رحم الله أحمد النيسابوري الملقب بالميداني، على جمعه الأمثال العربية .. ففيها من الصور والحكم ما به يتحقق فهم كثير من مواقف العباد ..

” الصيف ضيعت اللبن ” مثل عربي سائر ُيفهم منه الإشارة إلى تضييع الفرصة .. فرصة مرت ولن تعود .. وما أكثر الفرص التي تضيع ولا تعود .. لا أقصد الفرص الشخصية وإنما الفرص التاريخية المرتبطة بالأمة .. لأنه لاحياة كريمة للفرد بدون عزة الأمة وكرامتها .. فما بالك إن كانت هذه الأمة هي خير أمة أُخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر .. ويُرجى منها ـ في كل زمان ومكان ـ أن تقف على حدود الله، وأن ترفع راية الدين الذي يتحقق به عزها ..

فرص تاريخية أمام الأمة الآن .. عليها ألا تُضيّعها فينطبق عليها مرة أخرى المثل السائر المذكور، وتعيش جولة أخرى عبثية في البحث عن الوجود ..

في لبنان وفلسطين تدور رحى الحرب .. حرب إرهابية إجرامية تحصد الأبرياء.. تشبع نهم الصهاينة المتغطرسين لدماء المسلمين.. أصبحت الدماء والأرواح رخيصة إلى الحد الذي لا يستطيع معه مسؤول عربي أن يصرح تصريحا يُعيد له الاعتبار في عين الأمة..!!

فرصة تضيـــــــــــــــــــــع !!

ينظر الرؤساء والأمراء والملوك حواليهم.. فيجدون أن المسافة بينهم وبين شعوبهم تكبر لدرجة لا ينفع معها مصالحة ولا وصال إلا بتوبة وأوبة وإنابة هم غافلون عنها ،أو لا يقدرون عليها ..

فرصة أخرى تضيــــــــــــع !!

ويتطلع الرئيس والأمير والملك إلى قمة ترمي بهم سبعين خريفا في قعر الانبطاح والتبعية.. محاولات سيزيفية يتواطؤ عليها الكل، وهم يعلمون أن الصخرة أكبر منهم .. كذلك أرادت لها آلهة النظام العالمي الجديد .. فضّل أصحابنا الاستسلام، ورهنوا أنفسهم في دوامة هذه العبثية غير مبالين بصراخ ونداء شعوبهم..

فرصة أخرى تضيـــــــــــــع !!

تخرج مئات الألوف ممن حركتهم الغيرة على الدين ..على دماء المسلمين .. في مسيرات حاشدة ..منددة ..مستنكرة .. متبرئة من عوامل الانهزام والذل والتبعية .. والرؤساء والأمراء والملوك .. وحتى الوزراء .. يتفرجون، وكأنهم غير معنيين بالحدث .. ينتظرون نهاية ” طقوس مزعجة” لاتتساوق و” طقوسهم الهادئة ” حيث ترسم خرائط جديدة للفشل والهزيمة والتخلف .. ليجددوا الولاء .. وليعلنوا البراء .. مما فعله ” السفهاء ” .. من رعاياهم ..

فرصة أخرى تضيــــــــــــــع !!

يتحقق نصر على الميدان .. بوسائل بسيطة وأعداد قليلة .. وجيوش الأمة راقدة في ثكنات حزينة .. أجسام تترهل .. وآليات تتصدأ .. ولا حتى تلويح من قائد سياسي أو عسكري بإمكانية تحريكها لنصرة إخوة يدفعون ضريبة الجهاد عن الأمة .. وصيانة أعراض ودماء أبرياء يقتلون ظلما وعدوانا .. وكأن لسان حال ساستنا وعساكرنا كتب له أن يُسِّبح بالقمع ولاحول ولاقوة له على الجهاد..

فرصة أخرى تضيـــــــــــــع !!

مسلسل من الفرص، وغيره كثير، يُعرض على حكام الخزي والعار فينا فلا يحرك فيهم ساكنا .. وكلما عُرضت فرصة وجدتهم أكثر انشدادا إلى الهزيمة والانبطاح والإذلال إمعانا منهم في إرضاء عدو إرهابي مجرم .. وضدا على إرادة أمة ..! غير مبالين بعمق ومرارة خيبة الشعوب فيهم..

حسبكم ـ ياحكام العار ـ ما راكمتموه من هزائم، وما ضيعتموه من فرص؛ عليكم وعلى الأمة.. ! فغدا تنهار عروش ـ والتاريخ لايرحم ـ وتُبدل أنظمة.. وقد ينعق ناعق أو يحلو له أن يُذكِّربحظ له في ” البناء ” .. أو يتحدث عن شرعية .. فجوابه آنذاك بلا هوادة :” الصيف ضيعت اللبن ” ! ضيعت عزا مقرونا بكلمة .. بموقف .. بمبدإ .. بشعار .. بعزمة.. فاليوم ليس لك ههنا حميم ولاشفيع يطاع .. وليُرم بك وبأمثالك مقرونين بهزائمكم وتخاذلكم في مزبلة التاريخ ..!

ولك ـ أيتها الأمة ـ وعليك ألا تضيعي فرصة معروضة في طبق من ذهب : صحوة إسلامية راشدة ، تعيد للإسلام عزه وللمسلمين كرامتهم ..

يُعرض على الأمة الآن ـ وفي مستقبل الأزمان ـ فرصة الخلاص الفردي ، حين بارت وولت كل القيم والشعارات المرفوعة من خارج قيم الإسلام : توبة وأوبة وإنابة إلى الله عز وجل عنوانها : ” قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ،لاشريك له، وبذلك أمرت، وأنا أول المسلمين “، وحاديها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” من أصبح وهمه غير الله فليس من الله في شيء ، ومن أصبح وهمه غير المسلمين فليس منهم، ومن أعطى الدنية من نفسه راضيا غير مكره فليس مني ” .

وأمام الأمة الآن ومستقبلا فرصة الخلاص الجماعي بأن تُعِزالإسلام وتنصره .. فقد كنا ـ ونحن كذلك الآن ـ أذلة حتى أعزنا الله بالإسلام، فمن يبتغ العزة في غير الإسلام أذله الله ..

ولا قيــــــــــل لنا بعدها : ” الصيف ضيعت اللبــــــــــــن “.. آمين . والحمد لله رب العالمين.