هذه قراءة متأنية وعصارة تجربة عايش صاحبها عن قرب ولمدة خمس سنوات، واقع تدبير أطر “العهد الجديد” لملف عطالة الأطر العليا المعطلة بالمغرب..متخففا فيها من ضغط اللحظة، وواقع القهر الذي يتجرعه كل معطل..متتبعا مسار هذا الملف، راصدا أهم انعراجاته، والتي كان آخرها وأخطرها ما أسماه إدريس الكراوي ب”الأرضية الخماسية”*.

إننا حين نشير في سياق حديثنا إلى شَخصيْ “الكراوي وركراكة” بالاسم، إنما نحيل على نظام سياسي بكامله، في تعامله مع ملف اجتماعي ثقيل من قبيل هذا الملف…إنها باختصار شديد محاولة لوضع هذه “الأرضية” في سياقها ومساقها التاريخيين.

1_الكراوي في سطور:

إدريس الكراوي لمن لا يعرفه أستاذ جامعي يدرس الإقتصاد وموظف حكومي سام، ليس بالطويل ولا القصير،مقطب الحاجبين غائر العينين، سحنته “غرباوية”..جاء إلى أعتاب الوزارة الأولى في عهد الحكومة التي قادها رفاقه في حزب الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية- حكومة عبد الرحمن اليوسفي الأولى- ليتولى منصب مستشار الوزير الأول المكلف بالشؤون الاجتماعية. ومنذ تلك اللحظة وهو يدبر أخطر الملفات الإجتماعية بالمغرب وأثقلها على الإطلاق…ملف التشغيل.

ويشغل أيضا منصب المنسق الوطني “منتدى الشباب المغربي للألفية الثالثة” الذي ينشط ببلادنا كل صيف وتحوم حوله شكوك كثيرة، نظرا لمشاركة وفود من أندية “الروتاري” العالمي ومن الكيان الصهيوني في أشغاله، والتي لا يتورع إدريس عن الدفاع عن قدومها للمشاركة .

لقد أبان هذا الموظف الحكومي عن قدراته العالية في المراوغة والتسويف والمماطلة، لا ذكاء منه وحنكة، وإنما احتماء وتترسا وراء جحافل القمع المخزني التي لعبت الدور الأكبر في إيضاح التوجه الحقيقي لدولة العهد الجديد ورسمت معالم تصورها لهذا الملف الثقيل والشائك.

فقد شكل إلى جانب محمد ركراكة باشا حسان السابق والكاتب العام الملحق بولاية الرباط وسلا حاليا، ثنائيا فريدا في التهريج يشبه إلى حد كبير الثنائي “لوري وهاردي” الذي كان ينتزع منا قهقهات طفولة بريئة.

والفرق الوحيد بين” لوري وهاردي” و”الكراوي وركراكة” أن الأولين كانا يبدعان باحترافية وسليقة والأخيرين بتطفل وخسة تفضحها السطور التالية.

2_عطالة أطر “العهد الجديد” العليا:

عرف ملف عطالة الأطر العليا بالمغرب فيما سمي ب”العهد الجديد” حضورا قويا على الساحتين السياسية والاجتماعية، فقد بادرت حكومة اليوسفي الأولى إلى خلق ألف وثلاثمائة منصب شغل في الوظيفة العمومية امتصت من خلالها أعدادا هامة من المعطلين.

جاءت تلك المبادرة في سياق سياسي معين طبعته إرادة الإشتراكيين إزاحة وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري عن هذا الملف وملفات أخرى، خاصة وأن الوزير المذكور، كان قد قام أثناء توليهم مقاليد السلطة بترتيب لقاء لممثلي “مجموعة 314” لحملة الشهادات العليا مع الملك الراحل الحسن الثاني، أدمجوا جميعهم على إثره في أسلاك وزارته.

ثم ما لبثت حكومة اليوسفي في طبعتها الثانية وحكومة جطو الحالية، أن سلكتا طريقة جديدة في تسيير وإدارة ملف التشغيل ككل، ميزتها الأساسية المراوغة وتصريف الوقت. الشيء الذي دفع بمجموعات الأطر العليا المعطلة(فوجي 2001-2002) إلى نهج أساليب جديدة في الاحتجاج(اعتصامات أمام البرلمان،مسيرات نحو الوزارة الأولى،اقتحامات لمقرات الوزارات، التهديد بإحراق الذات…) استطاعت من خلالها إرغام المسؤولين على توقيع محضر تعهدوا فيه بتوظيف أعضائها في أسلاك الوظيفة العمومية.

فكيف أدار “الكراوي وركراكة” ملف “مجموعات المحضر”؟ وما الواقع الراهن لملف الأطر العليا المعطلة الذي يدبرانه؟

3_ سياق الأرضية:

كان ” المحضر” الذي لم تكن له للإشارة أي صفة إلزامية، فرصة مناسبة وجدها الثنائي المذكور، لتمديد وتمطيط أحداث مسرحية لم تنته فصولها حتى حدود كتابة هذه السطور.حيث وُظِّف ذلك “المحضر” مدة سنتين من أجل تكبيل المجموعات الأخرى(دكاترة الأمل،الصحراويين،المستقلة،دارالحديث الحسنية)، أو التي جاءت فيما بعد(مجموعة الخمس،اتحاد الأطر العليا، التكوين التأهيلي…)، حيث اتخذ ذلك “المحضر” مشجبا حقق به “الكراوي وركراكة” غاياتهما، ولم يكن بإمكانهما الاستمرار في هذا النهج لولا حالة التشرذم والتشتت التي طبعت وتطبع نضالات المجموعات المعطلة.

ظل خطاب أولوية “المحضر” الجواب الوحيد الذي يكرره الثنائي أمام المجموعات الأخرى، وإن حصل واعترضت إحداها أو عبرت عن امتعاضها أثناء الحوارات العقيمة التي كانت تمر في أجواء من التهريج واللامسؤولية، وفي ظروف “حضارية” (بباشوية حسان أو بمقر ولاية الرباط وسلا)، كان جواب الكراوي أكثر حضارية: “دولتنا قوية بدستورها وبجيشها وأمنها و…فاذهبوا وافعلوا ما شئتم” !.

ولم تنجح النضالات القوية التي خاضتها المجموعات المعطلة في المواسم الممتدة من 2003 حتى 2005 في تغيير المعادلة لصالحها، أو أن تثني الدولة عن العدول عن سياستها الأمنية التي باتت تتعامل بها مع ملفهم خاصة وملف الحركات الإحتجاجية بصفة عامة.

وفي تزامن مع توجه الدولة هذا وإمعانا في تيئيس وترويض المجموعات المعطلة، قام “الكراوي وركراكة” بتغيير تدريجي لجدولة اللقاءات التي كانا يعقدانها مع ممثليها، والتي لم يكن الهدف منها سوى امتصاص غضبها وربح الوقت وإغراقها في مزيد من التخبط والارتباك.

فبعدما كانت تُعقد تلك اللقاءات، في غالب الأحيان بطلب من ممثلي المجموعات، بشكل أسبوعي أو نصف شهري، صارت تعقد مرة كل شهر أو شهرين وربما أربع، قبل أن تتوقف لأزيد من 13 شهر (من يونيو 2005 حتى يوليوز 2006).

وكان آخر ما وُعِدت به الأطر العليا المعطلة في يونيو 2005_ بعد مهزلة “اللوائح المؤشرة”_ هو إدماجها عبر ما أسماه الكراوي “الأرضية الثلاثية”، أي التشغيل في الوظيفة العمومية والقطاع الخاص والتأهيل من أجل الإدماج. أما في يوليوز 2006 فقد استدعى ممثلي بعض المجموعات ليطرح عليهم مشروع “الأرضية الخماسية”..وكأني بإدريس مازال مولعا بمخططات ستالين الإقتصادية!

إن مبادرة من هذا الحجم أتت بعد سنة كاملة من الإهمال واللامبالاة تثير فينا الكثير من الاستغراب والشك وتدفعنا إلى التساؤل:

_ ما الجديد الذي حصل حتى انفطر قلبا “الكراوي وركراكة” الرحيمين وتكرما على المعطلين بهذه الالتفاتة الحانية؟

_ ألم تقم هذه المجموعات بأشكال نضالية نوعية كانت ستؤدي غايتها لو أنها وجدت لدى المسؤولين استعدادا حقيقيا لإنصافها؟

_ لماذا غاب الحوار كل هذه المدة رغم وساطات من قبيل وساطة عبد القادر أزريع ؟

أسئلة كثيرة تجعلنا لا نشك لحظة أن هذه المبادرة ما هي إلا محاولة التفاف جديدة من المعنيين بالأمر على ملف الأطر العليا المعطلة، كما لا نتوانى في القول أنها جاءت في سياق التحضير الهادئ لإنجاح انتخابات 2007 الذي يستشرفه مهندسوها الأشاوس .

فكيف للأحزاب السياسية أن تعقد مهرجانات خطابية تتحدث فيها عن ملف التشغيل وجموع المعطلين بالعاصمة تتوعد من حين لآخر بتنفيذ انتحار جماعي، أو أشكال أخرى قد تنسف أحلام الثعالب العجوزة؟ وهل ستسلم تلك المهرجانات وما يواكب الحملات الانتخابية من أنشطة من “عبث” شباب يائس أصبح يقوم بمثل تلك الأشكال التي تبعث على الخوف من أن تتطور إلى أشكال أكثر “حمقا”؟

هي خطوة استباقية إذا لإزاحة هذا “المشوش” عن “الإستحقاقات” القابلة، فما السيناريو المرتقب لهذا المنعرج الخطير الذي دخله ملف عطالة الأطر العليا بالمغرب؟

4_ مساق الأرضية:

تزامنت “الأرضية الخماسية”  التي هي للإشارة تمطيط للثلاثية- مع كلمة الوزير الأول التي رد فيها على تدخلات أعضاء مجلس المستشارين والتي ندد فيها باستمرار “بعض شبابنا الباحث عن عمل، والحاصل على الشهادات العليا، في اللجوء إلى أساليب احتجاج تتنافى في بعض الأحيان، مع أعرافنا ولا تمت بصلة إلى تعاليم ديننا الحنيف خصوصا عندما يتعلق الأمر بالتهديد بالانتحار” ودعا إلى “تغليب الحوار والأساليب الحضارية والواقعية في معالجة هذه المعضلة”.

كما جاءت في لحظة بدأ فيها اليأس يدب إلى صفوف المجموعات المعطلة، التي رأت أن اللقاء الأخير في حد ذاته إنجاز هام، وفرصة لا تعوض للحفاظ على جسور التواصل مع الحكومة.

إن إشارة من المعطلين كهذه تدفعنا إلى تخيل المسار الذي سيتخذه ملف عطالة الأطر العليا في قادم الأيام.

ستدفع “الأرضية الخماسية” لا محالة المجموعات المعطلة إلى اتخاذ موقفين كلاهما مر..موقفين لا ثالث لهما..إما القبول المطلق بشروط “الكراوي وركراكة” أو الرفض التام لها.. ولكل موقف ثمن باهظ.

فالقبول بها يعني أولا..الدخول في دوامة من الانتظار لن تنتهي قبل أن يُتَوَصَّل إلى توافق حول آليات تصريف ما جاءت به الأرضية، وهذا يتطلب لقاءات كثيرة قد تستمر أشهرا عديدة، ربما إلى ما بعد 2007، سيستغلها “الكراوي وركراكة” قبل أن يقوما _إن صحت نيتهما_ بتنفيذ أول خطوة في اتجاه تنزيل هذه المبادرة. ويعني ثانيا.. مزيدا من الاحتقان داخل المجموعات، أشبه ما يكون باقتتال داخلي، خاصة إن بدأ تنفيذ المبادرة و”فاز” البعض بالوظيفة العمومية.

أما موقف الرفض لها فيتطلب من الأطر العليا تقديم المزيد من التضحيات ورمي أشكال الاحتجاج التقليدية جانبا، والاستعداد لخوض أشكال نضالية لا تعترف بخطوط حمراء..فهل مازالت تلك الأطر تملك تلك الإرادة، وتلك العزيمة، وذلك الاستعداد، بعد كل هذه السنين من الانتظار وبعد كل تلك الجراح؟ !

في اعتقادنا الشخصي..لا الرفض ولا القبول يجدي، فمسرحية “الكراوي وركراكة” أوشكت على النهاية..و”الأرضية الخماسية” ستكون آخر مسمار يدق في نعش ملف عطالة الأطر العليا بالمغرب.

هكذا كان “الكراوي وركراكة” عنوان المرحلة التي دبر بها “العهد الجديد” ملف عطالة الأطر العليا، أبانت أن المخزن مازال يطبق سياساته القديمة، من قبيل “جوع كلبك يتبعك”، التي كان هؤلاء المعطلون ضحيتها هذه المرة.

فلينتظر المعطلون أياما غير هانئة..وليحذر أصحاب “السياسة الأمنية” أن تهتز من تحتهم أرضيتُهم.. فالأبنية المنخورة الجوف..يجيئها الخراب اليوم أو غدا.

هوامش:

*_ “الأرضية الخماسية”= “الأرضية الثلاثية”+ دعم التشغيل الذاتي+ القطاع الخاص بالخارج(عقود العمل).

_ جريدة الشرق الأوسط، العدد 9027 (16 اغسطس 2003).

_ وقع المحضر في يناير 2003 مع ممثلي :المجموعة الوطنية الموحدة، دكاترة2001،خريجي البرنامج الوطني للتكوين التأهيلي-الفوج الأول.

_ من قبيل إقدام مجموعة الرسائل الملكية على تنفيذ حرق الذات والاقتحامات المتتالية لمقرات الوزارات من طرف مجموعة إتحاد الأطر العليا وإقدام المجموعة المتبقية من خريجي البرنامج الوطني للتكوين التأهيلي على شرب البنزين ومجموعة المكفوفين على شرب الغاز.

_ عبد القادر ازريع رئيس “الهيئة الوطنية لدعم الأطر العليا المعطلة” التي تأسست في ماي 2005.

_ هذا إن أبقت لهم 2006 أملا!

_ كلمة الوزير الأول إدريس جطو التي رد فيها على تدخلات أعضاء مجلس المستشارين بمناسبة مناقشتهم للتصريح المتعلق بالسياسة الاجتماعية للمغرب ( 18 يوليوز 2006).