بعد أن قامت الإدارة الأمريكية ببذل كافة جهودها لمنع وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله وإفشال كل الوساطات الأخرى وآخرها مؤتمر روما الذي عقد يوم 26 يوليو 2006، قررت الحكومة الإسرائيلية برئاسة إيهود أولمرت إطالة أمد العمليات العسكرية حتى تحقق أهدافها.

ويبدو واضحا أن الأيام القادمة سوف تحدد وجهة التحركات وطبيعة التغيير الذي سيرد على المعادلة الإقليمية بعد أن أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس عن بدء آلام مخاض لشرق أوسط جديد، فكلما طالت المعارك دون حسم وتواصلت الخسائر على الجانبين، أدى ذلك إلى تصاعد الضغوط الإسرائيلية الداخلية من أجل وقف الحرب واستكمال المهام عبر الدبلوماسية، وكلما حدث إنجاز عسكري إسرائيلي وضعفت مقاومة حزب الله تم التقدم في طريق تغيير كبير بالشرق الأوسط.

وإذا سارت الأمور في الاتجاه الثاني، فإن تغييرا سيحدث، بدءا بالجنوب اللبناني ويطول لبنان كله، ثم يمتد إلى فلسطين، تمهيدا لإعادة تغيير المعادلة الإقليمية بالكامل على نحو يرتب لشرق أوسط جديد حسب التعبير الأمريكي، والذي سينهض على الاعتماد على نظم الحكم الموصوفة أمريكيا بـ”الاعتدال” مع انتهاء الحديث عن الشرق الأوسط الكبير الذي يرمي إلى تغيير النظم القائمة عبر “الفوضى الخلاقة”؛ فالتعبير الجديد/القديم أي الشرق الأوسط الجديد سيعتمد بالأساس على هذه النظم، مع التراجع التام عن أفكار الإصلاح والتغيير؛ فالهدف دعم أنظمة الحكم “المعتدلة” والحفاظ عليها مع دعوتها إلى مزيد من التطوير على ما هو قائم.

الموقف الإسرائيلي الأولي

ورغم أن القراءة الإسرائيلية الأولى للرد على عملية حزب الله العسكرية التي وقعت يوم 12 يوليو 2006، وما أعلنه الأمين العام للحزب من الإفراج عن سجناء لبنانيين وعرب كشروط لإطلاق الجنديين الإسرائيليين الأسيرين، كانت تعني في كل الأحوال القيام بعمل عسكري بشن غارات جوية على مواقع الحزب بالجنوب اللبناني كمقدمة ضرورية للرد يتبعها الدخول في مرحلة المفاوضات، فإن هذا الموقف الأولي قد تطور سريعا نحو ضرب جوي للبنان كله.

فقد أدركت إسرائيل إقليميا أن الدول العربية الرئيسية وتحديدا مصر والسعودية والأردن لن تساند حزب الله لاعتبارات مركبة تتعلق برؤيتها للتسوية السياسية، ولدور الحركات الراديكالية في المنطقة، وأيضا حسابات طائفية، إضافة إلى تقدير هذه الدول للعواقب التي يمكن أن تترتب على تصاعد شعبية حزب الله في الشارع العربي، وما يرتبط بذلك من تزايد للنفوذ الإيراني، على اعتبار أن عملية حزب الله جاءت لخدمة حسابات تتعلق بالسياسة الإيرانية ولا علاقة لها بالمصلحة اللبنانية.

ودوليا قدرت إسرائيل أن الولايات المتحدة ستمنع مجلس الأمن من إصدار أي قرار يدين الهجوم الإسرائيلي؛ فالفيتو الأمريكي سوف يتكفل بوأد أي محاولة من هذا النوع، وهو ما حدث بالفعل حيث استخدمت الولايات المتحدة حق النقض  الفيتو- لمنع صدور قرار يطالب بوقف إطلاق النار، بل إن وزيرة الخارجية الأمريكية أكدت مرارا معارضتها لوقف إطلاق النار، مشيرة إلى أن الوقت لم يحن بعد لبدء الجهود الدبلوماسية، وهو ما اعتبر ضوءا أخضر لإسرائيل لمواصلة العدوان حتى تحقق الهدف المنشود وهو تقليص قدرات حزب الله العسكرية على النحو الذي ييسر سبل تطبيق القرار 1559. أما القوى الدولية الكبرى الأخرى وتحديدا الاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحادية والصين الشعبية فقد قدرت إسرائيل أن مواقفها لن تخرج عمليا عن التوجه الأمريكي.

وعلى الصعيد اللبناني تقول القراءة الإسرائيلية بأن سلاح حزب الله بات مطروحا على مائدة التفاوض، وأن حزب الله يتهرب من بحث هذه القضية، وأن العملية التي قام بها وأسر من خلالها جنديين إسرائيليين تستهدف تغيير قواعد اللعبة على الساحة اللبنانية على نحو يعطي لحزب الله ثقلا أكبر، ويتمكن عبرها من الاحتفاظ بسلاحه ورفع الملف من مائدة الحوار الوطني اللبناني. ومن هنا خلص صانع القرار الإسرائيلي إلى أن القضية خلافية في لبنان، والانقسام كبير ولبنان لن يكون موحدا وراء حزب الله في أي معركة مع إسرائيل.

وبناء على هذه الاعتبارات مجتمعة فقد وضعت إسرائيل في الأسبوع الأول من بداية الحرب، وتحديدا في 17 يوليو 2006، خطتها العسكرية بخلق منطقة عازلة بجنوب لبنان تقدر ما بين 20 إلى 40 كيلومترا، وضرب كل الأهداف التي قد تكون معبرا لإمداد حزب الله مجددا بالأسلحة من سوريا وإيران، وذلك لإنضاج الشروط السياسية لإعادة الجنديين الأسيرين.

أما سلاح حزب الله فقد قالت إسرائيل بأن تفكيكه يتم بموجب قرار الأمم المتحدة رقم 1559، وهو ما كان يعني ضمنيا أن إسرائيل سوف تعمل على إضعاف حزب الله عسكريا، وتدع تنفيذ القرار للمجتمع الدولي بعد أن تهيئ الظروف لذلك.

إن هذه الأهداف على كثرتها كانت تعني أن إسرائيل وفي كل الأحوال ستقوم بعملية عسكرية محددة الوقت، وإن لم يذكر هذا تحديدا، وكانت كذلك تعني أنه إذا أسفرت جهود الوساطة عن شروط مناسبة لإسرائيل، فإنها ربما تقبل بها، ومن هنا كان الإعلان بداية من وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني بأن إسرائيل ستقوم بعملياتها العسكرية جنبا إلى جنب مع الجهود الدبلوماسية لإنهاء الأزمة.

بكلمات أخرى، رأت إسرائيل أن الظروف المحلية  اللبنانية والإسرائيلية- والإقليمية  العربية- والدولية مهيأة تماما لإعادة صياغة المعادلة الثنائية بالكامل بينها وبين حزب الله على نحو يحقق حلا جذريا للوضع على الحدود الشمالية.

إسرائيل والشرق الأوسط الجديد

على أن هذه المعادلة الثنائية قد انتقلت إلى معادلة إقليمية شاملة في الأسبوع الثاني من الحرب، وذلك بعد أن خرجت الولايات المتحدة بمشروع الشرق الأوسط الجديد.

ويبدو أن الولايات المتحدة قد أقنعت إسرائيل بأن هذه اللحظة تمثل قمة تحالف الدولتين معا من أجل تغيير كل معادلات الشرق الأوسط، فشجعت الإسرائيليين على إنضاج فكرة الاجتياح البري وعلى المطالبة بوجود قوات من حلف الأطلسي تفصل بين شمال إسرائيل وجنوب لبنان.

الأكثر من ذلك أن الولايات المتحدة، وفي إطار اعتبارها الحرب على لبنان حربا على الإرهاب، تعهدت بتقديم كل أنواع الدعم السياسي والعسكري المطلوب لإسرائيل من أجل القضاء على الوجود العسكري لحزب الله؛ فأمدتها بقنابل موجهة بالليزر تخترق تحصينات مقاتلي حزب الله، كما تكفلت الولايات المتحدة بإطلاق يد إسرائيل دون أي قيود عبر التفنن في إجهاض كل الوساطات الدولية، ومنحت رايس أسبوعا لإسرائيل ينتهي في 20 يوليو من أجل إظهار قدر من الحسم العسكري.

من هنا دخل الأمريكيون والإسرائيليون في تحالف مباشر من أجل تنفيذ القرار 1559 عبر الآلة العسكرية الإسرائيلية المدعومة أمريكيا، وتعالت تصريحات الطرفين بإطالة أمد الحرب لأجل غير معلوم حتى يتم القضاء على حزب الله وعلى قدراته العسكرية، ثم إعادة تشكيل الداخل اللبناني باستبعاد حزب الله؛ وهو الأمر الذي جعل الإسرائيليين يغيرون من أهداف خطتهم العسكرية عبر محاولات اجتياح الجنوب اللبناني وبداية الحديث عن توغلات برية تصل لنحو 70 كيلومترا وكتهيئة للرأي العام الإسرائيلي للدخول في حرب مفتوحة، أعلن أولمرت أن الحرب قد تستغرق شهورا طويلة لحسم النتائج.

لقد رأت إسرائيل أن طريق الشرق الأوسط الجديد لا يغير فقط المعادلة الثنائية مع حزب الله، بل مع كل الأطراف الأخرى بالمنطقة حيث القضاء على حزب الله يقضي على آخر ورقة سورية وينتزع ورقة كبرى من إيران التي تنادي بإزالة إسرائيل من خريطة العالم، ومن ثم التفرد فيما بعد بالقضية الفلسطينية دون وجود أطراف إقليمية معارضة أو متشددة.

وفي هذا السياق خرج قرار الكونجرس الأمريكي الذي يتأثر باللوبي اليهودي يحمل سوريا وإيران مسئولية أطراف أخرى هي حزب الله وحماس “الإرهابيتين” عن الحرب الدائرة بالمنطقة ويطالب بوش بالدعم الكامل لإسرائيل واتخاذ كافة الطرق للضغط على سوريا وإيران، ولم يكتف بذلك بل امتدح إسرائيل التي تحاول التقليل من استهداف المدنيين.

وهكذا أخذت الأهداف الإسرائيلية مسارا آخرا، فشنت الحرب على كل لبنان، وبدأت خطواتها نحو الاجتياح البري، ووضعت أربعة شروط  تعجيزية- لوقف القصف والغارات هي: إطلاق سراح الأسيرين، إخلاء الجنوب من مقاتلي حزب الله الذي عليه أن يرحل إلى شمال نهر الليطاني، نشر قوات الجيش اللبناني في الجنوب، وتواجد قوات دولية أكبر عددا وأكثر تسليحا في المنطقة الفاصلة، وترى إسرائيل أن قوات حلف الأطلسي هي خير من يقوم بذلك الدور.

إن قبول حزب الله بهذه الشروط يعني نهاية وجوده العسكري وانتهاء دوره، إضافة إلى انتهاء الدور السياسي للأمين العام للحزب حسن نصر الله، وهو ما يقف وراء تشدد الحزب في رفض هذه الشروط ورفضه الإعلان عن الاستعداد للقبول بوقف غير مشروط للقتال، وهو ما يزيد الحزب مقاومة وإصرارا على تكبيد القوات الإسرائيلية أقصى الخسائر الممكنة؛ أملا في تحريك الرأي العام الإسرائيلي للمطالبة بوقف الحرب.

هل ينقسم الإسرائيليون؟

ومع تواصل الحرب التي تشنها القوات الإسرائيلية، وتوالي قصف حزب الله للمدن الإسرائيلية بالصواريخ، بدأت بوادر التباين في المواقف داخل إسرائيل؛ فقد بدأ تيار صغير ومحدود يتحدث عن مخاطر الانجرار إلى مواجهات برية تعيد إسرائيل مجددا إلى “المستنقع اللبناني”. ولعل الانقسام الأبرز داخل إسرائيل قد دار حول طبيعة الحرب التي تشنها إسرائيل حاليا على قوات حزب الله، فبينما أكدت القيادة الإسرائيلية المدنية والعسكرية أنها تستهدف دفع مقاتلي حزب الله بعيدا عن الجنوب، إلى شمال الليطاني وتدمير قدراته الصاروخية، فإن أصواتا أخرى عديدة بدأت تطالب بوقف الحرب والدخول في مفاوضات غير مباشرة لاستعادة الجنديين وبحث تطبيق القرار 1559.

فقد حذر الكثير من المحللين الإسرائيليين من أن إسرائيل تدفع إلى مواصلة الحرب من قبل الإدارة الأمريكية من أجل تنفيذ رؤية أمريكية عبرت عنها كونداليزا رايس عندما قالت إن ما يجري حاليا هو آلام مخاض ولادة شرق أوسط جديد، ورأى بعض المحللين الإسرائيليين أن الحرب تجاوزت الهدف “الإسرائيلي” إلى تنفيذ رؤية أمريكية لا تصب بالضرورة في صالح إسرائيل.