“المخزن” في بلاد المغرب الأقصى “سلطة” غير محددة المعالم .. أو بالأحرى شبكة أخطبوطية من أجهزة السلطة، تتداخل مهامها لدرجة لا تدري من يحكم ومن يتخذ القرار .. وهي بذلك تفقد صفة “الشخصية المعنوية” المسؤولة عن كل فعل تقوم به أو يصدر من جهتها .. لذلك تسعى أن تكون دائما هي الرابح الأكبر من عملية خلط الأوراق ثم “إعادة ترتيبها” في أي مرحلة حاسمة يمر بها البلد .. أو من عملية التملص عند أي أزمة يعيشها المغرب ..

   “المخزن” بهذه الصفة إذن منظومة سياسية حاكمة في المغرب خارج جميع السلط المتعارف عليها دوليا .. فهو المسير الحقيقي الأوحد! والمتحكم في كل شيء في بلدنا الحبيب .. فلا استقلالية للقضاء (وهو أقوى سلطة) عن المخزن .. ولا قيمة للتشريع (وهو أعلى سلطة) في نظر المخزن .. ولا دور للتنفيذ (وهو أهم سلطة ) في استراتيجية المخزن .. وللإعلام الخيار: بين المصادرة والاستئجار .. في عرف المخزن..!

   للمخزن قانونه الخاص .. مسطر في دفتر “ذهبي” ، يُخلِّد لعهدين هما في الحقيقة عهد واحد ، عنوانه: “التعليمات المخزنية في ما لايستقيم مع رؤانا مما صدر عن البشر، من أهل البدو والحضر، ممن أراد أن يفكر، أو يسمع أو يبصر، أو حتى يشعر”، والمشهور اختصارا ب “قانون التعليمات”!

   غير أن بنود هذا القانون -كما هو صاحبها- غير محددة المعالم .. تَبعث مع الأحداث .. وتُبعث على وجه السرعة عبر اللاسلكي قصد التنفيذ .. دون معاينة .. أو حوار .. ولا حتى الاحتكام لقوانين المدونات، عفوا قوانين الأوراق..!

   قانون المخزن هذا المسمى “قانون التعليمات” خلَّد للمغاربة تاريخا حافلا .. “يُجمعون” على ضرورة التخلص منه، وطيه إلى الأبد، اسمه: سنوات الرصاص..

   في غمرة التسلط بهذا القانون ظهر عالم جليل، منذ أكثر من ثلاثة عقود، أراد -من منطلق الواجب- أن يُرجع القوم إلى جادة الصواب، مسترشدا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي رواه تميم الداري وأخرجه الإمام مسلم: “الدين النصيحة، قلنا لمن، قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم” ..

   انبرى العالم الجليل مذكِّرا بواحد من الأساسيات التي يقوم عليها الدين: النصيحة، فكان السجن لمدة ثلاث سنوات في مستشفى الأمراض العقلية، وذلك جزاء من تُسوِّل له نفسه تجاوز “قانون المخزن” إلى التذكير.. أو اقتراح أي قانون آخر..!

   منذ عقود من الزمن وبنود قانون المخزن تتناسل بندا بندا في مسيرة أطول قانون عجيب .. وحسبنا هنا أن نوجز بعض ما جاء في باب “التعامل مع جماعة العدل والإحسان” من البنود:

   ـ بند… : …………………………………………………………….

   ـ بند… : شيء مرفوض؛ أن تُسدي النصيحة لأولي الأمر؛ وعقوبته ثلاث سنوات سجنا، واتهام بالجنون ..

   ـ بند… : شيء مزعج؛ أن تُقدم الدروس في المسجد؛ وعقوبته: الزم شأنك وبيتك..

   ـ بند… : شيء مقلق؛ أن يكون لك منبر إعلامي؛ وعقوبته: مصادرة الصحف والمجلات (خمس منابر إعلامية)..

   ـ بند… : شيء ممنوع؛ أن تناقش رسالة ملكية؛ وعقوبته: سنتان سجنا ..

   ـ بند… : شيء مكروه؛ تواصل وإشعاع دعوي مكثف؛ وعقوبته: عشر سنوات من الحصار .. وحصار الرجل والدعوة معا لازالا مستمرين ..!

   ـ بند… : شيء محرج؛ النزول إلى الشواطئ وإقامة مخيمات صيفية؛ وعقوبته: حرق وتخريب لها .. ومصادرة الحق في الاستجمام ..!

   ـ بند… : شيء محرم؛ أن تنال ثقة الجماهير الطلابية وتحظى بتمثيلهم؛ وعقوبته: مئات الاعتقالات والانتهاكات والتهم الملفقة والمحاكمات الصورية ..

   ـ بند… : شيء مستهجن؛ أن تزاحمنا في دور الشباب والمنتديات العامة؛ وعقوبته: طرد .. ومنع .. ومصادرة الحق في الوجود القانوني ..!

   ـ بند… : شيء يفضح؛ أن تُعرف بنفسك وتفتح أبواب التواصل مع الشعب؛ وعقوبته: المنع والاعتقال .. واقتحام البيوت ومصادرة الممتلكات ..!

   ـ بند… : شيء يخيف؛ أن تعقد مجالس تربوية .. وأن تتدارس كتاب الله عز وجل .. وأن تحيي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .. وأن تحكي المبشرات ..؛ وعقوبته: منع مجالس النصيحة وما لحق بها ..!

   …. بنود .. وبنود .. تتناسل مع كل فترة وحين .. ليظل المخزن وفيا لمنطقه، وتشريعه الخاص، الذي لا يستقيم مع أي تشريع سماوي أو أرضي ..

   من الرسالة / النصيحة (رسالة الإسلام أو الطوفان التي بعث بها الأستاذ عبد السلام ياسين إلى الراحل الحسن الثاني) إلى حرب المخزن على مجالس النصيحة -وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود- يخلِّد المخزن “أكبر ملحمة” في ميدان خرق حقوق الإنسان ..!

   ولك يا “لجان الإنصاف” أن تطوي صفحة .. وتفتحي صفحات في مصالحة عبثية .. مع قانون المخزن:

قـــانون التعليمـــات .. !