وفي هذه الأعوام الخمسة والثلاثين فتح الله للجمعية أبواب فضله، ودخل الناس فيها أفواجا.. وفي السنوات الأخيرة من عصره المبرور، ورغم الأسقام التي كان يجب أن يعالجها بالراحة، لم يعط هذه الراحة من وقته ولا من جهده الكثير ولا القليل، بل كان يحيا غادايا رائحا بين الأزهار  كأستاذ فيه وبين الجمعية يحمل تبعات قيادته لها.. وبين أبنائه الروحيين وتلامذته يسعى في قضاء حوائجهم.. وفي معظم لياليه وأمسياته، كنت تراه مسافرا ومعه كوكب من وعاظ الجمعية، مبشرين ومنذرين.. وما كان يطمع بسعيه الحثيث في سبيل الله إلى غرض من أغراض الدنيا  منصب، أو جاه-أو مال.. إنما يحقق سعادته الروحية بالدعوة الصالحة إلى الله.. وبالسهر على الأمانة التي حملها من والده الإمام في نشر السنة ومقاومة البدع، ورعاية الجمعية التي تقوم بهذا الواجب خير قيام.. وكم من الليالي الكثار، كان يقضيها ونقضيها معه في بعض المدن التي تشهد أحفالا دينية ومؤتمرات وعظية حاشدة.. ويطول الوقت ويمتد وهو مغتبط نشط، لا سأمان ولا ملول.. وكأي من مرة كان ميقات الفجر يدركنا في الطريق ونحن عائدون إلى القاهرة فنتلمس مصلى على الشاطئ “ترعة” حتى إذا وجدناها غادرنا السيارة إلى المصلى وتوضأنا، وصلينا الفجر، ثم استأنفنا سفرنا..

هذا هو الشيخ “أمين خطاب السبكي” خليفة والده الأمام “محمود خطاب السبكي”، والرجل الذي قضيت مع عهده المبارك كل سنوات تصوفي التي لا أذكرها الآن وغدا وبعد غد، إلا غشيني حزن وأسى، وأقول في زفرة الأسى الأسف:

“ليتها دامت”..

في منتصف رحلتي مع الشيخ حدث تحول عجيب في حياتي أخرجني من الجنة التي كنت فيها إلى السياسة والأدب، والعكوف على قراءة التاريخ والفلسفة والصحافة التي كنت طوال فتر تصوفي أضن عليها بدقائق من وقتي..

بل حدث ما هو أخطر مما سأطلعكم عليه إن شاء الله تعالى بعد أن يبلغ حديثي عن تصوفي مداه..

كان الإمام الأكبر “محمود خطاب السبكي” قد كتب بين مؤلفاته الكثيرة والجامعة، رسالة مختصرة أسماها  “العهد الوثيق، لمن أراد سلوك أحسن طريق”- وهو دليل سريع لمن أراد المضي على طريق القوم المهتدين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم..

فالتصوف الحق مضاء بنور النبوة هو الذي يسير على نهج النبوة..

كان سيدنا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:

“شيبتني هود، وأخواتها”

يعني سورة هود.. حتى إذا سأله أصحابه:

وما الذي شيبك منها يا رسول الله؟؟

أجاب: قول الله تعالى:

(فاستقم كما أمرت)..

فالاستقامة ضمير التصوف، وحقيقته، ووجهته.. من أجل ذلك، كان العارفون يصفون ما هم فيه من سبق وتوق بأنه كما قال الإمام الغزالي:

“نور يقذفه الله ويمنحه”..

وكما قال الإمام “ابن الفارض”:

أنتم فروضي ونفلي     *****     أنتم حديثي وشغلـي

يا قبلتي في صلاتي     *****     إذا وقفـت أصـلي

جلالكم نصب عيني     *****     إلـيه وجـهة كـلي

وسركم في ضميري     *****     والقلب طور التجلي

ونعود إلى “العهد الوثيق” الذي كان أول كتاب قرأته من مؤلفات الإمام، وتعلمت منه ورد المبتدئين الذي

كان الشيخ ينصحني بقراءته كل ليلة قبل النوم، وأنت مستقبل القبلة، وعلى وضوء.. وهو ورد يسير أبلغ اليسر، إذ ينتظم:

الاستغفار-بأية صيغة- مائة مرة..

الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم  بأية صيغة-مائة مرة..

ثم الذكر ب”لا إله إلا الله” مائة مرة..

هذه المئات الثلاث تمثل الحد الأدنى.. ومن يشاء المزيد، فليزد خير وبركة..

ولكن إذا أكثر من “لا إله إلا الله” فالأفضل والأمثل أن تقف عن الذكر عندما تجد نشوته وحبور، حتى لا تسأمه وتمله.. وحتى تظل على شوق إليه إلى إن تعود إليه الليلة التالية..

لقد صادقت هذا الورد وثابرت على أدائه، وكنت أكثر مثابرة عندما كانت بركته تترى، وأنواره تنسكب في قلبي وروحي..

وعكفت على التهجد والصيام، ورفعني الورع والزهد فوق كل مستويات الإغراء والتطلع واشتهاء الدنيا وفتنتها..

ولكننا لم نتعلم في الجمعية التصوف الداعي إلى اعتزال المجتمع والانقطاع عنه، أو الداعي إلى التواكل، و الانهزامية، والتخلي عن مسؤوليات الحياة.. بل تعلمنا التصوف بمعنى الصدق في التوجه إلى الله، وتوثيق العلاقة بالله، وتحمل مسؤولياتنا كاملة كمواطنين في المجتمع..

ويكفي أن نعلم أن الإمام الكبير الشيخ “محمود” منشئ الجمعية والجمعية والجماعة، أقام مصنعا للنسيج من أنوال التي كانت تنتج أبدع أقمشة العباءات والملابس والفوط.. كما كان يشجع على العمل والتجارة.. بل كان يحض على مقاومة الإنجليز المستعمرين.. ويبارك الاشتراك في المظاهرات المتحدية استعمارهم.. مما دفع “النقراشي باشا” أيام كان عضوا بالوفد، ومشرفا مع صديق عمره ” أحمد ماهر باشا” على المقاومة السرية لجيش الاحتلال  يسعى إلى فضيلته زائرا، وشاكرا..

ومن طريف ما حدث في هذا اللقاء سؤال الإمام له:

ماذا تعمل يا بني؟؟

-أعمل عضوا بالوفد المصري يا فضيلة الشيخ..

– يا بني-أنا أسألك عن العمل الذي تعيش منه أنت وأهلك؟؟

وضحك النقراشي والحضور.. مدركين حرص الإمام على أن يكون لكل إنسان عمل يعيش من دخله عيش الكرام..

وأنا مثلا، تصوفت وبلغت مستوى روحيا لا بأس به، إن لم يكن عاليا ورفيعا.. ومع هذا، فقد كنت أطلب العلم في كلية الشريعة ثم في تخصص التدريس بالأزهر.. وكنت أعلم الناس وأمارس الوعظ نضير مكافأة مالية نتقاضاها شهريا من الجمعية..

وبعبارة واحدة  كان التصوف الذي تعلمناه تصوفا “ديناميكيا” إن جاز هذا التعبير..

وأيامئذ تزوجت عام -1940- كنت شابا يافعا لم أجاوز العشرين.. ولا أدري: هل تسرعت بهذا الزواج، أم جاء في أوانه.. ذلك أنني كنت أتردد بأمر الشيخ “الأمين” على إحدى القرى التي بها أحد فروع الجمعية الشرعية، وأحد مساجدها.. وكان الشيخ الإمام يرسل إليها  كما يرسل إلى أمثالها- أحد الوعاظ يخطب فيهم الجمعة.. كما يرسل الوعاظ إلى هذه القرى والمدن من يمضي شهر رمضان كله واعظا إلى هذه القرى كله واعظا ومعلما.

وفي أحد الأعوام، وبين يدي “رمضان” جاء إلى الشيخ وفد يرجوه أن أقضي معهم الشهر الكريم.. وكان ذلك بعد فترة طويلة كنت أصاحبهم أيام الجمعات.. وبعد العيد، أو ليلته، أهداني الحاج “أحمد مصطفى” بنت أخته حيث نشأ زواجنا الموعود..

كانت أغلى أماني أن أسكن بجوار الجمعية ومسجدها الكبير في عطفة “الجوخدار” بالخيامية.. وقد أجاب الله دعوتي ودعائي، ورزقني بعام قبل زواجي بشقة “سلاملك” في بيت جديد ملاصق لجمعية.. فأتيحت لي كبرى النعم يومئذ  وهي صلاة الفجر يوميا في الجماعة، وصلاة بقية الصلوات عدا تلك التي كنت أغيب عنها مشتغلا بالدراسة في الكلية.. كما أتيح لي الأذان لصلاة الفجر دائما.. والمغرب والعشاء كثيرا..