الثلاثاء ودفن من الليل.

ذكر إعلام أبي بكر الناس بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم   عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر رضي الله عنه أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمَّمَ(1) رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وهو مغشى بثوب حِبَرة(2) فكشف عن وجههه، ثم أكب عليه فقبله وبكى، ثم قال بأبي أنت وأمي يا رسول الله، والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها.

   قال ابن شهاب رحمه الله وحدثني أبو سلمة عن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما: “أن أبا بكر خرج وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما يكلم الناس فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، فإن من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. قال الله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) إلى قوله: (الشاكرين) قال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرا من الناس إلا يتلوها. فأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعَقِرْتُ(3) حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها”. انفرد بإخراجه الإمام البخاري رحمه الله.

ندب فاطمة عليها السلام عليه صلى الله عليه وسلم   عن أنس رضي الله عنه قال: “لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة رضي الله عنها: “واكرب أبتاه!” فقال لها: “ليس على أبيك كرب بعد اليوم”، فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربا دعاه! يا أبتاه جنة الفردوس مأواه! يا أبتاه إلى جبريل أنعاه! فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس، أطابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم التراب”. انفرد بإخراجه الإمام البخاري رحمه الله.

ذكر مبلغ سنه صلى الله عليه وسلم   عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن أربعين، وأقام بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشرا، وتوفي وهو ابن ثلاث وستين”. أخرجاه في الصحيحين.

   وقد ذكرنا في حديث ربيعة عن أنس رضي الله عنه أنه توفي على رأس ستين. قال أبو بكر الخطيب رحمه الله: من قال: ستين، قصد أعشار السنين، ومن قال: ثلاث وستين، قصد جميع السنين، والإنسان يقول: سني أربعون ولعله قد زاد عليها إلا أن الزيادة لم تبلغ عشرا.

ذكر غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم   عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أجمع القوم لغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس في البيت إلا أهله عمه العباس، وعلي ابن أبي طالب، والفضل بن العباس، وقثم بن العباس، وأسامة ابن زيد، وصالح مولاه رضيي الله عنهم. فلما أجمعوا على غسله نادى من وراء الباب أوس بن خولي الأنصاري وكان بدريا علياً بن أبي طالب فقال: يا علي، نشدتك الله حظنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم! فقال له علي عليه السلام: ادخل، فدخل فحضر غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يَلِ من غسله شيئا، قال: فأسنده علي إلى صدره وعليه قميصه، وكان العباس والفضل وقثم يقلبونه مع علي، وكان أسامة وصالح يصبان الماء، وجعل علي يغسله ولم يُر من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء مما يرى من الميت، وهو يقول: بأبي وأمي ما أطيبك حيا وميتا، حتى إذا فرغوا من غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يغسل بالماء والسدر، جففوه ثم صنع به ما يصنع بالميت، ثم أدرج في ثلاثة أثواب: ثوبين أبيضين وبُرد حِبَرة، قال: ثم دعا العباس رجلين فقال: ليذهب أحدكما إلى أبي عبيدة بن الجراح، وكان أبو عبيدة يَضْرَح(4) لأهل مكة، وليذهب الآخر إلى أبي طلحة بن سهل الأنصاري، وكان أبو طلحة يَلْحَد(5) لأهل المدينة، قال: ثم قال العباس حين سرحهما: اللهم خر لرسولك. قال: فذهبا فلم يجد صاحب أبي عبيدة أبا عبيدة، ووجد صاحب أبي طلحة أبا طلحة فلَحَد لرسول الله صلى الله عليه وسلم”.رواه الإمام أحمد رحمه الله.

   وروى جعفر بن محمد رضي الله عنه قال: “كان الماء يستنقع في جفون النبي صلى الله عليه وسلم فكان علي يحسوه”.

ذكر موضع قبره صلى الله عليه وسلم   عن ابن جريج رضي الله عنه قال: أخبرني أبي أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يدروا أين يقبر النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال أبو بكر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لم يقبر نبي إلا حيث يموت”، فأخروا فراشه وحفروا له تحت فراشه.

ذكر الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم   لما غسل وكفن صلى الله عليه وسلم صلى الناس عليه أفذاذا لا يؤمهم أحد. فأما فضل الصلاة عليه باللسان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صلى علي واحدة صلى الله عليه بها عشرا”. انفرد بإخراجه الإمام مسلم رحمه الله. وعن أنس بن مالك رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صلى علي واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه عشر خطيئات”. رواه الإمام أحمد رحمه الله. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة”. رواه الإمام الترمذي رحمه الله.

ذكر بلوغ سلام أمته إليه ورد السلام على من يسلم عليه صلى الله عليه وسلم   عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن لله عز وجل في الأرض ملائكة سياحين يبلغوني من أمتي السلام”. رواه الإمام أحمد رحمه الله. وروي أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “ما من أحد يسلم علي إلا رد الله إلي روحي حتى أرد عليه السلام”.

أم معبد تصف النبي صلى الله عليه وسلم   عن حزام بن هشام عن أبيه هشام بن حبيش بن خويلد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة وأبو بكر رضي الله عنه ومولى أبي بكر عامر بن فهيرة ودليلهما الليثي عبد الله بن أريقط مروا على خيمتي أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة تسقي وتطعم، فسألوها لحما وتمرا ليشتروا منها فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك وكان القوم مُرْمِلِين(6)، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة فقال: “ما هذه الشاة يا أم معبد؟”. قالت: “شاة خلفها الجهد عن الغنم”. قال: “هل بها من لبن؟”. قالت: “هي أجهد من ذلك” قال: “أتأذنين لي أن أحلبها؟” قالت: بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا فاحلبها”. فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح بيده ضرعها وسمى الله تعالى ودعا لها في شاتها، فتفاجت عليه ودرت فاجترت، فدعا بإناء يربض الرهط فحلب فيه ثجا حتى علاه البهاء، ثم سقاها حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا، وشرب آخرهم حتى أراضوا، ثم حلب فيه الثانية على هدة حتى ملأ الإناء، ثم غادره عندها ثم بايعها وارتحلوا عنها.

   فقل ما لبثت حتى جاءها زوجها أبو معبد ليسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزالا مخهن قليل. فلما رأى أبو معبد اللبن أعجبه قال: “من أين لك هذا يا أم معبد والشاء عازب حائل ولا حَلُوب في البيت؟” قالت: “لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا”. قال: “صفيه لي يا أم معبد” قالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخلق، لم تعبه ثجلة ولم تُزْره صعلة، وسيم قسيم، في عينيه دَعَج(7)، وفي أشفاره وَطَف(8)، وفي صوته صهل، وفي عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، أزج أقرن، إن صمت فعليه الوقار، وإن تكلم سماه وعلاه البهاء، أجمل الناس وأبهاه من بعيد، وأحسنه وأجمله من قريب، حلو المنطق فصلا لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن، رَبْعة لا تشنأه من طول ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا، له رفقاء يَحفُّون به إن قال سمعوا لقوله وإن أمر تبادروا إلى أمره، محفود(9) محشود لا عابس ولا مُفْنِد(10)” قال أبو معبد: “هذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر، ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا”. وأصبح صوت بمكة عاليا يسمعون الصوت ولا يدرون من صاحبه وهو يقول:جزى الله ربُّ الناسِ خيرَ جزائهِ *** رفيقين حلاَّ خيمتي أمِّ معبـد

هما نزلاَها بالهدى واهْتـدت بهِ *** فقد فاز من أمسى رفيقَ محمدِ

فيا لَقُصَيٍّ ما زوى الله عنــكمُ *** به من فعال لا تُجازَى وسؤددِ

ليَهْنَ أبا بكر سعادةُ جــــدهِ *** بصحبته من يُسعد اللهُ يَسْعَـدِ

لِيَهْنَ بني كعب مقامُ فتـــاتهمْ *** ومقعَدُها للمـؤمنين بمرصـدِ

سلوا أختكم عن شاتها وإنائهـا *** فإنكم إن تسألوا الشاة تشهــدِ

دعاها بشاة حائل فتحــــلَّبتْ *** عليه صريحا ضرة الشاة مزبدِ

فغادره رهنا لديـها لحـــالبٍ *** يرددها في مَصْدرٍ بعد مَـوردِفلما سمع حسان الهاتف بذلك شبب يجاوب الهاتف فقال:لقد خاب قوم زال عنهمْ نبيــهمْ *** وَقُدِّسَ من يســري إليهمْ ويغتـدي

ترحَّلَ عن قوم فضلَّتْ عقولـهمْ *** وحلَّ على قــوم بنـــور مـجدَّدِ

وهداهم به بعد الضلالة ربُّــهمْ *** فأرشـــدهم من يتْبع الحقَّ يرشـدِ

وهل يستوي ضُلاَّلُ قومٍ تسفَّهـوا *** عـمًى وهُداةٌ يهتــــدون بمهنَّـدِ

وقد نزلت منه على أهل يثـرب *** رِكابُ هدى حَلَّت عليـــهم بأسعـدِ

نبيٌّ يرى ما لا يرى الناس حوله *** ويتلو كـتاب الله في كل مشهـــدِ

وإن قـال في يوم مقالةَ غـائبٍ *** فتصديقُها في اليوم أو في ضحى الْغدِ

   هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ويستدل على صحته وصدق رواته بدلائل فمنها نزول المصطفى صلى الله عليه وسلم بالخيمتين متواترا في أخبار صحيحة ذوات عدد، ومنها أن الذين ساقوا الحديث على وجهه أهل الخيمتين من الأعاريب الذين لا يتهمون بوضع الحديث والزيادة والنقصان، وقد أخذوه لفظا بعد لفظ عن أبي معبد وأم معبد، ومنها أن له أسانيد كالأخذ باليد أخذ الولد عن أبيه والأب عن جده، لاإرسال ولا وهن في الرواة. ومنها أن الحر بن الصباح النخعي أخذه عن أبي معبد كما أخذه ولده عنه. أخرجه الأئمة الحاكم والنسائي والطبراني رحمهم الله.

الهوامش:

(1) تَيَمَّمَهُ: تَقَصَّدَهُ.

(2) حِبَرة: ثوبٌ يماني.

(3) عَقِرْتُ: خَرَرْت إلى الأرض.

(4) ضَرَح القبر: حَفَرَه وشَقَّهُ في الوسط.

(5) اللَّحْد: الشق في جانب القَبر.

(6) أرْمَلُوا: نفِدَ زادهم وافتقروا.

(7) دعج: شدة سواد العين مع سَعَتها.

(8) وَطف: كثرة شعر العينين.

(9) حفَد يحْفِد حفْداً: الشخصَ: خدَمَه وأعَانَهُ.

(10) المفْنِد: ضعيف الرأي.