اعلموا أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام آخر الخلق، لأنه مهد الدار قبل السكن، وأقام عُذْرَه قبل الزَّلَل، بقوله تعالى: “في الأرض” فظنت الملائكة أن تفضيلَه بنفسِه، فضنَّتْ بالفضلْ عليه، فقالوا: “أتجعل فيها” (البقرة: 30) فقوبلوا بلفظ: “إني أعلم” (البقرة: 30).

   فلما صوَّره، ألقاه كاللَّقا (= كالعصا: الشيء الملقى المطروح كاللقطة)، فلما عاين إبليسُ تلك الصورةَ، باتَ من الهمِّ في صَوْرة (= يقال: إني لأجد في رأسي صورة، أي: شبه الحكة يجدها الإنسان في رأسه حتى يشتهي أنه يفلى)، فلما نُفِخَ فيه الروحُ بات الحاسدُ ينوحُ.

   ثم نودي في نادي الملائكة: “اسجدوا لآدم”(البقرة: 34) فتطهروا من غدير”لا علم لنا” (البقرة: 32).

   وغودر الغادِرُ نَجِساً بكبرياء “أنا خير” (ص: 76). ثم حام العدوُّ حولُ حمى المحمي، فلولا سابِقُ القدر، ما قَدِرَ على أدم.

   فلما نزل إلى الأرض، خدَّ خدَّ (= خد الأولى: حفر، خد الثانية:خد الوجه) الفَرَحِ بمدمع التَّرَح (= الحزن)، حتى أقلق الوجودَ، فجاء جبريلُ، فقال: ما هذا الجهدُ؟ فصاح لسانُ الوَجدِ:

   (للخفاجي):ما رحلتِ العيسُ عن أرضِكُم *** فرأَتْ عينايَ شيئاً حَسَنـا

هـل لنـا نحوكـم مِنْ عَوْدَةٍِ *** وَمِنَ التَّعْلِيلِ قولي: هَلْ لنا

   يا آدمُ لا تجزعْ من كأسِ خطأٍ كانَ سببَ كَيَسِكَ، فلقد استَخرجَ منك داءَ العُجْبِ، وَأَلْبَسَكَ رداءَ النُّسكِ، “لو لم تُذْنِبُوا لذهبَ اللهُ بكم، وجاءَ بِقَوْمٍ” (= رواه الإمام أحمد في المسند بلفظ:لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم).

   (للمتنبي):لعلَّ عَتْبَكَ محمودٌ عواقِبُه *** وربَّما صَحَّتِ الأجسامُ بالعِلَلِ

   لا تحزن قولي لك “اهبط منها”، فلك خلقتُهَا، ولكن اخْرُجْ منها إلى مزرعةِ المجاهدةِ، وسُقْ من دمعك ساقية ساقيةً (= ساقية الأولى: اسم فاعل من سقى، وساقية الثانية: مجرى ماء) لشجرةِ ندمِكَ، فإذا عادَ العُوْدُ خَضِراً فعُد.

   (للبحتري):إنْ جَرَى بيننا وبينكِ عتبٌ *** أو تناءَتْ منا أو منك الدِّيَارُ

فالغليلُ الذي عهِدْتِ مقيمٌ *** والدموعُ التي شَهِدْتِ غِزَارُ(الغليل: شدة العطش)

   مازالت زَلَّةُ الأكلة تعاده (= لعلها تعاوده أي: تأتيه ذكراها مرة بعد مرة)، حتى استولى داؤه على أولاده، فنمت هينمة (= الصوت الخفي) الملائكة، بعبارةِ نظرِ العاقبةِ، فنشروا مطويَّ “أتجعل” (البقرة: 30).

   قرعوا بِعِصِيِّ الدعاوي ظهورَ العُصاة، فقيل لهم: لو كنتم بين أفاعي الهوى وعقارب اللذات، لبات سليمُكم سليما (= سليم الأولى بمعنى المعافى، سليم الثانية بمعنى الملدوغ)، فأبو للجرأة إلا جرَّ جرير (= كأمير، الحبل) الدعاوي، وحدّثوا أنفسهم بالتُّقى والتقاوي (= إظهار القوة)، فقيل نقبوا عن خيارِ نقبائكم، وانتقُوا مَلَك الملكوت، فما رأوا لمثلها مثلَ هاروت وماروت (=أخرج القصة الإمام أحمد في المسند وابن ماجة والطبري في التفسير الحاكم في المستدرك، وقد أعلها غير واحد من العلماء، وعدها من خرافات بني إسرائيل التي لا يعول عليها، ورفعها إلى النبي{صلى الله عليه وسلم} خطأ ووهم. انظر-كتاب التوابين- لابن قدامة، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، ص 14)، فآبا لسفر البِلا بالبلية، فما نزلا من مقام العصمة، فنزلا منزل الدعوى، فَرَكَبا مركب البشر، فمرّت على المرأين (= المقصود: هاروت وماروت حين ظهرا بصورة رجلين) امرأة يقال لها: الزُّهرة، بيديها مِزْهرُ زهرةِ الشهوة، فغنّت الغانيةُ بغنّة أغنّ (= الغنة: صوت في الخيشوم، والأغن: الذي يتكلم عن طريق خياشيمه)، فرنت قيانُ الهوى، فهوى الصوتُ في صوبِ قلبِ قَلْبيهما، فقلبَهما عن تقوى التقويم، فانهارَ بناءُ عزمِ هاروت، ومارَ هَمُّ حزمِ ماروت، فأراداها على الردى فراوداها، وما قتل الهوى نفساً فوداها (= أي دفع ديتها)، فبسطت نِطْع التنطّع على تخت التخيير، إما أن تُشركا، وإما أن تَقْتلا، وإما أن تشربا، فظنّا سهولة الأمر في الخمر، وما فطنا، فلمّا امتد ساعِدُ الخلاف، فسقى فِسقاً (= أي خمرا)، فدخلا سككَ السُّكر، فزلا في مزالق الزنى، فرآهما مع الشخصية شخصٌ، فشخصا إليه فقتلاه، ففشت فتنتُهما في فئة الملائكة، فاتخذوا لتلك الواردة وِرْداً من تضرع “ويستغفرون لمن في الأرض” (الشورى: 5).