لم يسبق ان كان الجيش الإسرائيلي بهذه الرداءة: اداء واستراتيجية ووحشية فمنذ اللحظة الأولى لحربه العدوانية المزدوجة على قطاع غزة ثم لبنان اظهر رداءة في الاداء العسكري وذلك حين اعتمد فقط على النيران والتدمير والفتك بالمدنيين.

كان فون كلا وزيفتش واضع علم الحرب يؤكد غباء القائد العسكري ورداءة ادائه إذا ما اعتمد على كثافة النيران دون ان تكون تمهيداً لحركة الجيوش ضمن خطة محكمة، ولاشك في ان تقاليد الجيش الإسرائيلي في مرحلة التكوين ثم في مرحلة القوة والتوسع اتسمت بإحكام الخطة العسكرية والتناغم بين النيران والحركة التكتيكية، مظهراً دقة في جمع المعلومات وتأمين عنصر المفاجأة هذا من الناحية العسكرية الفنية بالطبع، وان كانت اهدافه دائما غير عادلة وغير مشروعة الامر الذي يسمح بملاحظة اشارات الترهل والتراجع، والدليل ان الجيش الإسرائيلي أصبح معتمداً على التكنولوجيا وكثافة النيران وإلحاق أكبر قدر من الهدم والتقتيل والتهجير من دون ان يشتبك مع القوات المقاتلة المقابلة، ومن دون أن يعرف مواقعها حتى بدا متخبطاً يخبط خبط العشواء.. طبعا ثمة فضل كبير جداً، بل الفضل الأول في هذه النتيجة لحسن أداء المقاومة الإسلامية استراتيجية وتكتيكا، مما جعله يضرب في عماء، وعندما وجد نفسه مضطراً إلى الدخول في الحرب البرية بعد فشل استراتيجيته العسكرية على مدى اسبوعين تقريباً، واجه ما لم يكن في حسبانه من مقاومة استندت إلى دفاع مفكر به جيداً، وقد امتلك رباطة الجأش وللانتقال إلى المبادرة والمفاجأة مما ألحق بخيرة قوات العدو الضاربة خسائر كبيرة اعترف بها رسميا في معركتي مارون الراس وبنت جبيل.

ولهذا تراه منذ اليوم الثامن والعشرين من الشهر الجاري اي بعد ستة عشر يوماً من اندلاع العدوان يعود ليراجع حساباته بالنسبة إلى الهجوم البري وليعتمد مرة أخرى على سياسة التدمير، حتى راح يهدد احياء وقرى بتسويتها كلها بالأرض، اي راح الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية من بيروت يتعرضان إلى دمار شبه شامل، ولكن هذا لا يكسب حرباً وانما يزيد من عوامل الفشل فيها، كما لا يستعبد العودة إلى الهجوم البري اضطراراً.. هذا اللجوء العاجز النابع من الفشل عبر عن نفسه أيضا من خلال تصعيد تدمير البيوت وتقتيل المدنيين في قطاع غزة، وهذا أمر منطقي من قبل عدو ينظر إلى الشعبين الفلسطيني واللبناني نظرة واحدة، ولهذا يخطئ من يفرق بين القضيتين والعدوانين، أو يرى أمريكا في لبنان أو في فلسطين غيرها في العراق أو افغانستان، أو في اي مكان، فأمريكا تعمدت ان تظهر شريكة مباشرة في هذا العدوان المزدوج على الشعبين اللبناني والفلسطيني وقد اظهرت تماهيا مع الموقف الإسرائيلي حير كل من يحاول أن يجد هامشاً يميزها عنه.

وفي المقابل يخطئ من لا يقرن إسرائيل وهو يتحدث عن أمريكا في العراق أو في أي مكان آخر، فكأن أمريكا تقول له «انا إسرائيل وإسرائيل انا» فيما تقول له إسرائيل «انا أمريكا وأمريكا انا» وافهموا يا من لا تريدون ان تفهموا فإدارة بوش تميزت عن كل الإدارات الأمريكية السابقة في هذا التماهي، وفي محو أدنى هامش، فمن يستطيع ان يميز بين جون بولتون المندوب الأمريكي والمندوب الإسرائيلي في هيئة الأمم المتحدة؟

أما من جهة أخرى فإن الفشل في الإطار السياسي لا يقل بروزاً اليوم، كما عبر عن ذلك مؤتمر روما ففيما اندلع العدوان معززاً بدعم مجموعة الدول الثماني، وبمواقف عربية ذهبت إلى القاء مسؤوليته على عمليتي «الوهم المتبدد» و«الوعد الصادق»، نجد مواقف مجموعة الثماني قد تباعدت عن بعضها، ونجد الوضع العربي عاد إلى «التوازن» النسبي فقد كبر العدوان وارتكاباته وجرائمه على الا تستنكر ولا عاد من الممكن غير المطالبة بالوقف الفوري لاطلاق النار بالرغم من أن أمريكا تريد استمراره حتى الآن.

يجب أن يضاف إلى ما تقدم ما راح يظهر من غضب في الوسط الشعبي العربي والإسلامي، وكثير منه اتجه إلى غضب على المواقف العربية الرسمية حتى بعد أن عادت لتستنكر العدوان وتطالب بوقف اطلاق النار، وقد صحب ذلك اتساع الادانة للعدوان في أوساط الرأي العام العالمي بما فيه الغربي، الأمر الذي يشكل حرجاً شديداً لبوش وأولمرت. من هنا يمكن القول ان العزلة السياسية والفشل العسكري وهما ثمرة الصمود الشعبي في فلسطين ولبنان، وثمرة استمرار المقاومة وعدم القدرة على تصفيتها، ادخلا السياسة الأمريكية والإسرائيلية الآن في مرحلة جديدة هي الخوف من النتائج المترتبة على انتصار حزب الله، فقد علق عدد من الصحفيين الإسرائيليين أن ذلك يعني انتصاراً لحماس والجهاد في فلسطين، مما سيربك «المعتدلين» ويضعفهم.

ولهذا فإن تمديد الحرب الآن لم يعد يستهدف تحقيق انتصار عسكري من خلال انزال الهزيمة بالشعبين والمقاومتين في لبنان وفلسطين، وإنما الحيلولة دون انتهاء الحرب بنصر مدوٍ لهما، وهو ما سيجعل الأيام السابقة لوقف إطلاق النار في لبنان، كما في فلسطين الأشد صعوبة ودموية ودماراً.

لكن الإشكال بالنسبة إلى حزب الله، خصوصاً، سيصبح أشد صعوبة بعد وقف اطلاق النار، منه مواجهة العدوان العسكري والسبب هو ابتعاد الدولة الإسرائيلية عن الصورة مباشرة ليواجه ما يسمى بـ «بالمجتمع الدولي» والمواقف العربية، وما قد ينشأ من خلافات سياسية لبنانية – لبنانية عن البحث في الوضع ما بعد وقف إطلاق النار.

لكن ثمة نقطة يجب أن تؤخذ عند محاولة توقع مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار وهي صعوبة تراجع إسرائيل عن احتلال مزارع شبعا، ولو بتسليمها لقوات هيئة الأمم، أو قبولها بتبادل الأسرى وهي التي شنت الحرب رافضة التبادل، الأمر الذي سيربك الحشد السياسي الذي يمكن أن يتشكل ضد حزب الله.

أما على المستوى الفلسطيني فالعقبة الإسرائيلية ستظل كأداء مستعصية، فهنالك قضية الأسرى الفلسطينية، والأهم مشروع أولمرت الذي لا يمكن لأحد أن يتجرأ على القبول به أو السكوت عنه أو المطالبة بهدنة مع تنفيذه واقعياً.

ومن هنا فإن احلام كونداليزا رايس بأن ما يجري في لبنان وفلسطين، بما فيهما من الجرائم بحق المدنيين، هو مخاض «ولادة الشرق الأوسط الجديد» سينقلب عليها كوابيس وسبة وعارا