مع انطلاقة الحرب في لبنان وتصدي المقاومة الإسلامية للهجوم الصهيوني الحاقد، انطلقت أصوات ليست بالغريبة تدعو الأمة إلى خذلان المقاومة وترك لبنان لجيوش بني صهيون تنهشه، كما تركوا بالأمس لبنان، وقبل ذلك فلسطين، لقمة سائغة لنهب القوم المغضوب عليهم.

ولسنا هنا لنفتي بوجوب دعم المقاومة الإسلامية بلبنان، فقد أفتى العلماء المتخصصون المخلصون أهل الثقة بذلك، وردوا على أصوات القوم المسرفين على أنفسهم بفتاوي التكفير. بل الهدف من وراء هذه الفقرات هو الإطلالة على المسألة بعين الفقه الجامع.

هذه الأصوات المتشددة ليست بالغريبة، هي نفس الأصوات التي أجازت بالأمس قتل المدنيين من المسلمين بحجة أنهم عصاة، أو بحجة أنه كان لابد وأن يقتلوا ليستطيع “الاستشهاديون” الوصول إلى أهداف أمريكية أو صليبية.

وهي نفس الأصوات التي أحلت دم الشيعة في العراق لأنهم كفار، وأحلت بالأمس في بلاد الحرمين دماءهم عندما ذبحوا كالنعاج، بعد انتصار آل سعود، كما تقول كتب التاريخ.

وهي لا تختلف عن الأصوات التي تدعو من “الضفة الأخرى” إلى جواز قتل أهل السنة لأنهم أتباع الملك الفاسق يزيد بن معاوية. وتقوم بالتهجير القسري للعائلات السنية من البصرة وغيرها.

وهي عين الأصوات التي أجازت تقتيل الصوفية في أفغانستان إبان حكم طالبان، وحرضت عليهم ونفذت الجريمة بعد ذلك.

وهي نفس الأصوات التي تهاجم الحركة الإسلامية المنظمة الناضجة بحجة أنها تعصى “ولاة الأمر” أو أنها ترتكب البدعة، أو أن لها منشأ أو سلوكا صوفيا.

ودعوة التكفير لا ينتج عليها خذلان المقاومة الإسلامية فحسب، ولكن أيضا إحلال دم المسلمين وانتهاك حرماتهم بعد ذلك. وهي بهذه الطبيعة ليست جديدة على أمتنا، بل تجد جذورها في الخط التشددي للخوارج عندما نصبوا أنفسهم في مقام علمي أعلى من مقام أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه.

الذين يطلقون هذه الأصوات، حتى وإن سلمنا جدلا أنهم ليسوا عملاء للحكام العرب الذين باعوا لبنان مقابل رضى أمريكا وسلام الجبناء مع الصهاينة، وحتى وإن سلمنا أنهم ليسوا عملاء مباشرين لأمريكا، فإنهم يرتكبون خطأ تكتيكيا وآخر استراتيجيا. وكلا الخطئين قاتل لوحده.

الخطئان القاتلان

فأما الخطأ التكتيكي، فيتمثل في العمل، من حيث لا يشعرون، على إنجاح “مشروع الشرق الأوسط الجديد” لإعادة تقسيم المنطقة تقسيما طائفيا بهدف التحكم في مصادر الطاقة والتمكين لكيان إسرائيل عبر منحه تفوقا عسكريا مطلقا. هذا التفوق أصبح شبه ممكن بعد تحييد الجيوش العربية المخذولة من حكامها، لولا ورقة المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين.

وأما الخطأ الاستراتيجي، فيتمثل في تدميرهم لكل جسور الوحدة بين شطري الأمة شيعة وسنة. هذا التدمير سبق أن نجح في العراق نظرا لغياب النضج من الجانبين السني والشيعي وبسبب وجود حركات شيعية وسنية لم ينضج لها تصور بعد ولا استقام لها منهاج للعمل. وهم يودون لو ينجح أيضا في لبنان، لولا أن الحركة الإسلامية هناك تتميز بالنضج وعمق النظرة. إنه عمق بناه غنى التجربة وطول المعاناة ووضوح الخطر المحدق المتمثل في الجيوش الصهيونية الرابضة على الحدود والمتربصة المتجسسة، والمتورطة دوما في اغتيال العناصر المكونة للحمة البلد واستقرار العباد.

الوحدة بالعامل الذاتي

إلا أننا عندما نشدد على أن التكفير والعنف على المسلمين هما صنوان متلازمان دوما، نؤكد على أن دوافع الوحدة يجب أن تكون أعمق من العنصر الخارجي المتربص، وأن تنطلق من عوامل ذاتية، لا تزول بزوال الخطر الخارجي.

وهاهي الدروس أمامنا، فبالأمس توحد المجاهدون الأفغان على عامل الغزو الشيوعي السوفييتي، فلما انهزم العدو وانسحب، زالت عوامل الوحدة فنشب الاقتتال الداخلي.

والعامل الذاتي الموحد والمحرك لكل سلوك جماعي للأمة نحو النصر والتمكين ولكل سلوك فردي نحو وجه الله ورضى الله وفضل الله، هو الحب في الله. إذ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن البراء بن عازب رضي الله عنه: “أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله”.

نعم يجب أن نحب في الله أهل المقاومة الإسلامية في لبنان من أعماق قلوبنا، لأنهم أبناء ديننا، مهما أصاب الغبش التصور، ولأن هذه المحبة الصادقة هي التي ستداوي جراح ماضي الأمة وتفرقها، وليس الجدال العقدي الفقهي الذي لا ينتهي. وكلما دعونا لهم بالنصر، ندعو أيضا بالوحدة والتأليف وتحقق المحبة الحقيقية التي تحق لكل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم.

ويجب علينا نحن أهل السنة كما يجب على الشيعة أن نحب أيضا أهل المقاومة في فلسطين وندعوا لهم بالنصر والثبات.

ويجب علينا أن نحب حتى أهل الفتاوي المسرفة لأنهم أيضا من أهل القبلة، وسيفهمون بعد طول الصبر عليهم ومعهم أنهم ما هم إلا جزء صغير من أمة كبيرة، وفصيل فقط من فصائلها.

والخلاصة أنه يجب أن نحب هؤلاء جميعا! فعندما نبسط يدنا بالصفح والرحمة وقلوبنا بالمحبة والرأفة، وعقولنا بالعلم والحكمة، نكون حينئذ حقا على آثار المصطفى عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، الذي جعل حرمة المؤمن فوق حرمة الكعبة المشرفة.

وعندما تلين قلوبنا بالدعاء لإخوتنا المرابطين في الخناذق، نكون حقا على طريق تحقيق الوحدة والتمكين لأمتنا.

قال تعالى: “وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم”. صدق الله العظيم.