ما إن وضعت الحرب العسكرية التي دارت رحاها في الجنوب اللبناني أوزارها، حتى تتابعت التداعيات والمخلفات، وأخذ كل من موقعه يجني راضيا أو مكرها نتائج الحرب التي عصفت بكل الحسابات والتوقعات محاولا استثمار الإيجابي منها، وتقليل مضاعفات السلبي.

فإذا كانت المواجهات العسكرية قد توقفت بالاتفاق على وقف العمليات العسكرية بين لبنان والكيان الصهيوني، فإن المواجهات والمعارك السياسية والاستراتيجية قد اندلعت وتتصاعد بوتيرة متنامية، ذلك لأن انتصار المقاومة الإسلامية على الجيش الصهيوني الغاصب خلط كل الأوراق، وأعاد طرح العديد من الملفات بشكل مختلف، وبعثر أولويات أجندة الساسة سواء في تل أبيب المحتلة وواشنطن وباقي العواصم الحليفة، أو في بيروت وطهران وباقي العواصم العربية والإسلامية، وكذا العواصم الممانعة للسياسة الأمريكية .

صفعة قدر هي إذن، جاءت على أيدي مقاتلي “حزب الله”.

أعتقد أن هذه الحرب التي ألقت بكلكلها وثقل حصيلتها على كل المستويات الاستراتيجية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والعمرانية، هي أيضا حلقة جد مهمة في المسلسل التاريخي للصراع في المنطقة، ولا شك ستلقي بظلالها على تطورات الأحداث التاريخية في الوطن العربي الإسلامي لدفعه في اتجاه تحول تاريخي حضاري متميز.

لا يصح أن نحمل الانتصار الظرفي للمقاومة أكثر مما يحتمل، فنكون بذلك قد جانبنا الصواب. ولكن ينبغي أن ننزله المكان اللائق به في إطار السيرورة الصراعية التاريخية بين الاستكبار العالمي الذي تقوده اليوم الإدارة الأمريكية وغريمتها “إسرائيل” من جهة، والأمة العربية الإسلامية المستضعفة بقيادة الحركة الإسلامية المقاومة من جهة أخرى.

انتصار المقاومة انتصار للإسلام

لم يكن لهذا الانتصار أن يأخذ كل هذا الصدى وهذا الأثر، لولا عناصر ثلاثة ساهمت في صناعة الحدث بشكل كبير:

1-السياق التاريخي العام الذي تمر منها النهضة الإسلامية المتمثلة في البروز القوي للحركة الإسلامية في السنوات الأخيرة بدءا من:

ا- الصعود القوي للجمهورية الإسلامية الإيرانية: التي قررت أن تكسر حواجز الحصار، وتفرض نفسها قوة عظمى في المنطقة بسعيها لامتلاك القوة الاستراتيجية الرادعة سواء تعلق الأمر بالسلاح النووي، أو بالتلويح باستعمال سلاح البترول إن اقتضى الحال، وكذا دعمها لهلال الممانعة الممتد على طول المسافة الفاصلة والمحيطة بالكيان الصهيوني. في العراق وسوريا وفلسطين وجنوب لبنان..

ب-فوز حركة المقاومة الإسلامية “حماس” بالأغلبية في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة، وتشكيلها للحكومة لأول مرة في التاريخ.

ج- فوز لائحة” الإخوان المسلمين” ب88 مقعد في الانتخابات البرلمانية الأخيرة بمصر، وكذا الأردن.

د- التصاعد القوي لحضور الحركة الإسلامية في العديد من الدول العربية والإسلامية .

إضافة إلى تصاعد المد المعادي للسياسة الأميركية الخارجية سواء في أمريكا اللاتينية التي أعلنت عن مواقف إيجابية من حركة المقاومة الإسلامية، والمواقف الفينيزويلية من القضية الفلسطينية ومن الحرب الأخيرة واضحة في هذا الشأن.

2-عنصر المفاجأة: يتفاوت حضور هذا العنصر في المعادلة بين “حزب الله” الذي أخذ مبادرة عملية الوعد الصادق وبين باقي الأطراف، ولكن في جميع الحالات عنصر المفاجأة كان حاسما في إدارة المعركة، وفي صياغة ردود الفعل المحلية والإقليمية والعالمية.

كانت كل التوقعات تتحدث عن احتمال وقوع هجوم صهيوني على حزب الله، ولقد تحدثت نيويورك تايمز على أن القوات الصهيونية كانت تعد عمليا منذ أشهر لشن حملة عسكرية في إطار مخطط مسبق مع أمريكا لنزع سلاح حزب الله وإبعاده عن الجنوب، مستغلة الوضع المحلي المتمثل في ضغط قوى “14 آذار” على حزب الله لنزع سلاحه تنفيذا للقرار الأممي 1559، وانسحاب الجيش السوري من لبنان طبقا لنفس القرار، وكذا تحريك الولايات المتحدة بشكل قوي وجدي للملف النووي، هذا في الوقت الذي تولى فيه الكيان الصهيوني مهمة التصدي لحماس وحكومتها. مخطط متناسق العناصر هدفه إعادة رسم الخريطة وفق مخطط الشرق الأوسط الكبير.

لم يكن أحد ينتظر من “حزب الله “في هذه الظروف العصيبة أن يقوم بعمليته، وأعتقد أن حتى “حزب الله” نفسه قد فوجئ، لا بالعملية في حد ذاتها، بل بحجم الخسائر البشرية الكبيرة التي كبدها كوموندو المقاومة لجيش العدو الصهيوني: ثماني قتلى و16 جريحا واثنين من الأسرى، وقد بدت المفاجأة واضحة في طيات كلام الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في خطابه الأول بالمناسبة. على كل حال الحرب المرغوبة من الصهاينة فرضت عليهم بغتة، فكانت الضربة الاستباقية من حزب الله في غير الصالح الصهيوني.

عنصر المفاجأة هذا أسقط القناع عن العديد من الحقائق الزائفة؛ التي انكشفت أمام شعوب المعمور، وفي مقدمتها الشعوب العربية والإسلامية، وافتضحت العديد من الأوهام.

عنصر المفاجأة لم يتمثل فقط في الظرف الزمني، بل تعداه إلى توقعات نتائج الحرب، فلا “إسرائيل ” لا أمريكا ولا مجلس الأمن ولا الشارع السياسي اللبناني ولا القادة العرب حسبوها صح، أو على الأقل هم جانبوا الصواب في اعتماد معايير حقيقية لقراءة الوضع واحتمالات تطوراته.لدى لاحظنا كيف تسرع اليهود مرغمين في شن” الحرب المفتوحة” بقرار عاجل، و لاحظنا موقف قوى “14 آذار” التي لم تتوانى في تحميل حزب الله مسؤولية ما ستسفر عنه الحرب من دمار، وفي ذلك تلميح واضح لأمريكا وغريمتها لتحقق بالسلاح ما عجزوا عن القيام به على طاولة الحوار الوطني، وهو نزع سلاح المقاومة. ورأينا الانبطاح والتخاذل العربي الرسمي المتجلي في مواقف مصر والسعودية والأردن الذين تحدثوا عن “المغامرة الغير المحسوبة” في تناغم كامل مع السياسة الأميركية الصهيونية.

3-اختلال موازين القوى المادية: صمود المقاومة وثباتها في الميدان على جبهة القتال كذبا كل حسابات الخبرة العسكرية والسياسية العالمية، فالموازين العسكرية سواء على مستوى العتاد والذخيرة أو على المستوى التقني واللوجستيكي كانت لصالح الجيش الصهيوني، لاسيما الأسطول الجوي الذي كان يعول عليه أن يحسم المعركة في الأيام الثلاثة الأولى، كما أن العزلة السياسية التي أحيط بها حزب الله داخليا وخارجيا، وما شكله من ضغوطات دبلوماسية شديدة كانت ترجح انتصار العدو. لكن الذي حصل هو أن الموازين المادية اختلت وتعطلت، وكانت الكلمة الفصل لميزان الإرادة الذي يرجح مقاتلي حزب الله الاستشهادي العقيدة، المدافع عن كرامة وشرف أمته، والمنافح عن عرضه وأرضه، على من هو غاصب ظالم حريص على حياة أية حياة.

بعيدا عن العراك الإيديولوجي والنقاش البيزنطي وفلسفة التحليلات الجدالية التي تتباين في أطروحاتها على طرفي النقيض حول المنتصر والمنهزم، والتي أنتجت لنا مجموعة من التسميات الجديدة كالانتصار التكتيكي والانهزام الاستراتيجي وهلم جرا، أعتقد أن حزب الله خرج منتصرا عسكريا بشهادة القادة والكتاب والصحفيين الصهاينة أنفسهم، إذ أن القرار 1701 لم يفرض لفظا نزع سلاح حزب الله، وأعاد طرح قضية مزارع شبعا بشكل جدي على طاولة مجلس الأمن، وقوى حضور “حزب الله” في الجنوب كما في الشارع السياسي اللبناني، والأسرى لن يطلق سراحهم إلا في إطار شروط حزب الله. لكن المعركة لم تنته بعد، ولازالت جولاتها السياسية والدبلوماسية دائرة، فعلى حزب الله أن يتسلح بحكمته السياسية الدائمة في المرحلة المقبلة التي تبدو أنها حبلى بالمفاجآت.

حتمية الانتصار

قيل الكثير عن الحرب وتداعياتها وسياقاتها وآليتها ويقال، لكن السؤال المحوري الذي يحاول الكثيرون طمسه، هو : كيف انقلبت الموازين لصالح حزب الله وهو الأضعف عدة وعتادا؟ ما سر انتصار المقاومة في حرب غير متكافئة؟ سؤال يدفعنا للإجابة عن سؤال طرحه أحد الكتاب العرب المعروفين على صفحات جريدة الشرق الأوسط إبان الانسحاب “الإسرائيلي” من جنوب لبنان سنة 2000، معنونا به مقاله، قائلا : “هل يمكننا الانتصار؟”

أعتقد أن الحرب السادسة هته لم تجب عن السؤال لتقول “نعم، يمكننا الانتصار” فحسب، بل تجاوزت ذلك إلى المساهمة الجادة في تقريب الأمة الإسلامية خطوات مهمة نحو تحقيق الانتصار التاريخي عمليا.

إذا كنا نقصد بالانتصار هو النجاح في تحقيق نتائج إيجابية في مضمار التنافس أو الصراع مع الآخر، فإن الحرب السادسة في سياقها الذي ذكرنا به في بداية المقال ، نجحت إلى حد معتبر في المساهمة في إيقاظ الأمة من سباتها القروني العميق، ورب نقمة في طياتها نعمة، فمشاهد الدمار والتقتيل التي طالت الشعب اللبناني البطل، رحم الله الشهداء، لا شك تساهم في إيقاظ أمة يسعى الاستكبار العالمي وأذنابه أن يِؤبد سلبيتها وغثائيتها. نجحت الحرب كذلك في إسقاط وهم القوة التي لا تقهر، ووهم الهزيمة المؤبدة، نجحت في بيانها للأمة أن الأمر عقبة تقتحم، ونجحت فعلا في بت الأمل من جديد في قلوب ملئت يأسا وقنوطا.

في جملة، هذا الانتصار يفتل في حبل ظهور الإسلام ونهضته وقومته.

أقف ختاما على بعض الدروس العملية والقواعد الذهبية الأصيلة في فقه التغيير والتدافع في المنهاج النبوي، والتي سجلت بمداد الفخر في هذه الحرب.

1-العامل الذاتي حاسم في معركة التغيير، فالرجل قبل البندقية ومع البندقية وبعدها، فمتى كان المجاهد مؤمنا قويا، واثقا في نصر الله، مريدا وجه ربه، مقبلا على الشهادة يبتغيها، راغبا عن الدنيا وشهواتها الفانية، شعار حياته إقامة العدل والإحسان في الأرض كما أمر الله، استحق النصر من الله، (وما النصر إلا من عند الله). فما هزم الصحابة من قلة، ولا انتصروا بكثير عدة وعتاد، والشواهد من السيرة والتاريخ الإسلامي أكثر من أن تحصى وتعد.

فتربية الرجال هي بداية الطريق، وهي أولا ووسطا وأخيرا. فالتربية الإيمانية الإحسانية الجهادية المتوازنة هي سر قوتنا وأساس عدتنا وعتادنا الذي لا يقهر.

2-امتلاك القوة المادية وحسن التدبير والتنظيم والتسيير شرط للتأثير في المحيط بله تغييره، فمع القلب المنور بالصحبة والذكر، والهمة العالية والإرادة المتقدة لابد من القوة لترجمة المشروع واقعا.

3- الفهم الصحيح للتاريخ والواقع شرط لاستشراف المستقبل، وهذا يستلزم منهاجا واضحا للتغيير يحدد مهمات جند الله بدقة، ويرتب الأولويات، ويصف العقبات وكيفية اقتحامها، والأهداف وكيفية بلوغها، والتربية وكيفية تدبيرها، والنواظم وكيفية إدارتها. بعد استكمال شروط الإيمان والفهم والأخذ بالأسباب، نكون قد أعددنا آنيتنا لاستقبال تأييد الله بالغيب لعباده المجاهدين.( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى).

4- معركتنا الحاسمة مع الصهاينة المعتدين قدر محتوم، والانتصار فيها موعود رباني لا يخلف، وبشرى نبوية صادقة. بشرى الخلافة الراشدة على منهاج النبوة ووعد الله بالنصر والتمكين، تضع على عاتق الأمة سنة وشيعة منفصلين وملتحمين- ودون ذلك جهاد آخر ينبري له علماء الأمة إن شاء الله لجمع الشتات وتوحيد الصف- مسؤولية تعبئة كل الجهود والقوى لرفع بنيان دولة القرآن، دولة الخلافة على منهاج النبوة القوية بربها وبرجالها وبنموذجها الناجح، وبامتلاكها لأسباب القوة والمنعة ودون ذلك جهاد ونية.