نشأ حزب الله الشيعي في ظروف إقليمية ومحلية أهم ما ميزها آنذاك الثورة الإيرانية التي قام بها الخميني سنة 1979، والاحتلال الصهيوني للبنان سنة 1982، إذ سيساهم هذا المعطى الأخير في إكساب حزب الله شرعية وشعبية ليس فقط على المستوى المحلي، ولكن أيضا على المستوى الإقليمي، و ذلك من خلال مقاومته العسكرية الباسلة للاحتلال الصهيوني، كان أبرز صفحات هذه المقاومة ما حدث سنوات 1982 و1985 و2000، وما يحدث هذه الأيام من صمود في وجه أعتى قوة عسكرية بالمنطقة.

أما المعطى الأول أي الثورة الإيرانية فإنه وفر لحزب الله دعما قويا على كل المستويات، خاصة وأن الأمر بين الطرفين يتعدى مجرد الارتباط التكتيكي أو التحالف السياسي إلى الالتزام العقدي فقد ورد في بيان صادر عن الحزب يوم 16 فبراير 1985 أن الحزب “ملتزم بأوامر قيادة حكيمة وعادلة تتجسد في ولاية الفقيه، وتتجسد في روح الله آية الله الموسوي الخميني مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة”.صحيح أنه حدثت بعض الخلافات بعد وفاة الخميني لكنها لم تفك أواصر ذلك الالتزام.

يصنف حزب الله نفسه بأنه حزب سياسي وجهادي، ويتجسد هذا الشق الأخير في جناحه العسكري الذي يسمى “المقاومة الإسلامية”،أما الشق السياسي فيتمثل في عمله البرلماني و الحكومي، كما يتمثل في فعله النقابي والإعلامي، ويسجل حزب الله باستمرار حضوره السياسي القوي في مختلف المبادرات الوطنية، كمبادرة الحوار وغيرها… ومما يزيد في شعبيته وشرعيته وسط اللبنانيين حضوره الاجتماعي المتميز، وذلك من خلال مؤسساته الخيرية المتعددة.

رغم إعلان حزب الله الوضوح أكثر من مرة فإن العديد من القضايا التصورية والتنظيمية يكتنفها شيء من السرية، فالحزب يعمل مثلا من خلال بنيات تنظيمية معلنة كالأمانة العامة والمجلس السياسي ومجلس شورى ومجلس التخطيط وكتلة النواب وهيئات استشارية أخرى، إلا أن هناك بعض الحلقات التنظيمية غير معروفة خاصة المرتبطة بالمقاومة، وهذا شيء طبيعي في ظل وجود التهديد الصهيوني.

كل المؤشرات تقول أن قيادة الحزب كانت جماعية إلى أن انتخب الأمين العام الأول لحزب الله وهو الشيخ صبحي الطفيلي سنة 1989 ليخلفه في سنة 1991 الشيخ عباس الموسوي، الذي لم يستمر في منصبه أكثر من تسعة أشهر، حيث اغتاله العدو الصهيوني عام 1992 ليقود الحزب من بعده حسن نصر الله حتى الآن.

وقد أدار حسن نصر الله الحزب بكفاءة عالية حيث تميزت فترته بالاعتناء بالمقاومة وبنسج علاقات متميزة على المستوى الوطني والإقليمي، فبعد الحرب العنيفة مع حركة أمل الشيعية سنة 1988، والتي أسفرت عن مقتل العشرات من الطرفين، تحسنت العلاقة كثيرا بين الفصيلين الشيعيين، وبعد مصادمات مع سوريا كانت أشدها عام 1987 حيث سقط من حزب الله أكثر من عشرين قتيلا، استطاع الطرفان تجاوز الخلافات والوصول إلى رؤية مشتركة برعاية وتدخل إيراني.

ولعل حزب الله في ظل هذه الحرب العدوانية الأخيرة يجني بعض ثمار الاعتناء الجيد بالمقاومة، كما يجني ثمار العلاقات المتميزة مع بعض الأطراف التي لها دورها في المنطقة.