يبدو أن الولايات المتحدة عازمة على تشكيل تحالف حكومي عربي-أمريكي لمواجهة حركات المقاومة الشعبية ذات الصبغة الإسلامية التي تحارب الهيمنة الصهيو-أمريكية بعدما استلمت الراية من الحكومات الضعيفة المستسلمة للضغوط الغربية.

ويبدو أنها قررت ضمن هذه الخطط أن تتخلى عن فكرة نشر الديمقراطية التي دعا إليها الرئيس بوش قبل أربع سنوات، وكانت تعني ضمنا التخلي عن أنظمة الحكم العربية الصديقة والضغط عليها رغبة في وصول قوى ليبرالية أخرى بديلة للحكم تنهي احتقان الشعوب ضد الغرب، لصالح هذا الحلف الأمريكي-العربي الجديد الرافض للمقاومة كونها خطرا على الطرفين.

أما السبب الجوهري لهذا التغير الإستراتيجي في الموقف الأمريكي واستبدال فكرة محاربة “المقاومة” بنشر الديمقراطية في التفكير الإستراتيجي الأمريكي، فيرجع بالدرجة الأولى لإدراك واشنطن أن الديمقراطية الحقيقية تأتي بالتيار الإسلامي المقاوم على عكس المصالح الأمريكية، وأن العودة للاعتماد على الأنظمة الحاكمة القديمة المستقرة الموالية هو السبيل الأفضل للحفاظ على المصالح الأمريكية الإقليمية، خصوصا بعدما أصبحت هذه الأنظمة أكثر طوعا بعد درس التهديد بالتخلي عنها والضغط عليها لفترة زمنية طويلة نسبيا إبان نشر فكرة الديمقراطية.

بعبارة أخرى أصبح مفهوم “الشرق الأوسط الجديد” الذي تتبناه إدارة بوش ليس هو “الشرق الأوسط الكبير” الذي تفرض عليه الديمقراطية، وإنما شرق أوسط خالٍ من المقاومة وحركات التحرير المعارضة للأهداف الأمريكية  الصهيونية.

هذا باختصار المفهوم الذي تبلور على ألسنة المسئولين الأمريكيين منذ اندلاع أزمتي غزة وجنوب لبنان، والذي أكدته وزيرة الخارجية الأمريكية رايس والرئيس بوش وأركان اليمين المتطرف في الإدارة الأمريكية، ضمن أفكارهم الجديدة المتخبطة لنشر الإمبراطورية الأمريكية والهيمنة على العالم وفرض مفهوم للاستقرار يتوافق مع المصالح الأمريكية.

معالم الخطة

فمعالم الخطة التي وضعتها الإدارة الأمريكية تتركز في التخلص من المقاومة في فلسطين ولبنان على محورين:

(الأول) بالقوة المسلحة من خلال دعم آلة الحرب الإسرائيلية بل الضغط عليها لرفض وقف إطلاق النار وتمديد المعارك و”سحق” مقاومة فلسطين ولبنان.

و(الثاني) بالقوة الناعمة من خلال التحالف مع أنظمة الحكم العربية المؤيدة للسلام مع إسرائيل والمتحالفة مع واشنطن لكي تتعاون مع الخطط الأمريكية في لجم المقاومة وتجفيف الينابيع حولها باعتبار أنها الوسيط بينها وبين الغرب.

ويمكن أن نستشف معالم أوضح لهذه الخطط الخاصة بحصار وضرب وسحق المقاومة من خلال:

1- رفض أمريكا -على عكس الرغبة الإسرائيلية بعد انتهاء ضرب الأهداف الأساسية في لبنان- وقف إطلاق النار وحرصها على تمديد فترة التلكؤ في وقف إطلاق النار لمدة أسبوع آخر لكي تستمر الضربات العسكرية في لبنان أملا في ضمان إضعاف عسكري أكبر لحزب الله قبل التفاوض، وكذلك اختطاف الجهود الدولية في الأمم المتحدة واجتماع دول الثماني الكبرى لوقف إطلاق النار لحين تنفيذ تل أبيب الأهداف العسكرية المتعلقة بضرب حزب الله.

2- بعد أن اشتكى الإسرائيليون من صعوبة ضرب أهداف حزب الله العسكرية واختفاء أنصاره كالأشباح في أعماق الأرض ذكرت صحيفة نيويورك تايمز 22 يوليو 2006 أن إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش سارعت بإرسال قنابل موجهة بالليزر “قنابل الأعماق” إلى إسرائيل التي طلبت الشحنة العاجلة الأسبوع الماضي عقب بدء حملتها الجوية في لبنان، وهي نحو 100 قنبلة “جي بي يو-28” تزن 2268 كيلوجراما، مصممة لتدمير التحصينات وموجهة بالليزر والأقمار الصناعية.

3- جرى الترويج -عربيا وأمريكيا- على نطاق واسع أن هذه المقاومة لا تنفذ ولا تخدم الأهداف اللبنانية، ولكنها تخدم أجندة خارجية إيرانية وسورية على حساب لبنان، ومن ثم فهي ليست مقاومة وطنية ولا تضع في حساباتها الخسائر البشرية اللبنانية، ولكنها تعمل لحسابها الخاص.. وآخر ما قيل في هذا الصدد على لسان الرئيس بوش: “إن ممارسة حزب الله المتمثلة في إخفاء الصواريخ في أحياء مدنية سعيا لتقويض ديمقراطية الحكومة المنتخبة ديمقراطيا أظهرت أن حزب الله ليس صديقا للبنان.. إن حزب الله عرض للخطر خطوات التقدم الهائلة التي حققها لبنان من خلال أفعاله.. وخان الشعب اللبناني”.

4- ألمحت قناة “فوكس نيوز” الأمريكية التي تعبر عن تيار اليمين المتطرف في إدارة بوش إلى أن الولايات المتحدة تشارك في التخطيط للعمليات العسكرية التي أطلقتها إسرائيل في لبنان، ما أزعج المسئولين الأمريكيين، فسارعوا على لسان الناطق باسم البيت الأبيض “توني سنو” لنفي هذا والقول: “نحن لا نقوم بالتخطيط العسكري مع الإسرائيليين.. قلنا لهم إن عليهم التحلي بضبط النفس، بيد أن الظروف يجب أن تتغير إذ لا يمكن السماح لحزب الله بإضعاف الحكومة في لبنان وبزعزعة استقرار المنطقة”. وعاد سنو للقول لقناة “إن بي سي” مجددا إن الولايات المتحدة “لا تقوم بالتخطيط أو بتدريبات عسكرية مشتركة مع إسرائيل”!.

معالم الشرق الأوسط الجديد

كان التصور الأمريكي الأول بخصوص “الشرق الأوسط الكبير” يقوم على فكرة التخلص من الحكومات الديكتاتورية عبر فرض نموذج الديمقراطية والحريات الغربية أملا في وصول قوى ليبرالية موالية للغرب، بيد أن هذا التصور اصطدم بعدة عقبات، خصوصا في ظل بقاء الانحياز الأمريكي الأعمى لإسرائيل، أبرزها صعود التيار الإسلامي من جهة، وتضرر المصالح الأمريكية الإقليمية نتيجة فتور التعاون مع الأنظمة القديمة التي كانت تسهر على خدمة هذه المصالح.

ولهذا بدأ التخلي الأمريكي تدريجيا عن فكرة نشر الديمقراطية وتفريغ مفهوم الشرق الأوسط الديمقراطي من مضمونه الحقيقي الأول وهو الديمقراطية بدعوى أن القوى الإسلامية المتطرفة (خصوصا حركات المقاومة) تسعى لتقويض هذه التجربة الديمقراطية واختطافها لصالحها، والتركيز على محاربة هذه المقاومة، وإقناع الأنظمة العربية القديمة بالمشاركة في هذه المعركة باعتبار أن المقاومة خطر على الأنظمة وأمريكا معا!.

أما الهدف الحقيقي لهذه الخطة فهو الوصول إلى شرق أوسط جديد تهيمن عليه إسرائيل وتقوده بالوكالة عن واشنطن، مع القبول بدولة فلسطينية صغيرة منزوعة السلاح ومقسمة جزأين وتعيش جنبا إلى جنب مع الدولة الصهيونية، ونزع سلاح المقاومة ووضعها تحت إمرة الحكومات المتعاونة مع مشروع الشرق الأوسط الأمريكي الجديد.

ولهذا يلاحظ أن التحرك الأمريكي -ضمن خطة تصفية المقاومة عقب حرب لبنان- تركز على إنعاش الدور المصري في الوساطة مرة أخرى في قضية الجندي الإسرائيلي المختطف في غزة لإنهاء هذه القضية مقابل وعد للرئيس الفلسطيني عباس والرئيس المصري مبارك بإطلاق سراح بعض قدامى الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، بحيث يتم بهذه الصفقة حرمان “المقاومة” من قطف ثمار سلاح خطف الجنود الإسرائيليين وإلقاء الثمرة في يد “الدولة” الفلسطينية ورئيسها المتعاون وهدم حكومة حماس، فضلا عن حرمان مقاومة لبنان “حزب الله” من الاستفادة من هذا الامتداد الجغرافي لقضية المقاومة وقصر الأزمة على لبنان.

إن جزءا من هذه الخطة ظهر في صورة لقاء وزيرة الخارجية الأمريكية رايس مع كل من المسئولين المصريين في واشنطن -على هامش جلسات الحوار الإستراتيجي بين أمريكا ومصر- ومع رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت والرئيس الفلسطيني عباس دون باقي الأطراف الفاعلة في لبنان أو سوريا.

أيضا تركز التحرك الأمريكي على قمة روما والأطراف المشاركة فيها (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ولبنان والاتحاد الأوروبي وروسيا ومصر والسعودية وإيطاليا والأمم المتحدة والبنك الدولي) لبحث قضية لبنان من زاوية محددة تتعلق بتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 1559 الذي ينص على نزع سلاح حزب الله وإبعاده عن الجنوب، ونشر قوات دولية “فاعلة” ومسلحة تمنع تنفيذ أي عمليات عسكرية ضد إسرائيل مستقبلا، والتعامل مع الحكومة اللبنانية بسياسة الجزرة (امتداح رئيس الوزراء) والعصا (رفض وقف إطلاق النار قبل اضطلاع الحكومة بمسئولية الأمن في الجنوب ونشر قوات حكومية).

“القابلة” رايس.. ومخاض الولادة!

ولأن الحرب البرية خطرة جدا على الإسرائيليين الذين باتوا يبحثون عن تحقيق أي إنجاز ينهون به الحرب ويحافظون به على ماء وجههم، فالتوقعات ربما ترجح تأجيل الهجوم البري لحين وصول قنابل الأعماق بشكل عاجل لضرب مخابئ وملاجئ حزب الله أولا بالتزامن مع قدوم “القابلة” رايس للمنطقة لتقود عملية المخاض والولادة الصعبة للشرق الأوسط الجديد بطرح فكرة نشر قوات دولية في الجنوب.

فقنابل الأعماق الموجهة أشبه ما ستكون بالمشارط الجراحية التي ستقدمها القابلة رايس قبل إجراء الولادة لمشروع الشرق الأوسط الأمريكي الجديد، وخطط نشر القوات الدولية ستكون هي العلاج لخطر حزب الله في الجنوب على إسرائيل، أملا في أن يخرج الجنين الجديد “الشرق الأوسط الإسرائيلي” أكثر تحصينا من بطش المقاومة في فلسطين ولبنان.

ولهذا قالت رايس: إن “ما نراه هنا هو آلام مخاض لولادة شرق أوسط جديد ومهما فعلنا، فيجب أن نضمن أننا ندفع باتجاه شرق أوسط جديد وليس باتجاه الشرق الأوسط القديم”، وركزت على التعاون مع الدول الحليفة (مصر والسعودية والأردن) لنجاح عملية الولادة بحيث تتمكن من التأثير على سوريا وإيران المتهمتين برعاية حزب الله.

مستقبل الخطط الأمريكية

ولأننا اعتدنا مؤخرا على خطط أمريكية غير إستراتيجية أو تحمل أفقا واعيا، بل خططا مرتبكة ووليدة اللحظة، وتتجاهل الأطراف الفاعلة في الأزمات، فالمؤشرات تكاد تجزم بفشل خطة الولادة الأمريكية الإجبارية لشرق أوسط خالٍ من المقاومة، ليس فقط لأن أطراف اللعبة الحقيقيين (إيران وسوريا وحزب الله وحماس) لا يشاركون فيها وجرى استبعادهم قسرا، ولكن لأن أوراق اللعبة نفسها تغيرت وبات في يد المقاومة القدرة على توازن الرعب والقوة مع العدو الإسرائيلي والقدرة على إيذائه في العمق لأول مرة بعدما كانت المعارك تجري خارج أراضيه غالبا، بل إنه يجوز القول إن تفكيك أي حركة للمقاومة لا يعني إلا عودة ظهورها في شكل أكبر من التنظيمات.

ويبدو أن بعض معالم فشل هذه الخطة موجود بالفعل مثل:

1- هناك مؤشرات انكسار ومعنويات ضعيفة للقتال لدى الجيش الإسرائيلي وهو ما عمّق الحذر الإسرائيلي من إمكان الوقوع في فخ الحرب البرية التي يريدها حزب الله ومن خطر الوقوع في “فيتنام لبنانية” خصوصا مع توقف الحياة في إسرائيل والخسائر وعدم الاعتياد على العيش في المخابئ لفترات طويلة، وبالتالي الرغبة في وقف القتال وفق خطة دولية (ولو لم تنفذ) ولكنها ستحفظ لحكومة أولمرت ماء وجهها.

2- إدارة الرئيس بوش تعاني من خسائر ومشكلات كبيرة في أفغانستان والعراق، وبعد احتلال دام عامين يتحدث الجيش الأمريكي عن خطر هجوم واسع للمقاومة في العراق وأفغانستان على العاصمة(!)، وإذا أضيف لهذا النقد الواسع فشلها في إدارة الحرب على الإرهاب وخلق مساحات واسعة من العداء لأمريكا في الخارج، واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس بعد ثلاثة أشهر، ستظهر خطة الشرق الأوسط الجديد أشبه بالتمنيات التي لا يسندها واقع حقيقي، إن ظل حزب الله على صموده، أو عجزت إسرائيل وأمريكا عن توجيه ما يصفونه بالضربة القاضية له.

3- تجاهل واشنطن للأطراف الفاعلة في سوريا وإيران وللمقاومة ذاتها وسيطرتها على الأرض؛ وبالتالي رفضها لنشر قوات دولية في الجنوب ما دامت المشكلة لم تحل ككل، يجعل خططها للعب في المنطقة أشبه بمباراة يقوم بها فريق واحد دون المنافس الفعلي، ولهذا يتوقع محللون أمريكيون مثل “جون ألترمان” الخبير في شئون الشرق الأوسط في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية، أن تتفاوض واشنطن مع سوريا مباشرة بحلول سبتمبر أو يبقى الوضع على ما هو عليه.

معالم الشرق الأوسط الجديد ربما تحمل مع ذلك، في نهاية الأمر، معالم أخرى مدمرة للمصداقية الأمريكية وللحكومات العربية التي ستتعاون مع الغرب لتنفيذها في ظل حالة الاحتقان والإحباط والثورة الشعبية المتزايدة على المظالم الأمريكية والإسرائيلية وصمت الحكومات، بل ربما تكون نتائجها على عكس التوقعات أو التمنيات الغربية تماما، بحيث تحل المقاومة محل الحكومات في حروب التحرير، ويتعاظم دورها ويتزايد الالتفاف الشعبي حولها، خصوصا بعدما أثبتت تجربة المقاومة في فلسطين ولبنان -رغم محدودية قوتها- قدرتها على مقارعة الآلة العسكرية الصهيونية الضخمة التي هزمت من قبل جيوش ثلاث دول عربية.