ألا ما أروع الذي رأيت وسمعت وفهمت..؟! وما كانت تجربتي تلك لتساوي شيئا لو لم تكن جزءا من كل..وقطرة من بحر.. وشعاعا من ضوء باهر عظيم..

وتعالوا الآن أقصُص عليكم النبأ كأنكم ترونه وتشاهدونه.. بل كأنكم أصحابه وذوُوه..

كنت أيامئذ أقيم مع أخي الشيخ حسين في منزل بحي الصليب قسم الخليفة، قريب من القلعة وجوار سبيل أم عباس.. وكان المسكن عبارة عن حجرتين وحمَّام، يتراحب أمامهم سطح وسيع وفسيح..

وكان هذا السطح ينادينا بالليل هواؤه وهدوؤه فنقضي معه من الليل نصفه إلا قليلا.. وأحيانا، كنت أسهر مع هذا السطح وحدي وما أجمل الوحدة مع النسمات العذبة الرِّقاق..

وذات ليلة.. وأنا في مجلس ذاك وحدي، أحسست بغبطة الروح، أرسلت إلى السماء بصري أتملؤها وأتأملها..

كم استغرق هذا الوقت الذي اختصر فيه الزمان والمكان، وتألقت المناسبة؟؟

لعله لم يزد عن دقيقتين أو ثلاث أو على الأكثر خمس دقائق، عاد بعدها البصر مفعما نشوان!!

ولست أدري ماذا حدث خلال هذه اللحظات؟؟ كل ما أدري أنها كانت رحلة خاطفة فيها أسرار وفيها أنوار وفيها مالا يدركه العقل وحيدا..

وكل ما أدري كذلك أن هذه الرحلة اللحظية شهد آيتها شخص، هو: أنا.. وشهد نهايتها شخص آخر أستطيع أن أشير إليه بأنه هو..!!

لقد عدت من هذه اللحظات إنسانا أخر، يحمل روحا غير الروح.. وقلبا غير القلب.. ورؤى غير الرؤى.. ويمتلك من التبتل والتجرد والشوق والإخبات ما كأنه يمتلكه منذ سنوات.. وليس منذ لحظات..

يا الله..

إني لأجد ريحها وروحانها رغم أنها تبتعد عني مسافة خمسين سنة أو تزيد..ولعل من حسن الحظ أن تلك اللحظات التي وقع خلالها هذا المشهد وذاك التحول، كانت سريعة ومعدودة وخاطفة.. إذ لو طالت، لتحول المشهد إلى رحلة عقلية، تسائل النجوم، وتبحث في عظمة الكواكب والمجرات، ونشأة الكون وخلق الأرض والسماوات..

لكن إيقاعها السريع سرعة الضوء، جعل منها رحلة روحية، تلقت الروح والنفس خلالها غبطة الحق، ونشوة الشهود وأنوار الطريق..

قمت هادئا فرحا إلى مضجعي.. مع أني كنت أغادر هذا المضجع كرها مع الفجر كل يوم تحت ضغط الأوامر والزواجر من أخي الذي ينتزعني انتزاعا من فراش لصلاة الفجر معه. رحت في فجر ذلك اليوم الجديد من حياتي أتجافى عن المضجع راغبا لا راهبا. ومحبورا، لا مأمورا.. بل سبقت أخي إلى الاستيقاظ والوضوء والتهيؤ للصلاة..

لم أنم بعد صلاة الفجر كعادتي بل أخذت أتلو ما تيسر من القرآن العظيم.. وجاء النهار الذي كان بالنسبة لي “نَهَارَيْن”- النهار الزمني والنهار الروحي.

ومضيت في طريقي إلى معهدي وديعا هادئا صامتا وقضيت اليوم كله بين زملائي على هذه الوتيرة وتتابعت بنفس الأسلوب الأيام والشهور والسنوات التي قضيتها ضيفا على التصوُّف وعالمه الفريد والمجيد..

قلت إنني تحولت إلى إنسان آخر إثر عودة بصري وروحي من رحلتهما الخاطفة في السماء .. ومن صباح تلك الليلة المباركة، وأنا أحيا في نشوة وهُيام .. وأقبلت على ما تيسر وجوده من كتب التصوف .. وفي أحدها قرأت أن الشيخ “أبا يزيد البَسطامي” رضي الله عنه كان يقطع بعض الفيافي ذات ليلة وحيدا .. وفجأة استوقفته السماء بنجومها وبما زينها الخلاق العظيم بها من زينة الكواكب وفجأة نَدَّتْ عنه صيحة ضَارعة:

“يا رب كيف الوصول إليك”؟

فإذا نداء يملأ روعه:

“خل نفسك، وتعال”.

ونحَّيت الكتاب غيرَ بعيد، ورحت أتمتم وأردد:

خل نفسك وتعال..

خل نفسك وتعال..

ومع كل مرة من تردادها أجد لها مذاقا مُختلفا، وحلاوة جديدة، ونشوة فريدة..

فعُذوبة التعبير، وليس عمق المضمون وحده، تجعل القارئ أمام قيثارة تَعزِف.. لا مجرد فكرة تَهتِف.. وأحسست كأن هذه القصة أو الواقعة كُتبت لي .. أو كأن قدري جمعني بها على غير ميعاد ليكون لي فيها عظة، ومنهاج فذ ودليل..

وقررتُ أن أجعل هذه العبارة سلوكا لي .. فخلَّيتُ نفسي، وتخلَّيت عنها وحملت عزمي على كاهلي، وقبل كاهلي في قلبي.. وأخذت مكاني بين المسافرين إلى الله، يحدوني شوق مُتَّقد مَبْرور .. وبصر شاخص إلى هناك .. ولسان حالي يقول:

وما أحد يؤمُّ ذَراك يوما *** فيختارَ الترحُّلَ عن ذَراكا..

كيف مضيت؟؟

وإلى أي زورق وليت وجهي؟؟

تعرَّف أخي “الشيخ حسين” على الجمعية الشرعية،.. وتتلمذَ على شيخها الراحل فضيلة الإمام والقطب الكبير الشيخ “محمود خطاب السبكي” رضي الله عنه، وأرضاه..

وكان يصطحبني معه إلى مسجد الجمعية ليلة الجمعة، ويومها وليلة السبت لنسمع دروس الإمام ونقضي ساعات  كأنها لحظات- في حضرته التي كانت تُذكرنا بالجنة وبما فيها من نَضرة النعيم..

وانتقل فضيلة الإمام إلى الرفيق الأعلى وتزوَّج أخي “حسين” وأقام في بيت أصهاره بالجيزة .. وكنت قد كبرت، وأخذت أتردد في إقامتي بين بيت خالي “الشيخ أحمد” ورواق الشراقوة بالجامع الأزهر .. إلى أن انتقل أخي إلى حي الصليبة، فدامت إقامتي معه بالمنزل الذي تلقيت فيه ذلك الإلهام الذي حدثتكم عنه من قبل.

خلال تلك الأعوام القليلة، كنت قد عشقت السياسة .. ومكثت مع “النقراشي باشا” حينا من الدهر .. حتى إذا تربع وحزبه فوق أريكة الحكم عام 1938 ووجدتني تلقائيا أعتزل العمل السياسي ،ولبثت وقتا بلا تفكير .. صامتا، هادئا، منطويا كمن ينتظر قادما لا يدري هويته، ولا يعرف عنه شيئا .. حتى جاءت الليلة الواعدة، فغمرني الإحساس المفاجئ والعجيب الذي حدثتكم عنه.. وذات يوم تحسَّست وجهي فإذا شعرات تُعد على أصابع اليد والحدة قد نبتت في أدنى الذَّقن .. فداعبتها في حنان وحب.. وقلت أناجيها: ما أعجلك يا عزيزتي .. ومع هذا فمرحبا بحبيب جاء على شوق..

وفي يوم آخر، وأنا أداعبها في حفاوة بأناملي اليمنى، انتزعت إحدى شعراتها فحزنت على فراق صديق..!!

ولكن لماذا الفراق؟؟

إنه سيكون لو أُلقيت إلى الأرض .. أما إذا احتفظت بها فستبقى معي أجمل تذكار .. وفعلا وضعتها بحذر شديد ورفق أشد في جيب “كاكولتي”..

وطفقتُ أتحسس كل يوم مكانها لأطمئن على وجودها .. حتى جاء يوم افتقدتها فيه وفقدتها..

هناك انتابني أسف وأسى..!!

(يتبع)