وبعد: فإلى هنا تنتهي الحلقات عن التصوف الذي لبثت في رحابه سنوات،ليتها دامت.. والذي كانت لي معه تجربه شاهقة ومتألقة  قصصت عليكم ما أذكر منها..

ولعل حديثي عن التصوف قد طال، لا لطول التجربة وغناها فحسب.. بل ليعلم الذين لا يعلمون أن التصوف بمفهومه الصحيح ذروة سنام الدين كله..

ولأقول للذين يبخسونه قدره ويرفضونه:ما هكذا يا سعد تورد الإبل..

أنتم تزعمون، أنكم في مقتكم التصوف تتأسون بالإمام “ابن تيمية”.

وبذلك تقترفون وزرين.. أولهما:

رفض ما عبر عنه سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم: بقوله الكريم:

“أن تعبد الله كأنك تراه.. فإن لم تكن تراه فإنه يراك”..

وثانيهما:

الافتراء على الإمام العظيم “ابن تيمية” ودعونا نسألكم:

أكان “ابن تيمية” سيرفض التصوف ويستهجنه ثم يرفع شيوخه ورواده وأقطابه إلى أعلى مراتب “التمجيد” ومنازل الحب والتكريم؟؟.. إنه ليقول في الإمام “الجنيد” رضي الله عنه:

– “كان الجنيد رضي الله تعالى عنه سيد الطائفة وإمام هدى”..

وافتحوا أعينكم على قوله “سيد الطائفة” فهو يعني بالطائفة المتصوفة.. وليس “الجنيد” وحده موضع تكريمه من شيوخ التصوف..بل يقول:

– “كان الجنيد رضي الله عنه سيد الطائفة، ومن أحسنهم تعليما، وتأديبا وتقويما.. وقال عنه أيضا:

– “الجنيد شيخ عارف مستقيم، من اتبعه هدي، ومن خالفه ضل”.

كذلك أثنى الشيخ الجليل “ابن تيمية” على الشيخ “عبد القادر الجيلاني” وهو من أعلام التصوف فقال في الجزئين  الثامن والعاشر من مجموع فتاوى ابن تيمية:

– والشيخ عبد القادر الجيلاني- رحمه الله تعالى-“من أعظم مشايخ زمانه أمرا بالتزام الشرع والدعوة لترك الهوى والحظوظ النفسية”.. كما عده من أئمة الدين..

كما تبعه في هذا الثناء تلميذه “بن القيم” في الجزء الأول من كتابه الجليل “مدارج السالكين” حيث قال عن “الجيلاني”:

– “هو الشيخ العارف القدوة”..!!

كذلكم الشيخ الصوفي الكبير “بشر بن الحارث” يقول عنه الإمام “أحمد بن حنبل” يوم موته:

– “مات بشر رحمه الله وماله في هذه الأمة نظير إلا عامر بن قيس”..

وكان سيدتا”عامر” هذا من أعلام الطريق الناسكين العارفين..

ويقول عنه الدرقطني”:

– “بشر بن الحارث ثقة، زاهد، جبل..”

كذالك “الفضيل بن عياض” يقول عنه “ابن تيمية”:

– “الفضيل بن عياض سيد المسلمين في وقته”،كذلك إبراهيم ابن أدهم وعشرات من شيوخ الطريق وأئمة التصوف، حظوا بتقدير “ابن تيمية” و”بن القيم” بل قالوا أنهما -ابن تيمية وابن القيم- كانا محظوظين بإجلال هؤلاء الشيوخ الهداة..

فأيان يذهبون أولئك القابعون على كراسي التعليم والإفتاء من الذين يشجبون التصوف وينقمون على رجاله وفتيانه؟؟

ومرة أخرى نقول: “إننا لا نعني بالتصوف السلبية تجاه مسؤوليات الدين والحياة، لأن التصوف ليس مهربا ولا منفى اختياريا” يأزر العجزة والكسالى واللاهون ، إنما هو عبادة تضبط العمل وعمل يزكي العبادة..

عندما بدأت شريعة الإسلام تتخذ وجهات شتى في عالم المعرفة والفكر والاجتهاد، وطفق التنوع والتخصص يقودان خطى الدارسين والباحثين وأصبح هناك الفقه والفقهاء.. والحديث والمحدثون.. والتفسير والمفسرون..وعلم الكلام ثم علم الأصول إلى أخر هذه المعطيات والمسميات نشأ التصوف كعلم، وفلسفة وسلوك.. وجاءت نشأته واتساع نفوذه وذيوعه حيث تغشَّى المجتمع الإسلامي من الترف واللهو والإقبال الوَلُوع على الدنيا وتتبع حذافيرها ما تغشَّى..!! هنالك قال الإسلام الحنيف كلمته الثانية وأخرج بعض خَبَئِه النفيس في صورة نفر عظيم أجادوا فن السفر إلى الله جل جلاله كما أجادوا فن العُزُوف عن الدنيا والزهد في مغرياتها.. وفي الاتجاه المضاد للغارقين في شهوات الحياة، راحوا يعكفون عن عبادة الله، ويحققون أرقاما قياسية في الانتصار على النفس وفي تعلية الذات والتفرق البعيد والمجيد في بعث المُثل العُليا للوحى وللإسلام..

وأقول المُثل العليا، لنعلم أنهم لم يُقْصروا جهادهم على العبادة من صلاة وصيام وذكر فحسب.. بل كانت عبادتهم تستوعب كل أركان الإسلام وأوامره.. ففي الجهاد تراهم في الصفوف الأولى للمقاتلين.. وفي الدعوة تراهم سيوفا مُشْرَعة في وجوه الطغاة والظالمين.. دون أي إثارة للفتن، أو إزهاق للروح بغير حق.. أو بغي بين الناس وفساد في الأرض..

وكانوا كما يقول الشاعر:

هُمُ المَلائِكُ في زِيِّ المُلوكِ وَهُمُ *** أسْدُ الحروبِ، وأقطابُ المُحَارِيبِ..!!

فبين الحرب والمحراب، كانت حياتهم تزخر بكل عظيم من معالي الأمور…

ويعتبر الإمام “الجُنَيْد” رضي الله عنه رائد التصوف والطريق

والتصوف بمعنى ذكرناه في مناسبة وجوده ونشوئه، لم يكن “رد الفعل” لما غشي المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية من استهتار وخطايا ..بل كان “فِعْلاً” متميزا ووثيق الصلة بالإسلام كشريحة من أهم شرائحه وكجزء ملتحم بالكل التحام العقيدة والشريعة..

وهذا ما لم يفهمه الكثيرون، فراحوا يرون فيه بدعة وخروجا عن أصول الإسلام وحقائقه. وكانت كلمة التصوف الشَّجَا الذي تَغُصُّ به حقولهم.. زاعمين أن الكلمة، لأنها لم تكن موجودة أيام الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن ما تدل عليه لم يكن له وجود.. أي أن التصوف لَغْوٌ ما دام الرسول لم يجعل له من قبل سميا.. وقد كان لي من عهد بعيد حوار مع بعض المنكرين حول هذا الموضوع.

قال: لو كان التصوف خيرا ومشروعا لأمرنا به الرسول..

قلت له: إن الرسول نفسه بدأ حياته متصوِّفا.. ذلك أن أولى بدايات التصوف وخطواته هي الخلوة، والتأمل، والعكوف على العبادة..

وكلها كانت نهج الرسول.. فالخلوة في “غار حراء” والتفكير في خلق السموات والأرض،والاستغراق في عبادة الله، كانت بعض سبحاته وصلواته.. ثم إن التصوف كان موضع وصية الرسول وتكيته والحث عليه  وإن يكن قد أعطاه اسما آخر وهو “الإحسان”.

جاء ذلك في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام مسلم، راويا إياها عن سيدنا “عمر” رضي الله عنه، حيث يقول:

* بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم:.. إذ دخل علينا رجل شديد بياض الثوب، شديد سواد الشعر.لا يرى عليه أثر سفر ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسمد ركبته إلى ركبته.. ووضع كفيف على فخذيه.. وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام..

* فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد ألا إله ألاّ الله، وأن تقيم الصلاة، وتوتي الزكاة، وتصوم رمضان ،وتحج بيت الله إن استطعت إله سبيلا..

قال: صدقت.. فعجبنا له يسأله ويصدقه..

قال: فأخبرني عن الإيمان؟؟

قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكُتبه، ورُسله، واليوم الآخر. وتؤمن بالقدر.

قال: صدقت..

قال: فأخبرني عن الإحسان؟؟

قال: أن تعبد الله كأنك تراه.. فإن لم تكن تراه، فإنه يراك..

قال: فأخبرني عن الساعة؟؟

قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل؟؟

قال: فأخبرني عن أماراتها؟؟

قال: أن تلد الأمةُ ربَّتها.. وأن ترى الحُفاة العُرَاة العالةَ.. رعاء الشَّاءِ يتطاولون في البنيان..

قال عمر: ثم انطلق، فلبث مليا ثم قال لي الرسول: يا عمر.. أتدري من السائل.

قلت: الله ورسوله أعلم..

قال: إنه جبريل أتاكم ليعلمكم دينكم..

إذن فشرعة الإسلام ومناهجه ينتظمان أركان وأعمدة ثلاثة:

الإسلام.. الإيمان.. الإحسان..

هذه هي الأعمدة الشرعية سواء بسواء.. فإذا تأملنا تعريف الإحسان كما ذكره الرسول عليه الصلاة والسلام واستشرفنا حقيقته، وجدناه يضاهي تماما التصوف، في حقيقته، ونهجه. وسلوكه..

فقول الرسول: أن تعبد الله .. كأنك تراه.. فإن لم تكن تراه فهو يراك.. ارتفاع بالإسلام والإيمان إلى آفاق الإحسان.. إذ ما ذا يراد بالإسلام من الشهادتين والصلاة والصيام والزكاة والحج..

وماذا يراد بالإيمان بالله وبملائكته وبكتبه وباليوم الآخر وبالقدر..

ماذا يراد بهذا كله إلا تعلق القلب بالله. وإسلام العبد كله لله، ومراقبته في السرِّ والعَلَن.. وأن بكون عبد “المنعم” لا عبد “النعم”..

وبعبارة واحدة: دوام العبودية في شهود الربوبية..

وهذا معنى “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك..”

فإذا قال الأعلام من التصوف:

“العبودية شهوة الربوبية”.. فهم يريدون نفس المعنى الذي قاله الرسول الكريم بصيغة أخرى كثيرة الشبه وكثيرة القرب من صيغة سيدنا الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم..

قلت هذا للذي كنت أحاوره يرفض التصوف  اسمه، وفكره، ومنهجه وسلوكه- أتدرون بما أجاب؟؟

قال: لكن الرسول أَسْمَى ذلك بالإحسان، ولم يسميه التصوف..

وقلت له: المسألة إذن بغاية اليُسر: فلنسمي التصوف إحسانا، وتنتهي المشكلة..

وما التصوف من تعاريف الشيوخ وأعلامه؟؟

لعلى من بين التعريفات الكثير له، أوثر وأختار تعريف سيدي “أحمد زَرُّوق” رضي الله عنه..

وهو:

“التصوف”، صدق الوجه إلى الله..

إذن هناك توجه إلى الله.. وهناك صدق في هذا التوجه، بحيث لا يعترف ولا يصرفه عن الله صارف..

يقول الشيخ “أبو علي الدقَّاق”:

– أنت عبد من أنت ورقه وأسره.. وإن كنت في أسر دنياك، فأنت عبد دنياك..

وهكذا يصير صدق التوجه إلى الله حقيقيا لعبودية المخلوق، أمام ربوبية الخالق.. كما يصير تحريرا لصاحبه من الأسْر، ووضع الإصر عنه، وعتقه من كل عبودية زائفة..

لقد كان العارفون ينأون بالمؤمن عن كل عبودية لغير الله. حتى النِّعم الوافدة إليك من السماء، يريدون ألا تكون عبدا لها.. بل عبدا لواهبها وصاحبها، لمانحها ومعطيها، وهو الله وحده لا شريك له ولا معبود معه..

ويقول الشيخ “الجرير” رضي الله عنه:

عبيد “النِّعم” كثير عددهم.. وعبيد “المنعم” عزيز وجههم.. ويقولون:

ليس هناك شيء أشرف من العبودية.. ولذلك ولذاك قال ربنا سبحانه في وصف النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج :

(سبحان الذي أَسْرَى بعبدهِ ليلاً من المسجد الحرامِ إلى المسجد الأقصى)..

وقال تعالى:

(فَأوْحَى إلى عبده ما أوحَى)..

فلو كان هناك اسم أجل من العبودية لأسماه به..

إني من خلال تجربتي وقراءتي أنباء العارفين أستطيع الهتاف بحقيقة تقول:

“ألتصوف أعلى مراحل التدين”..

هذه الحقيقة لا مِرَاء فيها استخرجتها كما قلت من التجارب الأفْذَاذ ومن تجربتي..

ولئن كان أشق ما فيها قهر النفس فهو في الوقت ذاته أعذب وأجمل، وأروع و أمتع ما فيه..

صحيح أنه تحمل المصاعب، وركوب المتاعب.. وظَمأ الجواهر وسهر الليالي في غير لهو أو اشتهاء..

وكان “عند الصباح يحمد القوم السُرى”..

وكما قال الشاعر:

يغلبني شوقي فأطوي السرى *** ولم يزل ذو الشوق مغلوبا

أما كونه أعلى مراحل التدين: فلأنه أصدق استجابة لقول الله غز وجل:

(ففروا إلى الله)

وإذا كان فرار الأشقياء -الفرار من الله.. ففرار السعداء ..الفرار إلى الله..

يقول سيدنا “عبد الله بن العباس” رضي الله عنه في قوله تعالى (ففروا إلى الله): فروا منه إليه..

وهذا الفرار منه إليه. هو فرار الأولياء.. والفرار إلى الله يعني توحيده وتمجيده، لأنه يعني التخلي عن حظوظ النفس ومغريات الحيات ومضلات الفتن.

وهو أيضا أعلى مراحل التدين والعبادة، لأن فيه وعن طريقه يرث المؤمن من النبوة بعض أنوارها وأسرارها..

يرث:-

(ما زاغ البصر وما طغى.. لقد رأى من آيات ربه الكبرى)..