“العبادة شأن فردي” يقول اللائيكي العلماني الخرف، متبجحا حسب فتواه وهواه وعقله الذي عبث فيه الفكر الفلسفي حتى أعمى فطرته، لتخلو له الساحة بسياستها واقتصادها واجتماعها وفلسفتها، يدس فيها رحيق سمه زعما منه تقدما وتنمية ولحوقا بالركب، معرضا عن عبادة الله وطاعته مستخفا بأهل الإيمان والدعوة، مستنكرا سنن الله في الكون.

   ما كانت عند أصحاب رسول الله ولا عند أئمة المسلمين وصالحيهم وفي صميم دينهم عبادة الله ومعرفته “شأن فردي”، إلا ما كان من حسن اجتهاد وأداء وخالص نية قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (سورة الحجرات الآية 13)، بل العبادة فعل جماعي ومطلب للأمة تتعاون به وعليه.

   ليست العبادة فقط صلاة وصياما وزكاة وحجا، بل العبادة كل فعل من العبد يقرب إلى المولى عز وجل سواء كان هذا الفعل لذات الإنسان بينه وبين ربه سبحانه، أو كان منفعيا للخلق أجمعين قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (سورة الذاريات الآية 56).

   العبادة تعاون وتآزر وتراحم واجتماع على الطاعة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، والعبادة رفع للظلم عن النفس وعن الإنسان، والعبادة دعوة للتحرر من شهوات النفس والشيطان والهوى والأغيار قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (سورة فصلت الآية 33) وقال كذلك: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) (سورة الحجرات الآية 10) وقال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” (رواه البخاري ومسلم وابن حبان وابن خزيمة).

   تدعوك عبادة الله تعالى لأن تكون عضوا متحركا فاعلا في مجتمعك، ملما بحاجياته، ساعيا إلى قضاء حوائج الناس لترقى بك هذه العبادة إلى نيل رضا الله ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم وتكون لك دعوة ً وبركة ً وشهادة ً من خلق الله تعالى يوم تلقاه كما جاء في كتابه عز وجل: (وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) (سورة التوبة الآية 105) وترقى هذه العبادةُ منك بأمتك فتجعلها أمة متعاونة متآزرة يقوم بها أدناها من المؤمنين فتعز بتعاون أبنائها وتدافعهم لجلب مصلحة ومنفعة الأفراد حتى تستقيم أمورهم قال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ) (سورة التوبة الآية 71).

   أثمرت تربية رسول الله صلى الله عليه وسلم الداعية إلى التوبة والاستقامة والمداومة على العبادة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فالمجتمع الذي رباه عليه السلام والذي رأى الوحي وعايش ظروفه وشاهد كيف انتقل مجتمع العداء والحروب إلى جيل تآلفت فيه القلوب وتحابت وتناصحت وتدافعت لتكون العزة لله ولرسوله ولدولة الإسلام حتى كونت جيلا فذا، تحرر لله وحرر الشعوب التي كانت تعيش تحت وطأة الاضطهاد، لما دانت هذه الرقاب للمولى عز وجل طواعية وحبا، جاءت إليها الأمم راغبة طالبة التحرير والتحرر، فكانت لهم بذلك حسنى الأولى وحسنى الآخرة.

   روى الطبري في تاريخه وابن كثير في البداية والنهاية موقفا لأحد الرجال المسلمين مع قائد من قواد الفرس والرواية للطبري قال: ” كان مع رستم (قائد جنود الفرس) ثلاثة وثلاثون فيلا … أصبح راكبا في خيله فنظر إلى المسلمين ثم صعد نحو القنطرة وقد حزر الناس فوقف بحيالهم دون القنطرة وأرسل إليهم رجلا أن رستم يقول لكم أرسلوا إلينا رجلا نكلمه ويكلمنا وانصرف… فقال ربعي بن عامر إن الأعاجم لهم آراء وآداب ومتى نأتهم جميعا يروا أنا قد احتفلنا بهم فلا تزدهم على رجل فمالؤوه (وافقوه) على ذلك فقال فسرحوني (أرسلوني) فسرحه فخرج ربعي ليدخل على رستم… فأخبروا رستم فقال ائذنوا له هل هو إلا رجل واحد فأقبل يتوكأ على رمحه ويقارب الخطو ويزج النمارق والبُسُط فما ترك لهم نمرقة ولا بساطا إلا أفسده وتركه منهتكا مخرقا… فكلمه فقال ما جاء بكم قال” الله ابتعثنا والله جاء بنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام… إن مما سن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل به ائتمننا ألا نمكن الأعداء من آذاننا ولا نؤجلهم عند اللقاء أكثر من ثلاث فنحن مترددون عنكم ثلاثا فانظر في أمرك وأمرهم … أنا كفيل لك بذلك على أصحابي وعلى جميع من ترى قال أسيدهم أنت قال لا ولكن المسلمين كالجسد بعضهم من بعض يجير أدناهم على أعلاهم” انتهى كلام الطبري.

   انظر أية عزة وأية قوة وأي تحرر غرسته التربية والتعبد والاستسلام لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم في قلوب المؤمنين حتى أضحوا قوة وعزة في الأرض وفي السماء.

   كيف لنا بتربية تحررنا من ربقة العبودية لغير الله، وتحرر مجتمعنا من التبعية البغيضة والانقياد الأعمى لدول الاستكبار وذرا ريهم الغافلين عن الحق سبحانه والمغفلين عن ذكر خبر الآخرة.

   قال تعالى: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا) (سورة الإسراء الآية 7).