ذكر عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتهاده

عن علقمة رضي الله عنه قال: “سئلت عائشة رضي الله عنها: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخص شيئا من الأيام؟” قالت: “لا كان عمله دِيمة. وأيكم يطيق ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطيق؟”. أخرجاه في الصحيحين. وعن كريب أن ابن عباس رضي الله عنهما أخبره أنه بات عند خالته ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها قال: “فاضطجعتُ في عرض الوسادة واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طولها، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يمسح النوم عن وجهه بيده، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران، ثم قام إلى شَنٍّ معلقة فتوضأ منها فأحسن وضوءه، ثم قام يصلي. قال ابن عباس رضي الله عنهما: فقمت فصنعت مثل ما صنع، ثم ذهبت فقمت إلى جنبه فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني اليمنى ففتلها، فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح”. أخرجاه في الصحيحين.

وعن عبد الله بن شقيق رضي الله عنه قال: سألتُ عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من التطوع فقالت: “كان يصلي قبل الظهر أربعا في بيتي، ثم يخرج فيصلي بالناس ثم يرجع إلى بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي بالناس المغرب ثم يرجع إلى بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي بهم العشاء ثم يدخل بيتي فيصلي ركعتين، وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر، وكان يصلي ليلا طويلا قائما وليلا طويلا جالسا، فإذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو قاعد ركع وسجد وهو قاعد، وكان إذا طلع الفجر صلى ركعتين ثم يخرج فيصلي بالناس صلاة الفجر”. انفرد بإخراجه الإمام مسلم رحمه الله.

وقد اختلفت الرواية في عدد الركعات اللواتي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليهن بالليل، فقال الإمام الترمذي رحمه الله: “أقل ما روي عنه تسع ركعات، وأكثره ثلاث عشرة مع الوتر، وقد روي عنه إحدى عشرة ركعة”. قلت: وقد روى الإمام البخاري رحمه الله من حديث مسروق رحمه الله قال: سألت عائشة رضي الله عنها عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالليل: “فقالت سبع وتسع وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر”. وهذا غير ما قال الإمام الترمذي رحمه الله. وعن حميد رحمه الله قال: سئل أنس بن مالك رضي الله عنه عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فقال: “ما كنا نشاء من الليل أن نراه مصليا إلا رأيناه، وما كنا نشاء أن نراه نائما إلا رأيناه، وكان يصوم من الشهر حتى نقول لا يفطر شيئا”. أخرجاه في الصحيحين.

وعن عبد الله رضي الله عنه قال: “صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فلم يزل قائما حتى هممت بأمر سوء”. قلنا: “ما هممت؟ قال: “هممت أن أجلس وأدعه”. أخرجاه في الصحيحين.

وعن حذيفة قال: “صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة. قال: ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة. فمضى، فقلت: يركع بها. ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها يقرأ مترسلا إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلا قريبا مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبا من قيامه”. انفرد بإخراجه الإمام مسلم رحمه الله. وسورة النساء في هذا الحديث مقدمة على آل عمران، وكذلك هي في مصحف ابن مسعود.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام حتى تتفطر رجلاه”. قالت عائشة رضي الله عنها: “يا رسول الله، أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر”. قال: “يا عائشة، أفلا أكون عبدا شكورا؟”. أخرجاه في الصحيحين.

ذكر عيشه وفقره صلى الله عليه وسلم

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللهم اجعل رزق آل محمد قُوتا “. أخرجاه في الصحيحين. وعن أبي حازم رحمه الله قال: رأيت أبا هريرة رضي الله عنه يشير بأصبعه مرارا: “والذي نفس أبي هريرة بيده ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله ثلاثة أيام تباعا من خبز حِنْطة حتى فارق الدنيا”. أخرجاه في الصحيحين. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان ضجاع النبي صلى الله عليه وسلم ينام عليه بالليل من أدم مَحْشُوَّا لِيفا”. أخرجاه في الصحيحين.

وعن سماك بن حرب رحمه الله قال: سمعت النعمان بن بشير يخطب قال: ذكر عمر رضي الله عنه ما أصاب الناس من الدنيا فقال: “رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل اليوم يلتوي ما يجد دَقَلاً يملأ بطنه”. انفرد بإخراجه الإمام مسلم رحمه الله.

وعن قتادة رحمه الله قال كنا نأتي أنسا وخبازه قائم قال: فقال يوما: “كلوا فما أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رغيفا مُرَقَّقًا ولا شاة سميطا قط”. انفرد بإخراجه الإمام البخاري رحمه الله. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه مر بقوم وبين أيديهم شاة مصلية فدعوه فأبى أن يأكل وقال: “خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير”. رواه الإمام البخاري رحمه الله. وروي عن عائشة رضي الله عنها قالت: “ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعا حتى قبض”. وعن أبي حازم رحمه الله قال: “سألت سهل بن سعد فقلت له: هل أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي؟ قال سهل: ما رأى رسول الله النقي من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله. قال: فقلت: كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول؟ قال: كنا نطحنه وننفخه فيطير ما طار فما بقي ثريناه فأكلناه”.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت الليالي المتتابعة طاويا وأهله لا يجدون عشاء وكان أكثر خبزهم خبز الشعير”. رواه الإمام الترمذي رحمه الله. وعن جابر رضي الله عنه قال: “لما حفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الخندق أصابهم جهد شديد حتى ربط النبي صلى الله عليه وسلم على بطنه حجرا من الجوع”. رواه الإمام أحمد رحمه الله. وعن عروة رضي الله عنه أنه سمع عائشة رضي الله عنها تقول: كان يمر بنا هلال وهلال ما توقد في بيت من بيوت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. قال: قلت: يا خالة، فعلى أي شيء كنتم تعيشون؟ قالت: على الأسودين التمر والماء”. رواه الإمام أحمد رحمه الله.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “قبض النبي صلى الله عليه وسلم وإن درعه لمرهونة عند رجل من يهود على ثلاثين صاعا من شعير أخذها رزقا لعياله”. رواه الإمام أحمد رحمه الله. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: “ما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم قط غداء لعشاء ولا عشاء قط لغذاء، ولا اتخذ من شيء زوجين لا قميصين ولا ردائين ولا إزارين ولا من النعال، ولا رئي قط فارغا في بيته؛ إما يخصف نعلا لرجل مسكين، أو يخيط ثوبا لأرملة”. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن فاطمة عليها السلام جاءت بكسرة خبز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “ما هذه الكسرة يا فاطمة؟ قالت: “قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه الكسرة”. فقال: “أما إنه أول طعام دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيام”.

عدد غزواته وسراياه صلى الله عليه وسلم

غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعا وعشرين غزاة وقاتل منها في تسع: بدر، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف، وقيل إنه قاتل في بني النضير وفي غزاة وادي القرى منصرفه من خيبر، وقاتل في الغابة.

ذكر فصاحته صلى الله عليه وسلم

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفصح العرب، وكان يقول: “إن الله عز وجل أدبني فأحسن أدبي، ونشأت في بني سعد”، وقال: “بعثت بجوامع الكلم”. وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له: يا رسول الله! ما بالك أفصحنا؟ قال: “لأن كلام إسمعيل عليه السلام كان درس فأتى به جبريل عليه السلام فعلمنيه”. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما سمعت كلمة عربية من العرب إلا وقد سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسمعته يقول: مات حتف أنفه، وما سمعتها من عربي قبله، ومعنى هذا أن الميت على فراشه يتنفس حتى ينقضي رَمَقه “.

ومن كلامه المتقن وأمثاله العجيبة صلى الله عليه وسلم قوله: “إياكم وخضراء الدمن”، قيل له: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: “المرأة الحسناء في المنبت السوء”. وقوله: “إن مما ينبت الربيع لما يقتل حَبَطاً أو يُلِم”، والمعنى أن الماشية يَرُوقها نبت الربيع فتأكل فوق حاجتها فتهلك، والحَبَط أن تَرِم بطونها وتنتفخ، فزجر بهذا الكلام عن فضول الدنيا. وقوله: “لا ينتطح فيها عنزان ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين”، وقوله: “هُدْنة على دَخَن وجماعة على أقذاء”، وقوله: “الآن حَمِيَ الوَطِيس “، وقوله: “الناس كأسنان المشط، والمرء كثير بأخيه، ولا خير في صحبة من لا يرى لك من الحق مثل مايرى لنفسه”، وقوله في الخيل: “بطونها كنز وظهورها حِرْز، وخير المال مُهْرَة مأمورة أو سِكَّة مَأْبُورة “، وقوله للأنصار: “إنكم لتقِلُّون عند الطمع وتكثرون عند الفَزَع”، وقوله: “خير المال عين ساهرة لعين نائمة، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه”، وقوله: “حبك للشيء يُعمي ويُصِِم، وكل الصيد في جَوْف الفَرَا ، جُبِلت القلوب على حب من أحسن إليها، والبلاء موكل بالمنطق، الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، ما نحل والد ولدا أفضل من أدب حسن، زر غِبًّا تزدد حبا، الصمت حُكْم وقليل فاعله، الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر، إنما الأعمال بالنيات، نية المؤمن أبلغ من عمله، إنكم لن تَسَعُوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم، الخلق السيِّئ يفسد العمل كما يفسد الخل العسل، المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور، ليس الخبر كالمعاينة، لا حليم إلا ذو أناة ولا حكيم إلا ذو تجربة، الحرب خُدعة، يا خيل الله اركبي، إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، إن المُنْبَتَّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، من يشاد هذا الدين يغلبه، المؤمن مرآة المؤمن، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، ما قل وكفى خير مما كثر وألهى، من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، تنكح المرأة لمالها ولجمالها ودينها وحَسَبها فعليك بذات الدِّين تَرِبتْ يداك، الشتاء ربيع المؤمن قصر نهاره فصامه وطال ليله فقامه، ليس الشديد الذي يغلب الناس ولكن الشديد الذي يغلب نفسه، من ضمن لي ما بين لِحْيَيه ورجليه ضمنت له الجنة، اليد العليا خير من اليد السفلى، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى وابدأ بمن تعول، أفضل الصدقة جهد من مُقِلٍّ، كلمة الحكمة ضالة كل حكيم، القناعة مال لا ينفَد، استغنوا عن الناس ولو بشوص السواك، الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة والتودد إلى الناس نصف العقل وحسن السؤال نصف العلم، المؤمن من أمنه الناس والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع، أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك، لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له، حسن العهد من الإيمان، جمال الرجل فصاحة لسانه، منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا، لا فقر أشد من الجهل ولا مال أعود من العقل ولا وحشة أشد من العجب، الذنب لا ينسى والبر لا يبلى والديان لا يموت فكن كما شئت كما تدين تدان، الظلم ظلمات يوم القيامة، ما جمع شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم، التمسوا الرزق في خبايا الأرض، كن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل وعُدَّ نفسك من أهل القبور، العفو لا يزيد العبد إلا عزا والتواضع لا يزيده إلا رفعة، ما نقص مال من صدقة، صنائع المعروف تقي مصارع السوء، صلة الرحم تزيد في العمر، اللهم إني أسألك واقية كواقية الوليد، اللهم إني أعوذ بك من شر فتنة الغنى وشر فتنة الفقر، الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قادر فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا فإن كل أم يتبعها ولدها، أخسر الناس صفقة من أذهب آخرته بدنيا غيره، المجالس بالأمانة، إياكم والطمع فإنه فقر حاضر، استعينوا على نجاح الحوائج بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود، إن من كنوز البر كتمان المصائب، الدال على الخير كفاعله، نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ، الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة، ليس شيء أفضل من ألف مثله إلا الإنسان، اليمين حِنْث أو ندم، لا تظهر الشماتة لأخيك فيعافيه الله ويبتليك، اليوم الرهان وغدا السباق والغاية الجنة والهالك من دخل النار”.

قلت: ولو ذهبنا نذكر من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم العجيب الوجيز البليغ لطال، إذ كل كلامه يتضمن حكما، وكذلك لو ذهبنا نستقصي آدابه وأخلاقه وأحواله لجاءت مجلدات، وإنما اقتطفنا من كل فن قِطْفا، وأشرنا إلى جملة برمز، لأن مثل كتابنا هذا لا يتسع للبسط.