و تحديثا بنعم الله تعالى ، أذكر أن الله المنعم الوهاب منحني صوتا رخيما، عذبا نديا.. كنت أجيد به تقليد “الشيخ محمد رفعت” في تجويد القرآن الكريم.. وأقلد به “محمد عبد الوهاب” في أغانيه وتواشيحه..

أما اليوم، فقد كان مسخرا للقرآن الكريم والأذان وحدهما..

كان يخيل إلي وأنا أؤذن أن سيدنا بلالا بكل ما أوتي صوته من نداوة وحلاوة، هو الذي يؤذن..

وكان شيوخنا في الجمعية وإخواننا يحبون هذا الأذان ويطرونه ويتمنون سماعه.. وذات مساء أذنت لصلاة العشاء .. ولم يكن هناك من شيوخنا من يؤم المصلين فقدموني لأكون الإمام.. وتلوت بعد الفاتحة إحدى السور الطوال.. وبكيت كثيرا، وأنا أرتل آياتها المبشرة والمنذرة..

ورأيت في منامي تلك الليلة رؤيا عجيبة.

رأيت أن سيدنا “جبريل” عليه السلام يحملني رسالة إلى رسول الله قائلا:

اذهب إلى رسول الله، وقل له: إذا أردت ألا تنسى.. فاعمل بما تعلم..

أيامئذ كنت أشكو من النسيان، وضعف الذاكرة..

وإذن، هذه الرؤيا ذات موضوع.. وتجيء في أوانها تماما معلمة ومرشدة..

بيد أن الأمر لم يقف عند الرؤيا، بل جاوزها إلى مشهد لا يقل عجبا..

ذلك أنني كنت في صلاة الفجر على موعد كل يوم مع القرآن العظيم أتلو ما تيسر، ثم على موعد مع أحاديث الرسول الكريم صلى الله عيه وسلم، أطالع منها وأعي عنها.. وفي ذلك الصباح، فتحت كتاب “تيسير الوصول إلى جامع الأصول من أحاديث الرسول”، وعفو الصدفة وقبل أن ألتقي بالباب الذي أريده وقع بصري على حديث يرويه أحد الصحابة:

“من عمل بما علم، ورثه الله علم ما لم يكن يعلم”.

ما شاء الله كان..

في نومي أرى “جبريل” عليه السلام.. وكأنه يقول لي.. لكي لا تنسى: اعمل بما تعلم.. ويجئ الدرس في أعلى مستويات الإبانة والبلاغ..

وفي يقظتي: يقول لي حديث الرسول صلى الله عله وسلم: اعلم بما تعلم يورثك الله علم ما لم تعلم..

ومع أني كنت أيامئذ شغوفا بالعمل الصالح، فقد التقى الحديث والرؤيا على أمر قد قدر.. وهو النصح بالمزيد من العمل..

لست أذكر هذا خيلاء، ولا زهوا.. إنما لتكن تجربتي بين يدي القارئ،وتحت بصره كي يعلم أننا حين نمشي إلى الله ذراعا، يمشي إلينا باعا.. وحين نأتيه نمشي، يأتينا هرولة..

ودعوني ألا أنسى هذه الواقعة الوضيئة، لقد كان الشيخ الإمام “محمود خطاب السبكي” عالما ومربيا..

ومعنى “المربي”- في عالم التصوف  الذي له من المقامات والأحوال ما يجعله بولايته قادرا على الأخذ بأيدي المريدين إلى الله ومراقبة أحوالهم وخطاهم..

أما نجله وخليفته الشيخ “أمين” فقد كان عالما وداعيا إلى الله.. وقائدا للأشياع والأتباع في هذا المجال من التخصص.. بينما “المربي” شيخ استكمل صفات القيادة في الطريق وفي الدعوة.. في الشريعة الحقيقية..

يقول الإمام القشيري:

“يجب على المريد إن يتأدب بشيخ فإن لم يكن له شيخ فهيهات أن يكون له في الطريق فلاح”..!!

والشيخ المربي “مجتبي” و”سالك” وتلك حكمة الله سبحانه..

يقول الإمام المفسر “الرازي”:

“لابد للشيخ المربي أن يكون قد سلك الطريق، وعرف مراحلها ومنازلها وأطلع على متالفها ومعاطبها، حتى يمكنه إرشاد الغير إلى سواء السبيل”..

وكل هذا وفق الكتاب والسنة، ولا يزيغ عنهما ولا يستَعلي عليهما.. المريد السعيد المحظوظ الموفق، هو من يرزق صحبة شيخ من هذا الطراز.

ومن ثم يقول الإمام “الجُنَيد” موجِّها المريد وناصحه:

– “زن أقواله  أي الشيخ- وأفعاله بميزان الشريعة، فإن رأيت منه شيئا مخالفا للشرع فاتركه ولا تتخذه مرشدا”..

ويقول الإمام “ابن عطاء الله السكندري”:

“ليس شيخك من وجهتك عبارته.. إنما هو من سرت فيك إشارته”..

“وليس شيخك من وجهك مقاله.. وإنما من نهض بك حاله”.

“وليس شيخك من دعاك إلى الباب.. وإنما هو من كشف عنك الحِجَاب”..

شيخك هو الذي مازال يجلو مرآة قلبك، حتى تتجلى فيها أنوار ربِّك.. أنهضك فنهضت.. وقادك إلى نور الحضرة، وقال لك: هاأنتذا، وربك..!!

لقد أفضت في الحديث عن منزلة الشيخ المربي في التصوف..

فهل أعود إلى المناسبة التي جمعتنا بهذا الحديث؟؟

في تلك الأيام كان قلبي يطير شوقا إلى شيخ يربِّيني على منهج القوم، ويرعى مسلكي ورحلتي إلى الله العلي الكبير المتعال..

وذات يوم من أيام الأجازة الصيفية وكنت أقضيها بقريتي.. آويت إلى غرفتي بالدور العلوي من منزلنا وإني لأتهيأ لنوم القَيْلُولَة.. حين سبحت خواطري حول الشيخ “المربي” الذي أتمناه وأطلع إلى لقياه.. وانثال الدمع من عيني انثيالا متداركا.. واحتواني مضجعي بنوم عميق..

إذا بي أرى في منامي شيخا وقورا مشرق الوجه والروح، يقول لي:

– “هوه.. لا تخف.. أولياء الله كلهم معك”..!!

واستيقظت نشوان محبورا.. وكأن ملك الدنيا كلها بين يدي.. ورهن مشيئتي..

وكذلك كنت دائما طوال فترة تصوفي ونسكي.. وكانت الدنيا عندي لا تساوي جناح بعوضة.. وكانت القناعة كنز لا يفنى.. والزهد حديقتي وبستاني..

ذات يوم بعد زواجي جلست وإياها في صالة الشقة، تهب علينا من سقفها الفضاء نسمات عذبة رطبة منعشة، ونحن نتناول طعام الغذاء..

مم كان يتكون؟؟

من قطعة جبن بيضاء بعشرة مليمات وخيار ندي طازج بعشر مليمات وخبز أبيض نظيف..

وبجوارنا “قلة ماء” بارد.. وأنا في سعادة لو علمها المثرون والمترفون لحسدوني عليها.. وأقسم، لقد طاف بي في هذه اللحظات خاطر يتساءل: ترى لو أعطيت ملك الأرض، وألبست تاجها على أن تتخلى عن السعادة التي تجدها الآن  أكنت فاعلا؟؟

ووجدتني أهز رأسي بقوة رافضة، داحضاً هذا الخاطر، ورادا إياه على عقبيه، صارخا فيه: لا.. لا.. لا.. !!

ألست محقاً حين أذكر تلك الأيام، فأناديها  “ليتها دامت”؟؟..

لبثت في هذا الفردوس سبع سنوات، إلا قليلا.

أحيا في درجات متفاوتة من القبول والتفوق وغبطة الروح واستقامة الضمير.. كنا على الطريق معا  أنا.. والشيخ سيد سابق.. والشيخ عبد اللطيف مشتهري.. والشيخ فرحات حلوة.. والمرحوم الشيخ عبد العزيز عيسى.. والمرحوم الشيخ عبد الباسط عبد الرحمن.. والمرحوم الشيخ أحمد عيسى عاشور..والمرحوم الشيخ محمود العفيفي.. والشيخ محمد مسعود.. والمرحوم الشيخ محمود العطفى.. والشيخ محمود فايد.. وآخرون من الإخوان والصحاب..

أما شيوخنا في الجمعية، فكانوا: فضيلة الإمام “أمين خطاب السبكي”، والمرحوم الشيخ “درويش الجعبري”.. والمرحوم الشيخ “علي حلوة”.. والمرحوم الشيخ “قطب هلال” والمرحوم الشيخ “عبد الله العفيفي”.. والمرحوم الشيخ “محمد القليقلي”.. وآخرون معهم رضي الله عنهم أجمعين..

أما باقي الإخوان من أبناء الجمعية، فكنت إذا أبصرت بهم تحسبهم ملائكة في أزياء البشر..!!

وكما قلت: لبثت في ضلال هذا النعيم الروحي الوافر سنين عددا. حتى باغتني تحول عجيب..

وبادئ ذي بدء أقرر ليس في حياة الناس ما يستحيل تفسيره مهما يتلفع بالغموض والاستبهام.. وقد يصعب عليك تفسير حدث أو موقف يمر بك، ولكن يكون عند غيرك تفسيره، وفض مغاليقه.. وما حدث لي، أملك الكثير من معرفة أسبابه وبالتالي من تفسيره..

ولكن فوق كل ذي علم عليم.. ومن ثم أحسب أن هناك من يمتلك المزيد من المعرفة والتفسير.. وهنا تستبين قيمة كتابة المذكرات أو الذكريات لكل من يكون في حياته ما يقال.. فعند القراء والنقاد ما يثري أي مذكرات، ويزيد من فرص الانتفاع بها واستنباط أسرارها..

.. وقديما قال “سقراط”:

“ليس من الضروري أن يعني الشاعر ما يقول،وأن يسبر أغواره ويعرف أسراره.. بل إن كثيرين من الشعراء يعرفون من شعرهم ظاهره.. تاركين بواطنه ومكامنه للأذكياء من القراء، والحاذقين من النفاد الذين يدركون من معانيه ومراميه مالا يدرك الشعراء أنفسهم”

نعم  وكذالك المذكرات والذكريات هذه كلمات أخطها بين يدي حديثي عن التحول الهائل الذي نقلني من حال إلى حال..

فلقد جاء اليوم الذي غادرت فيه التصوف بشعائره، وشكله الخارجي.. ولكن بقي معي وسيظل معي إن شاء الله تعالى جوهره ومضمونه ونبضه وقيمه..

فالشجاعة في الحق.. والقناعة.. والزهد.. الصدق.. والتوكل على الله والتوقف على هواتف الزيف والباطل.

كل هذه ومثلها معها، أفاءها علي التصوف وزودني بها..

(يتبع)