إن من ألف الكتابة يعلم أن الخاطرة الأولى أكثر ما يعيي الفكر. و هي إن وردت، فبعد ساعات من تقليب الأفكار، و قلما تطرقك عند أول وهلة. غير أن من ابتلاه الله بحمل القلم، يحدث عن أعاجيب المخزن المغربي، قد تطول به الحيرة أياما و ليالي، و لن يسعفه لفهم هذا المخزن العجيب أن يتقمص دور الخبير النفسي أو رجل القانون أو المحلل السياسي أو…فهؤلاء استحال مع حكامنا رشدهم حمقا. أكاد أقول (و أستسمح الشعراء و أميرهم) :

و يسأل في الحوادث ذو صواب    *****    فهل ترك الجنون له صوابا؟

إن حملة المخزن على جماعة العدل و الإحسان هي فصل آخر من فصول الجنون التي إن أبكت المغاربة زمانا و أضحكتهم أحيانا، حتى صارت موضوع نكت شهيرة تتهامس بها أفواههم، فهي اليوم تجعل أعقل العقلاء يبكي بكاء الثكلى و يستلقي على قفاه من الضحك معا. ولعله من شد الهذيان و من فرط الجنون يتخيل المخزن ماثلا أمامه، فيخاطبه مادحا (و عذرا أمير الشعراء) :

فما عرف الحماقة ذو جنون    *****    إذا لــــم يتخذك لــه كتابــا

وهكذا لما أبت الخاطرة أن ترد طوعا، لم أجد غير منطق الجنون أكتب به لكيما أجرها إلي جرا…فجلت بناظري في ساحة الأحداث و وجدت وجه الأمن بارزا (مكشرا مزمجرا بالطبع) فأشفقت لحال هؤلاء المساكين، كيف يسخرون في حرب لن يكسبوا منها سوى صحائف ملأى بيوت مشمعة و أسر مشردة ورؤوس مهشمة و ظهور و فكوك محطمة لأناس لا ذنب لهم سوى أنهم يذكرون الله. و تذكرت كم مرة عاث مجرم فسادا في أحيائنا، فصال و جال دون أن نرى رجل أمن واحد يصده، أو يأتي حتى ليقول اللهم إن هذا منكر…كان حريا بأساتذة الجنون أن يحشدوا فلولهم حيث يصعصع الحشاشة و قطاع الطريق و (…)، بدل أن يبارزوا بهم قوما الله حسيبهم و وكيلهم. متى يتمرد هؤلاء على جنونهم؟ غير أن ثالثة الأثافي تهديم بيوت الله هذا منتهى الجنون و حده الذي إن جاوزه صار خبث شياطين.نعوذ بالله. لست أدري كيف استهان بعضهم بحرمات الله..و لم يكفه الصد عن ذكر الله.. ليخرب بيوت الله. من تحارب يا هذا و من تعادي؟

و لأننا لم نعتد أن نطيل التحديق في رجال الأمن في بلادنا…فقد آثرت أن أصرف بصري عنهم تفاديا للمشاكل، لأجد أمامي في المشهد جرائدنا و صحفنا و إعلامنا. و رأيتني قدام لون آخر من الجنون…حيث لا معنى للموضوعية إلا إذا كانت قذفا للعدل

و الإحسان…و لا مكان للاحترافية إلا بترويج الأكاذيب و الإشاعات عنها. أما القناتين اللتين ننفق عليهما من فواتير الكهرباء، فكأن هذا الحراك الغبي للمخزن في سائر أرجاء البلاد لا يعنيهما في شئ…كما لو كانت برامجهم تبث للطوغو أو لترينيداد و توباغو،

و ليس للمغاربة (و لا أمتع من مشاهدة لالة العروسة و سائر برامج الجنون…)

في هذا المشهد المغرق في الغرابة جسم لا يكاد يرى إلا بشق الأنفس. يرسم بعض ملامح الأحداث على استحياء. يسميه بعضهم حكومة، و لست أدري أي حكم بيدها؟ وأي حكامة تمارس؟ و يسميه آخرون جهازا تنفيذيا…و لا نعلم أي سياسات ينفذ…اللهم سياسات الجنون القائد إلى الهاوية…كنا سندرج هؤلاء في خانة الجنون الصامت، بيد أن أحدهم نطق في الموضوع بما لا تستسيغه عقول الأطفال الصغار فضلا عن الراشدين، فأجبرنا، سامحه الله، أن نتحدث عن: الجنون الطريف. من المصابين بهذه اللوثة من زعم أن جماعة العدل و الإحسان تعد لانتفاضة هذا العام. و منهم من قال لأنها ما نظمت أبوابها المفتوحة إلا لاعتزامها دخول غمار انتخابات 2007 و منهم..و منهم.. لهؤلاء بالضبط يقال : الله يستر.

هؤلاء و أولئك قد يعذرون، لأنهم جنون من الجنون…و لا معنى للخروج من صف الحمقى في زمان صار البله فيه أكثر إضحاكا و إمناعا من أي وقت مضى…إن لم يبرعوا في إظهار الغباء اليوم، فمتى؟ من لا يعذر و لا يفهم، من كان المرء يحسبهم في عداد الفضلاء العقلاء، فإذا بهم خلية نائمة من المجانين أيضا. كم رأيناهم يرغون و يزبدون دفاعا عن الحقوق و الحريات. أي خرس أصابهم لما خسفت العدل و الإحسان ظلما؟ و هذا لعمري أكثر أنواع الجنون استعصاءا على الفهم : الجنون الصامت. من العقلاء من استهجن حملة السلطة المسعورة، و هذا أقل ما ينتظر ممن يريد أن يوافق قوله فعله.

إن ما طال العدل و الإحسان، و هو ظلم لاشك، بعضه أهون من بعض عند أهل الإيمان السائرين على نور من الله، يرونه ابتلاءا من المولى الرحيم بعباده من عليهم به ليرفعهم عنده مقاما عليا. و أكثر الناس بلاءا الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل… أما المجانين فلهم قول الشاعر:

أَلاَ أَبْلِـغِ الأَحْلاَفَ عَنِّى رِسَالَـةً    *****    وَذُبْيَـانَ هَلْ أَقْسَمْتُمُ كُلَّ مُقْسَـمِ

فَـلاَ تَكْتُمُنَّ اللهَ مَا فِي نُفُوسِكُـمْ    *****    لِيَخْفَـى وَمَهْمَـا يُكْتَمِ اللهُ يَعْلَـمِ

يُؤَخَّـرْ فَيُوضَعْ فِي كِتَابٍ فَيُدَّخَـرْ    *****    لِيَـوْمِ الحِسَـابِ أَوْ يُعَجَّلْ فَيُنْقَـمِ

و حتى يستفيق المجانين، نردد و إياكم : اللهم إنا نعوذ بك من البرص و الجنون و الجذام و سيئ الأسقام.