بيان مراتب الناس في طول الأمل وقصره

اعلم أن الناس في ذلك يتفاوتون، فمنهم من يأمل البقاء ويشتهي ذلك أبدا. قال الله تعالى: (يود أحدهم لو يعمر ألف سنة) .

ومنهم من يأمل البقاء إلى الهَرَمِ، وهو أقصى العمر الذي شاهده ورآه، وهو الذي يحبّ الدنيا حبّا شديدا. في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “قلب الشيخ شابّ على حبّ اثنتين؛ طول الحياة، وحب المال”.

ومنهم من يأمل إلى سَنَة فلا يشتغل بتدبير ما وراءها، فلا يقدر لنفسه وجودا في عام قابل، ولكن هذا يستعد في الصيف للشتاء، وفي الشتاء للصيف، فإذا جمع ما يكفيه لسنته اشتغل بالعبادة.

ومنهم من يأمل مدة الصيف أو الشتاء، فلا يدّخر في الصيف ثياب الشتاء، ولا في الشتاء ثياب الصيف.

ومنهم من يرجع أمله إلى يوم وليلة، فلا يستعد إلا لنهاره، وأما للغد فلا. قال عيسى عليه السلام: “لا تهتموا برزق غد فإن يكن غد من آجالكم فستأتي فيه أرزاقكم مع آجالكم، وإن لم يكن من آجالكم فلا تهتموا لآجال غيركم”.

ومنهم من لا يجاوز أملُه ساعة كما قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: “إذا أصبحتَ فلا تُحَدِّثْ نفسك بالمساء، وإذا أمسيتَ فلا تحدِّثْ نفسك بالصباح”. رواه البخاري رحمه الله.

ومنهم من لا يقدر البقاء أيضا ساعة. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيمم مع القدرة على الماء قبل مضي ساعة، ويقول: “لعلي لا أبلغه” .

ومنهم من يكون الموت نُصْبَ عينيه كأنه واقع به فهو ينتظره، وهذا الإنسان هو الذي يصلي صلاة مُوَدِّع، وفيه ورد ما نقل عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه لما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حقيقة إيمانه فقال: “ما خطوتُ خُطْوة إلا ظننت أنّي لا أُتبِعُها أخرى”. أخرجه أبو نعيم رحمه الله في الحلية من حديث أنس رضي الله عنه.

وكما نقل عن الأسود رحمه الله -وهو حبشي- أنه كان يصلي ليلا ويلتفت يمينا وشمالا، فقال له قائل: ما هذا؟ قال: أنظر مَلَكَ الموت من أي جهة يأتيني.

فهذه مراتب الناس، ولكل درجات عند الله، وليس مَنْ أملُه مقصور على شهر كمن أمله شهر ويوم، بل بينهما تفاوت في الدرجة عند الله، فإن الله لا يظلم مثقال ذرة: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) .

ثم يظهر أثرُ قِصَرِ الأمل في المبادرة إلى العمل، وكل إنسان يدعي أنه قصير الأمل وهو كاذب إنما يظهر ذلك بأعماله، فإنه يعتني بأسباب ربما لا يحتاج إليها في سنة، فيدل ذلك على طول أمله.

وإنما علامة التوفيق أن يكون الموت نصب العين لا يغفل عنه ساعة، فليستعد للموت الذي يرد عليه في الوقت، فإن عاش إلى المساء شكر الله تعالى على طاعته، وفرح بأنه لم يضيع نهاره بل استوفى منه حظّه وادّخره لنفسه، ثم يستأنف مثله إلى الصباح، وهكذا إذا أصبح.

ولا يَتَيَسَّرُ هذا إلا لمن فرَّغ القلب عن الغد وما يكون فيه، فمثل هذا إذا مات سَعِدَ وغَنِمَ، وإن عاش سُرَّ بحسن الاستعداد ولذّة المناجاة، فالموت له سعادة، والحياة له مزيد.

فليكن الموت على بالك يا مسكين، فإن السير حاثّ بك، وأنت غافل عن نفسك، ولعلك قد قاربت المنزل، وقطعت المسافة، ولا تكون كذلك إلا بمبادرة العمل اغتناما لكل نَفَسٍ أُمْهِلْتَ فيه.

بيان المبادرة إلى العمل وحذر آفة التأخير

اعلم أن من له أخوان غائبان وينتظر قدوم أحدهما في غد، وينتظر قدوم الآخر بعد شهر أو سنة، فلا يستعد للذي يقدم إلى شهر أو سنة، وإنما يستعد للذي ينتظر قدومه غدا. فالاستعداد نتيجة قرب الانتظار، فمن انتظر مجيء الموت بعد سنة اشتغل قلبه بالمدة ونسي ما وراء المدة، ثم يصبح كل يوم وهو منتظر للسنة بكمالها لا ينقص منها اليوم الذي مضى، وذلك يمنعه من مبادرة العمل أبدا يرى لنفسه متسعا في تلك السنة، فيؤخر العمل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما ينتظر أحدكم من الدنيا إلا غنًى مُطْغيا، أو فَقْرا مُنْسِيا، أو مرضا مُفْسِدا، أو هَرَما مُقَيِّدا، أو موتا مُجْهزا، أو الدجَّال فالدجال شرُّ غائب يُنْتَظر، أو الساعة ( والساعة أدهى وأمر) “. أخرجه الترمذي رحمه الله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال: حسن.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: “اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك”. أخرجه ابن أبي الدنيا رحمه الله بإسناد حسن.

وقال صلى الله عليه وسلم: “نعمتان مَغْبُون فيهما كثير من الناس: الصّحة والفراغ”. أخرجه البخاري رحمه الله من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. أي أنه لا يغتنمهما ثم يعرف قدرهما عند زوالهما.

وقال صلى الله عليه وسلم: “من خاف أَدْلَج، ومن أدلج بلغ المنزل. ألا إن سلعة الله غالية! ألا أن سلعة الله الجنة!”. أخرجه الترمذي رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وقال صلى الله عليه وسلم: “جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، وجاء الموت بما فيه”. أخرجه الترمذي رحمه الله عن أبي بن كعب رضي الله عنه.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أَنِسَ من أصحابه غفلة أو غِرَّةً نادى فيهم بصوت رفيع: “أتتكم المَنِيَّةُ راتبة لازمة إما بشقاوة وإما بسعادة”. أخرجه ابن أبي الدنيا رحمه الله عن زيد السليمي رضي الله عنه مرسلا.

وقال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنا النذير والموت المغير، والساعة الموعد”. أخرجه ابن أبي الدنيا رحمه الله.

وقال ابن عمر رضي الله عنهما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والشمس على أطراف السَّعَف ، فقال: “ما بقي من الدنيا إلا كما بقي من يومنا هذا في مثل ما مضى منه”. أخرجه ابن أبي الدنيا والترمذي رحمهما الله بإسناد حسن.

وقال صلى الله عليه وسلم: “مثل الدنيا كمثل ثوب شُق من أوله إلى آخره، فبقي متعلقا بخيط في آخره، فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع”. أخرجه ابن أبي الدنيا رحمه الله عن أنس رضي الله عنه.

وقال جابر رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب فذكر الساعة رفع صوته واحمرت وجنتاه كأنه مُنْذِر جيش يقول صبحتكم ومسيتكم: “بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين”. وقرن بين أصبعيه. أخرجه مسلم وابن أبي الدنيا رحمهما الله.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام) ، فقال: “إن النور إذا دخل الصدر انفسح”، فقيل: يا رسول الله، هل لذلك من علامة تعرف؟ قال: “نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل نزوله”. رواه الحاكم رحمه الله في المستدرك.

وقال السدي رحمه الله: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا) ، أي: أيكم أكثر للموت ذكرا، وأحسن له استعدادا، وأشدّ منه خوفا وحذرا.

وقال حذيفة رضي الله عنه: “ما من صباح ولا مساء إلا ومناد ينادي: أيها الناس، الرحيل الرحيل!” وتصديق ذلك قوله تعالى: (إنها لأحدى الكبر نذيرا للبشر لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر) في الموت.

وقال سحيم رحمه الله مولى بني تميم: جلست إلى عامر بن عبد الله وهو يصلي فأوجز في صلاته، ثم أقبل علي فقال: أرحني بحاجتك فإني أبادر . قلت: وما تبادر؟ قال: ملك الموت رحمك الله، قال: فقمت عنه وقام إلى صلاته.

ومَرَّ داود الطائي رحمه الله فسأله رجل عن حديث فقال: دعني، إنما أبادر خروج نفسي.

قال عمر رضي الله عنه: التُّؤَدَة في كل شيء خير إلا في أعمال الخير للآخرة.

وقال المنذر رحمه الله: سمعت مالك بن دينار رحمه الله يقول لنفسه: ويحك! بادري قبل أن يأتيك الأمر، ويحك! بادري قبل أن يأتيك الأمر. حتى كرر ذلك ستين مرة أسمعه ولا يراني.

وكان الحسن رحمه الله يقول في موعظته: المبادرة المبادرة! فإنما هي الأنفاس لو حُبِسَت انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله عز وجل، رحم الله امْرَأً نظر إلى نفسه وبكى على عدد ذنوبه، ثم قرأ هذه الآية: (إنما نعد لهم عدا) .يعني الأنفاس؛ آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخولك في قبرك.

واجتهد أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قبل موته اجتهادا شديدا، فقيل له: لو أمسكت أو رفقت بنفسك بعض الرفق، فقال: إنّ الخَيْلَ إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها أخرجت جميع ما عندها، والذي بقي من أجلي أقل من ذلك. قال: فلم يزل على ذلك حتى مات. وكان يقول لامرأته: شُدِّي رحلك فليس على جهنم معبرة.

وقال بعض الخلفاء على منبره: “عباد الله، اتقوا الله ما استطعتم وكونوا قوما صِيحَ بهم فانتبهوا، وعلموا أن الدنيا ليست لهم بدار، فاستبدلوا واستعدوا للموت فقد أظلكم، وترحلوا فقد جَدَّ بكم، وإن غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة لجديرة بقصر المدة، وإن غائبا يجِدُّ به الجديدان الليل والنهار لَحَرِيٌّ بسرعة الأوْبَة، وإن قادما يَحُلُّ بالفوز أو الشقوة لمستحق لأفضل العدة، فالتقى عند ربه من نصح نفسه، وقدم توبته، وغلب شهوته، فإن أجَلَهُ مستور عنه، وأملُه خادع له، والشيطانُ موكَّل به يُمَنِّيه التوبةَ ليسوقها، ويزينُ إليه المعصية ليرتكبها حتى تهجم مَنِيَّتُه عليه أغفل ما يكون عنها، وإنه ما بين أحدكم وبين الجنة أو النار إلا الموت أن ينزل به، فيا لها حسرة على ذي غفلة، أن يكون عمره عليه حجة، وأن ترديه أيامه إلى شقوة! جعلنا الله وإياكم ممن لا تبطره نعمة، ولا تقصر به عن طاعة الله معصية، ولا يحل به بعد الموت حسرة، إنه سميع الدعاء، وإنه بيده الخير دائما، فعال لما يشاء”.

وقال بعض المفسرين في قوله تعالى: (فتنتم أنفسكم) ، قال: بالشهوات واللذات، (وتربصتم)، قال: بالتوبة، (وارتبتم)، قال: شككتم، (حتى جاء أمر الله)، قال: الموت، (وغركم بالله الغرور)، قال: الشيطان.

وقال الحسن رحمه الله: “تَصَبَّرُوا وتَشَدَّدُوا فإنما هي أيام قلائل، وإنما أنتم ركب وقوف يوشك أن يُدْعَى الرجل منكم فيجيب ولا يلتفت، فانتقلوا بصالح ما بحضرتكم”.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: “ما منكم من أحد أصبح إلا وهو ضيف وما له عَارِية، والضيف مرتحل والعارية مُؤَدَّاة”.

وقال أبو عبيدة الباجي رحمه الله: “دخلنا على الحسن في مرضه الذي مات فيه فقال: مرحبا بكم وأهلا! حياكم الله بالسلام وأحَلَّنا وإياكم دار المقام. هذه علانية حسنة إنْ صبرتم وصدقتم واتقيتم، فلا يكن حظكم من هذا الخبر

-رحمكم الله- أن تسمعوه بهذه الأذن وتخرجوه من هذه الأذن، فإن من رأى محمدا صلى الله عليه وسلم فقد رآه غاديا ورائحا لم يضع لَبِنَةً على لبنة ولا قصبة على قصبة، ولكن رفع له علم فشمر إليه. الوَحَا الوَحَا! النَّجَا النَّجَا! رحم الله عبدا جعل العيش عيشا واحدا فأكل كِسْرَة، ولبس خَلَقاً ، ولَزِقَ بالأرض، واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة، وهرب من العقوبة، وابتغى الرحمة حتى يأتيه أجله وهو على ذلك”.

وقال عاصم الأحول رحمه الله: قال لي فضيل الرقاشي رحمه الله: “يا هذا! لا يشغلنك كثرة الناس عن نفسك، فإن الأمر يخلص إليك دونهم، ولا تقل أذهب ههنا وههنا فينقطع عنك النهار في لا شيء، فإن الأمر محفوظ عليك ولم تر شيئا قط أحسن طلبا ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لذنب قديم”.

سكرات الموت وشدته وما يستحب من الأحوال عنده

اعلم أنه لو لم يكن بين يدي العبد المسكين كَرْب ولا هول ولا عذاب سوى سكرات الموت بمجردها لكان جديرا بأن يتنغَّص عليه عيشه، ويتكدر عليه سروره، ويفارقه سهوته وغفلته، وحقيقا بأن يطول فيه فكره، ويعظم له استعداده، لا سيما وهو في كل نفس بصدده، كما قال بعض الحكماء: “كرب بيد سواك لا تدري متى يغشاك”.

وقال لقمان رحمه الله لابنه: “يا بني، أمر لا تدري متى يلقاك، استعد له قبل أن يفجأك”.

والعجب أن الإنسان لو كان في أعظم اللذات وأطيب مجالس اللهو، فانتظر أن يدخل عليه جندي فيضربه خمس خشبات لتكدّرت عليه لذَّتُه، وفسَدَ عليه عيشُه، وهو في كل نَفَس بصدد أن يدخل عليه ملك الموت بسكرات النزع وهو عنه غافل، فما لهذا سبب إلا الجهل والغرور.

واعلم أن شدة الألم في سكرات الموت لا يعرفها بالحقيقة إلا من ذاقها، ومن لم يذقها فإنما يعرفها إمّا بالقياس إلى الآلام التي أدركها، وإما الاستدلال بأحوال الناس في النزع على شدة ما هم فيه. فأما القياس الذي يشهد له فهو أن كل عضو لا روح فيه فلا يحس بالألم، فإذا كان فيه الروح فالمدرك للألم هو الروح، فمهما أصاب العضو جرح أو حريق سَرَى الأثر إلى الروح، فبقدر ما يسري إلى الروح يتألم، والمؤلم يتفرق على اللحم والدم وسائر الأجزاء، فلا يصيب الروح إلا بعض الألم، فإن كان في الآلام ما يباشر نفس الروح ولا يلاقي غيره فما أعظم ذلك الألم وما أشده!

والنزع عبارة عن مؤلم نزل بنَفْس الروح فاستغرق جميع أجزائه حتى لم يبق جزء من أجزاء الروح المنتشر في أعماق البدن إلا وقد حلّ به الألم. فلو أصابته شوكة فالألم الذي يجده إنما يجري في جزء من الروح يلاقي ذلك الموضع الذي أصابته الشوكة، وإنما يعظم أثر الاحتراق لأن أجزاء النار تغوص في سائر أجزاء البدن فلا يبقى جزء من العضو المحترق ظاهرا وباطنا إلا وتصيبه النار فتحسّه الأجزاء الروحانية المنتشرة في سائر أجزاء اللحم. وأما الجراحة فإنما تصيب الموضع الذي مسّه الحديد فقط فكان لذلك ألم الجرح دون ألم النار.

فألم النزع يهجم على نفس الروح ويستغرق جميع أجزائه، فإنه المنزوع المجذوب من كل عرق من العروق، وعصب من الأعصاب، وجزء من الأجزاء، ومفصل من المفاصل، ومن أصل كل شعرة وبشرة من المَفْرِق إلى القدم، فلا تسأل عن كربته وألمه حتى قالوا: إن الموت لأشدّ من ضرب بالسيف، ونشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض؛ لأنّ قطع البدن بالسيف إنما يؤلم لتعلقه بالروح، فكيف إذا كان المباشر نفس الروح؟ وإنما يستغيث المضروب ويصيح لبقاء قوته في قلبه وفي لسانه، وإنما انقطع صوت الميت وصياحه من شدة ألمه، لأن الكرب قد بالغ فيه وتصاعد على قلبه، وبلغ كل موضع منه فهَدَّ كل قوة، وضَعَّفَ كل جارحة، فلم يترك له قوة الاستغاثة.

أما العقل فقد غَشِيَه وشوَّشَه، وأما اللسان فقد أبْكَمَه، وأما الأطراف فقد ضعَّفها، ويوَدُّ لو قَدَرَ على الاستراحة بالأنين والصياح والاستغاثة ولكنه لا يقدر على ذلك، فإن بقيت فيه قوة سمعت له عند نزع الروح وجذبها خوارا وغَرْغَرَة من حلقه وصدره، وقد تغير لونُه وارْبَدَّ حتى كأنه ظهر منه التراب الذي هو أصل فطرته، وقد جذب منه كل عرق على حياله، فالألم منتشر في داخله وخارجه حتى ترتفع الحدقتان إلى أعالي أجفانه، وتتقلّص الشفتان، ويتقلص اللسان إلى أصله، وترتفع الأنثيان إلى أعالي موضعهما، وتخضرُّ أناملُه. فلا تسل عن بدن يجذب منه كل عرق من عروقه، ولو كان المجذوب عرقا واحدا لكان ألمه عظيما، فكيف والمجذوب نفس الروح المتألم لا من عرق واحد بل من جميع العروق؟

ثم يموت كل عضو من أعضائه تدريجا، فتبرد أولا قدماه، ثم ساقاه، ثم فخذاه، ولكل عضو سكرة بعد سكرة، وكربة بعد كربة حتى يبلغ بها إلى الحلقوم، فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها، ويغلق دونه باب التوبة، وتحيط به الحسرة والندامة.

أخرج الترمذي وابن ماجة رحمهما الله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “تُقْبَلُ توبة العبد ما لم يُغَرْغِرْ”.

وقال مجاهد رحمه الله في قوله تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات. حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) قال: إذا عاين الرسل فعند ذلك تبدو له صفحة وجه ملك الموت، فلا تسأل عن طعم مرارة الموت وكربه عند ترادف سكراته. ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “اللهم هون على محمد سكرات الموت”.

والناس إنما لا يستعيذون منه ولا يستعظمونه لجهلهم به، فإن الأشياء قبل وقوعها إنما تدرك بنور النبوة والولاية، ولذلك عظم خوف الأنبياء عليهم السلام والأولياء من الموت حتى قال عيسى عليه السلام: “يا معشر الحواريين، ادعوا الله تعالى أن يهوِّنَ عليّ هذه السكرة -يعني الموت- فقد خفت الموت مخافة أوقفني خوفي من الموت على الموت”.

وروي أن نفرا من إسرائيل مروا بمقبرة فقال بعضهم لبعض: “لو دعوتم الله تعالى أن يخرج لكم من هذه المقبرة ميتا تسألونه!” فدعوا الله تعالى فإذا هم برجل قد قام وبين عينيه أثر السجود قد خرج من قبر من القبور، فقال: “يا قوم، ما أردتم مني؟ لقد ذقت الموت منذ خمسين سنة ما سكنت مرارة الموت من قلبي”.

وقالت عائشة رضي الله عنها: “لا أغبط أحدا يهون عليه الموت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

وروي أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول: “اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب والقصب والأنامل. اللهم فأعني على الموت وهونه علي”. أخرجه ابن أبي الدنيا رحمه الله.

وعن الحسن رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر الموت وغُصَّته وألمه فقال: “هو قدر ثلاثمائة ضربة بالسيف” أخرجه ابن أبي الدنيا رحمه الله ورجاله ثقات.

وسئل صلى الله عليه وسلم عن الموت وشدته فقال: “إن أهون الموت بمنزلة حسكة في صوف. فهل تخرج الحسكة من الصوف إلا ومعها صوف؟” أخرجه ابن أبي الدنيا رحمه الله.

ودخل صلى الله عليه وسلم على مريض ثم قال: “إني أعلم ما يلقى، ما منه عرق إلا ويألم للموت على حدته”. أخرجه ابن أبي الدنيا رحمه الله.

وكان علي كرم الله وجهه يحض على القتال ويقول: “إن لم تُقْتَلوا تموتوا. والذي نفسي بيده لأَلفُ ضربة بالسيف أهون علي من موت على فراش”.

وقال الأوزاعي رحمه الله: “بلغنا أن الميت يجد ألم الموت ما لم يبعث من قبره”.

وقال شدّاد بن أوس رضي الله عنه: “الموت أفظع هول في الدنيا والآخرة على المؤمن، وهو أشد من نشر بالمناشير، وقرض بالمقاريض، وغلي في القدور، ولو أن الميت نشر فأخبر أهل الدنيا بالموت ما انتفعوا بعيش، ولا لذّوا بنوم”.

وعن زيد بن أسلم رضي الله عنه عن أبيه قال: “إذا بقي على المؤمن من درجاته شيء لم يبلغها بعمله شدد عليه الموت ليبلغ بسكرات الموت وكربه درجته في الجنة، وإذا كان للكافر معروف لم يجز به هوّن عليه في الموت ليستكمل ثواب معروفه فيصير إلى النار”.

وعن بعضهم أنه كان يسأل كثيرا من المرضى: كيف تجدون الموت؟ فلما مرض قيل له: فأنت كيف تجده؟ فقال: كأن السموات مطبقة على الأرض، وكأن نفسي يخرج من ثقب إبرة.

وقال صلى الله عليه وسلم: “موت الفجأة راحة للمؤمن، وأسف على الفاجر”. أخرجه الإمام أحمد رحمه الله عن عائشة رضي الله عنها بإسناد صحيح.

وأخرج أبو داود رحمه الله عن خالد السلمي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: “موت الفجأة أخذة أسَف”.

وروي عن مكحول رحمه الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لو أن شعرة من شعر الميت وضعت على أهل السموات والأرض لماتوا بإذن الله تعالى؛ لأن في كل شعرة الموت، ولا يقع الموت بشيء إلا مات”. أخرجه ابن أبي الدنيا رحمه الله عن أبي ميسرة رحمه الله. وزاد:”وإن في يوم القيامة لتسعين هَوْلا أدناه هول يضاعف على الموت سبعين ألف ضعف”. حسن الإسناد.

ويروى: “لو أن قطرة من ألم الموت وضعت على جبال الدنيا كلها لذابت”.

وروي أن إبراهيم عليه السلام لما مات قال الله تعالى له: كيف وجدت الموت يا خليلي؟ قال: كسَفُّود جُعِل في صوف رطب، ثم جذب، فقال: أما إنا قد هونا عليك.

وروي عن موسى عليه السلام أنه لما صارت روحه إلى الله تعالى قال له ربه: “يا موسى، كيف وجدت الموت؟” قال: “وجدت نفسي كالعصفور حين يُقْلَى على المِقْلَى، لا يموت فيستريح ولا ينجو فيطير”.

وروي عنه أنه قال: “وجدت نفسي كشاة حية تسلخ بيد القصّاب”.

وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان عنده قدح من ماء عند الموت، فجعل يدخل يده في الماء، ثم يمسح بها وجهه ويقول: “اللهم هون علي سكرات الموت”، وفاطمة رضي الله عنها تقول: واكرباه لكربك يا أبتاه! وهو يقول: “لا كرب على أبيك بعد اليوم”. أخرجه البخاري رحمه الله.

وقال عمر رضي الله عنه لكعب الأحبار: يا كعب، حدثنا عن الموت، فقال: “نعم يا أمير المؤمنين، إن الموت كغصن كثير الشوك أدخل في جوف رجل وأخذت كل شوكة بعرق، ثم جذبه رجل شديد الجذب، فأخذ ما أخذ وأبقى ما أبقى”.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن العبد ليعالج كَرْبَ الموت وسكراتِ الموت، وإن مفاصله لَيُسَلِّمُ بعضها على بعض تقول: عليك السلام تفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة”. رواه أبو هدبة إبراهيم بن هدبة رحمه الله عن أنس رضي الله عنه.

فهذه سكرات الموت على أولياء الله وأحبابه فما حالنا ونحن المنهمكون في المعاصي؟ وتتوالى علينا مع سكرات الموت بقية الدواهي، فإن دواهي الموت ثلاث: الأولى: شدة النزع كما ذكرناه.

الثانية: مشاهدة صورة ملك الموت، ودخول الرَّوْع والخوف منه على القلب، فلو رأى صورته التي يقبض عليها روح العبد المذنب أعظم الرجال قوة لم يطق رؤيته.

فقد روي عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنه قال لملك الموت: هل تستطيع أن تريني صورتك التي تقبض عليها روح الفاجر؟ قال: لا تطيق ذلك، قال: بلى، قال: فأعرض عني، فأعرض عنه ثم التفت فإذا هو برجل أسود قائم الشعر، منتن الريح، أسود الثياب، يخرج من فيه ومناخيره لهيب النار والدخان، فغشي على إبراهيم عليه السلام ثم أفاق وقد عاد ملك الموت إلى صورته الأولى، فقال: يا ملك الموت لو لم يلق الفاجر عند الموت إلا صورة وجهك لكان حسبه.

وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن داود عليه السلام كان رجلا غيورا، وكان إذا خرج أغلق الأبواب، فأغلق ذات يوم وخرج فأشرفت امرأته فإذا هي برجل في الدار فقالت: من أدخل هذا الرجل؟ لئن جاء داود ليلقين منه عناء، فجاء داود فرآه فقال: من أنت؟ فقال: أنا الذي لا أهاب الملوك، ولا يمنع مني الحجاب، فقال: فأنت -والله- إذن ملك الموت. ولزم داود عليه السلام مكانه. أخرجه أحمد رحمه الله بإسناد جيد.

وروي أن عيسى عليه السلام مر بجمجمة فضربها برجله فقال: تكلمي بإذن الله، فقالت: يا روح الله، أنا ملك زمان كذا وكذا، بينا أنا جالس في ملكي على تاجي وحولي جنودي وحشمي على سرير ملكي إذ بدا لي ملك الموت، فزال مني كل عضو على حياله، ثم خرجت نفسي إليه، فيا ليت ما كان من تلك الجموع كان فرقة! وياليت ما كان من ذلك الأنس كان وحشة!

فهذه يلقاها العصاة ويُكْفاها المطيعون. فقد حكى الأنبياء مجرد سكرة النزع دون الروعة التي يدركها من يشاهد صورة ملك الموت كذلك، ولو رآها في منامه ليلة لتنغَّصَ عليه بقية عمره، فكيف برؤيته في مثل تلك الحال؟

وأما المطيع فإنه يراه في أحسن صورة وأجملها، فقد روى عكرمة رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن إبراهيم عليه السلام كان رجلا غيورا، وكان له بيت يتعبد فيه فإذا خرج أغلقه فرجع ذات يوم فإذا برجل في جوف البيت، فقال: من أدخلك داري؟ فقال: أدخلنيها ربها، فقال: أنا ربّها، فقال: أَدْخَلَنِيهَا من هو أمْلَك بها منّي ومنك، فقال: من أنت من الملائكة؟ قال: أنا ملك الموت، قال: هل تستطيع أن تريني الصورة التي تقبض فيها روح المؤمن، قال: نعم، فأَعْرِضْ عني، فأعرض ثم التفت فإذا هو بشاب، فذكر من حسن وجهه، وحسن ثيابه، وطيب ريحه، فقال: يا ملك الموت، لو لم يلق المؤمن عند الموت إلا صورتك كان حسبه.

ومنها مشاهدة الملكين الحافظين. قال وهيب رحمه الله: بلغنا أنه ما من ميت يموت حتى يتراءى له ملكاه الكاتبان عمله، فإن كان مطيعا قالا له: جزاك الله عنا خيرا، فرب مجلس صدق أجلستنا، وعمل صالح أحضرتنا. وإن كان فاجرا قالا له: لا جزاك الله عنا خيرا، فرب مجلس سوء أجلستنا، وعمل غير صالح أحضرتنا، وكلام قبيح أسمعنا، فلا جزاك الله عنا خيرا. فذلك شخوص بصر الميت إليهما، ولا يرجع إلى الدنيا أبدا.

الداهية الثالثة: مشاهدة العصاة مواضعهم من النار، وخوفهم قبل المشاهدة، فإنهم في حال السكرات قد تخاذلت قواهم، واستسلمت للخروج أرواحهم، ولن تخرج أرواحهم ما لم يسمعوا نغمة ملك الموت بأحد البشريين؛ إما أَبْشِرْ يا عدوّ الله بالنار أو أبشر يا وليَّ الله بالجنة، ومن هذا كان خوف أرباب الألباب. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لن يخرج أحدكم من الدنيا حتى يعلم أين مصيره، وحتى يرى مقعده من الجنة أو النار”. أخرجه ابن أبي الدنيا رحمه الله.

وفي رواية: “حرام على نفس أن تخرج من الدنيا حتى تعلم من أهل الجنة هي أم من أهل النار”.

وفي الصحيحين من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه ما يشهد لذلك أن المؤمن إذا حضره الموت بُشِّرَ برضوان الله وكرامته، وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته.

وقال صلى الله عليه وسلم: “من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه”، فقالوا: كلنا نكره الموت قال: “ليس ذاك بذاك، إن المؤمن إذا فرج له عما هو قادم عليه أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه”. متفق عليه.

وروي أن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال لابن مسعود رضي الله عنه وهو لما به من آخر الليل: “قم فانظر أي ساعة هي”، فقام ابن مسعود ثم جاءه فقال: “قد طلعت الحمراء”، فقال حذيفة: “أعوذ بالله من صباح إلى النار”.

ودخل مروان على أبي هريرة رضي الله عنه فقال مروان: اللهم خفف عنه! فقال أبو هريرة رضي الله عنه: “اللهم اشْدُدْ”، ثم بكى أبو هريرة رضي الله عنه وقال: “والله ما أبكي حزنا على الدنيا، ولا جزعا من فراقكم، ولكن أنتظر إحدى البشريين من ربي بجنة أم بنار”.

وروي في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن الله إذا رضي عن عبد قال: يا ملك الموت، اذهب إلى فلان فأتني بروحه لأريحه، حسبي من عمله قد بلَوْته فوجدته حيث أحبّ”، فينزل ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة ومعهم قضبان الريحان وأصول الزعفران كل واحد منهم يبشره ببشارة سوى بشارة صاحبه، وتقوم الملائكة صَفَّيْن لخروج روحه معهم الريحان، فإذا نظر إليهم إبليس وضع يده على رأسه ثمَّ صرخ قال: فيقول له جنوده: مالك يا سيدنا؟ فيقول: أما ترون ما أُعْطِي هذا العبد من الكرامة؟ أين كنتم من هذا؟ قالوا: قد جهدنا به فكان معصوما”. أخرجه ابن أبي الدنيا رحمه الله.

وأخرج النسائي رحمه الله بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه: “إذا حضر الميت أتَتْه ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون: اُخرجي راضية إلى روح الله وريحان، ورَبّ راض غير غضبان”.

وقال الحسن رحمه الله: “لا راحة للمؤمن إلا في لقاء الله، ومن كانت راحته في لقاء الله تعالى فيومُ الموت يوم سروره وفرحه، وأمنه وعزّه وشرفه”.

وقيل لجابر بن زيد رضي الله عنه عند الموت: ما تشتهي؟ قال: “نظرة إلى الحسن”، فلما دخل عليه الحسن قيل له: هذا الحسن، فرفع طرفه إليه، ثم قال: “يا إخواناه! الساعة والله أفارقكم إلى النار أو إلى الجنة”.

وقال محمد بن واسع رحمه الله عند الموت: “يا إخواناه! عليكم السلام، إلى النار أو يعفو الله”.

وتمنّى بعضهم أن يبقى في النّزع أبدا ولا يبعث لثواب ولا عقاب.

فخوف سوء الخاتمة قطّع قلوب العارفين، وهو من الدواهي العظيمة عند الموت.