هل القضية كاتب وكتاب نعرف بهما؟ أم هي تجربة ومجرب؟ أم هي حياة وإنسان؟ أم هي شهادة وشاهد؟ أم هي كل هذا وذاك؟.

قد يصعب أن تقدم لكاتب وكتاب لكن الأمر قد يزداد صعوبة حين يكون الكتاب شهادة مودعة للأجيال خطها القلب بخلجاته قبل القلم وكتبها الوجدان بإشراقاته قبيل اليراع، وحين يكون الكاتب الشاهد هو خالد محمد خالد المصلح الاجتماعي والمفكر السياسي والكاتب اللامع صاحب “رجال حول الرسول” و”لقاء مع الرسول” و”جاء أبو بكر” و”بين يدي عمر” و”معجزة الإسلام عمر بن عبد العزيز” … نحاول إن شاء الله تعالى من خلال هذه الحلقات، التي ننشرها تباعا، أن نلامس جوانب تجربة روحية عاشها خالد محمد خالد منذ صباه، سمع خلالها نداء الفطرة الخالد يدعوه: “خل نفسك وتعال”، فكان السير إلى الله توبة وزهدا وجهادا، ارتقابا للموعد الحق، الموعد مع الله. كما نحاول أيضا الوقوف مع خلاصة تأملات فكرية في قضية بالغة الحساسية في الفكر الإسلامي هي قضية التصوف.

بين يدي الكاتب: أبصر خالد محمد خالد النور سنة 1338 من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الموافق لسنة 1920 من تاريخ النصارى في بيت علم وفضل وكرم وبركة فقد كان جده من مشايخ الأزهر وكان والده الشيخ محمد كريما جوادا مهابا محبا للصالحين بعد أن حفظ خالد محمد خالد قدرا كبيرا من كتاب الله تعالى أتى به والده إلى القاهرة ليلحقه بالأزهر الشريف، وقبل أن يذهب به إلى بيت أخيه الشيخ حسين توجه من محطة القطار مباشرة إلى مسجد سيدنا الحسين رضي الله عنه بالقاهرة زائرا ومسلما ليسلمه الأمانة ويستودعه فلذة كبده كما هي عادة محبي أهل البيت قائلا: “يا سيدنا الحسين، ولدي خالد أمانة عندك” – فنعم المستأمن ونعم المستودع -. في كنف آل البيت عليهم السلام وببركتهم أتم خالد حفظ كتاب الله شرط الالتحاق بالأزهر في خمسة أشهر، وتلقى علوم الشريعة لستة عشر سنة، وعرف العلم الأعز علم السلوك إلى الله،… وفي سن مبكرة تهمم بالبحث عن شيخ مرب. ملك عليه الأمر وجدانه وكيانه وجعله قضية حياته ولسان حاله يقول: “يا ربي دلني على من يدلني عليك”. فكان اللقاء مع شيخ رباني كان له أكبر الأثر في حياته هو الشيخ محمود خطاب السبكي الذي سنجد ذكره حاضرا بقوة في هذه المذكرات على قصر مدة التلقي وعلى صغر سن كاتبنا التي لم تناهز حينئذ الثلاثة عشر، وكانت فترة مصاحبته للشيخ من أحب الفترات إلى قلبه كلما ذكرها تحسر قائلا: “يا ليتها دامت”.

هذا الاهتمام بالخلاص الفردي لم يثنه عن الانشغال بقضايا أمته وشعبه فكان كتاب “من هنا نبدأ” باكورة أفكاره في التغيير السياسي والإصلاح الاجتماعي، التي خرجت الى الناس وبعد ذلك توالت الكتابات، والمواقف السياسية الجريئة والرجولية. مثل معارضته لملكية فاروق ولثورة يوليو وقراراتها في كتابيه “مواطنون لا رعايا” و”هذا أو الطوفان”، وكذا موقفه من الإخوان المسلمين فبعد أن كان يخالفهم الرأي وهم في قوتهم وعافيتهم طلب منه ضباط الثورة أثناء “محنة الإخوان” بعد حادثة المنشية أن يكتب في ذمهم فرفض بشكل قاطع، ورغم ترهيب وترغيب زبانية عبد الناصر ظل على وفائه لأصدقائه، منهم الشيخ السيد سابق فقد كان يرعى بيته وأولاده أثناء سجنه. ويواسيه أثناء بطشة عبد الناصر بالإخوان … وكان هذا ديدنه مع أقربائه وأصدقائه وجيرانه، فنجله ثابت يحكي كيف أن كثيرين من أهل الحي الذي كان يسكن به -من أصحاب المحلات وذويهم وشباب الحي- يأتي أحدهم فيطلب منه أن يصحبه لخطبة فلانة فيذهب، وآخر يريد منه أن يصلح بينه وبين زوجه فيشمر … وكنا نتضايق ونعاتبه فيقول: “تلك زكاة الجاه” … وكم من مرة كان يحمل كتبا من مكتبته الخاصة ليبيعها ويشتري بثمنها طعاما لضيف حل في أي وقت من نهار أو ليل!… عاش رحمه الله تعالى عفيفا كريما غنيا في نفسه قرابة 76 سنة، ولما اشتد به المرض في آخر حياته كان يردد دائما “لا راحة للمؤمن دون لقاء الله”، فكان لقاء الله تعالى ليلة الجمعة الزهراء، وقبله كانت الوصية أن يدفن في القرية التي شهدت صباه، وأن يصلى عليه في الأزهر، وأن يوقف به قبالة مقام سيدنا الحسين، ولو لخمس دقائق مودعا. بعد أن جاءه في أول حياته مستودعا، ليكون العود الأحمد على بدء. “إنا لله وإنا اليه راجعون”.

بين يدي الكتاب:

“قصتي مع التصوف” مستخلص من كتابين هما “قصتي مع الحياة” و”الموعد الله” أعده محمد خالد ثابت مفردا بكتاب خاص تجربة والده الصوفية “الذي لم ير للحياة قيمة ولا غاية إلا الوصلة بالله تعالى” في هذه الصفحات المشرقة بنور ربها تتجلى الروح لتكسو الكلام بحلل من ضياء الفيض الإلهي فينضاف إلى سمو الخاطر وعمق الحكمة بهاء الصدق؛ صدق الشهادة وصدق البلاغ الصادع: “إن الحق مع الصوفية” الحق مع الصوفية شهادة براءة، وخلاصة تجربة أودعها قبله الإمام الغزالي رحمه الله تعالى كتابه “المنقذ من الضلال” ويسطرها اليوم خالد محمد خالد مبرزا حقيقة التصوف وحقيقة رجاله المؤسسين، وأنهم من حفظ لنا روح الإسلام ونقاء الفطرة وصفاء العقيدة جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن، من أمثال الجنيد وبشر والجيلاني والشاذلي رضي الله عنهم. صحيح إن هذه الحقيقة الصافية المسماة تصوفا، ولنسمها عرفانا أو إحسانا أو تزكية أو تربية أو ما شئنا، طرأ عليها دخلاء وتلبس بلبوسها متطفلون كما هو شأن كل العلوم والصنائع والفنون، ولكن اعوجاج الفرع لا يعني اعوجاج الأصل وفساد الثمرة لا يقضي بفساد الشجرة، والأبناء تنسب إلى آبائها وآباء هذا العلم الشريف هم أئمة الأمة الأعلام وسادتها العظام، الذين أجمعت الأمة، المعصوم إجماعها من الضلال، على تقواهم وورعهم وعلمهم وهداهم فقد كانوا رضي الله عنهم نماذج في الزهد والعبادة والعمل والجهاد والإيجابية. إذ أنهم لم يتخذوا التصوف دروشة ولا انعزالا، فتصوفهم لم يكن “سلبية تجاه مسؤوليات الدين والحياة ولا مهربا ولا منفى اختياريا يؤوي إليه العجزة والكسالى واللاهون” بل كان تصوفهم كما يرى الأستاذ خالد “أعلى مراتب التدين والعبادة، لبه صدق التوجه إلى الله تعالى، وطريقه يورث المؤمن بعض أنوار وأسرار النبوة، لأنه فن الروح وجوهر الضمير ونور العقل” وهو في حديثه عن التصوف لا يعني بحال “السلوك الذي يحمل من التصوف اسمه وقد تعرى من حقيقته … لا يعني تلك المظاهر الفارغة من مضمون التصوف واستقامته وعظمته”……

(يتبع)