سؤال:

   سبع سنوات من حكم الملك، ما هي في نظركم النقط التي تحسب له والتي تحسب عليه؟

   جواب:

   بسم الله الرحمن الرحيم:

   كان النظام ومن يشترك معه في المصالح وأيضا بعض ممن اعتبرها فرصة لتفاؤل جديد، يروجون بقوة مع بداية حكم الملك الحالي للعديد من الشعارات التي تبشر بالتغيير وتزف أنباء قدوم عهد مخالف للسابق، وأعطوا لهذه الآمال العريضة عناوين رنانة مثل ” ملك الفقراء” و” العهد الجديد” و” المفهوم الجديد للسلطة”…. وكان لنا نحن والعديد من الفاعلين والمراقبين رأي آخر يرى ما وراء هذه الشعارات من أسئلة دقيقة وعميقة وتأسيسية. لأن صلب القضية ليس في تدبيج الشعارات والخطب بل في بسط الأرضية التي يراد إطلاق تلك الشعارات فيها. وكان دافعنا في هذا الطرح أننا نرى بالعين المجردة وبالأدلة الساطعة الصادمة هشاشة الأرضية وتفكك الأسس إن لم أقل غيابها كحال من يريد بناء السقف على غير أساس. وهذا عبرنا عنه بكل قوة وصدق وغيرة من خلال رسالة الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين للملك المعنونة ب” مذكرة إلى من يهمه الأمر” حيث قلنا بوضوح إن حجم الأزمة الموروثة لا تكفي فيه تدابير إدارية إنما تلزمه مشاريع إرادية كبرى تدل فعلا على إرادة القطيعة مع عهد الاستبداد. فشعار ” ملك الفقراء” لا يمكن تجسيده من خلال أساليب تكرس نفس السياسة السابقة أي سياسة الأعطيات والمنح والحملات الموسمية التي ينقشع ضبابها على استمرار الفقير في فقره والجائع في مسغبته لما ينتهي مفعول الوجبة وتختفي أضواء الكاميرات. ولا حقيقة لشعار إنعاش الاستثمار والشق الأكبر من أموال المغاربة ما يزال مهربا إلى الخارج. كما أن شعار”المفهوم الجديد للسلطة” يعد أكبر كذبة حديثة لأن تغيير أي مفهوم لا يكون من خلال شعار براق في حين أن العقلية التي تقف وراءه غاية في القدم والتكلس. من أجل موقفنا هذا وصفنا لحظتها بالتيئيسيين والمستعجلين، لكن مع مرور الوقت بدأت نغمة التبرير تتصاعد من الحديث عن وجود جيوب المقاومة إلى قصر الوقت المتاح في محاولة للتستر على طامة الطوام وهي أن أكبر ممانع لأي تحرك نحو التغيير هي العقلية السائدة في كل دواليب الحكم من أعلاها إلى أدناها. ومع الاستمرار في مرور الوقت أخذ أوار التبرير يخمد بعد انفضاحه التام ليترك الساحة مفتوحة على تصاعد الأوار الناتج عن خيبات الشعب في كل الشعارات، والجميع يتابع هذا التصاعد المخيف المتجلي في التوترات الحادة على كل صعيد وفي كل مجال.

   هذه هي الحقيقة الساطعة والتي لا ينفيها إلا طامع في إمكانية الانتفاع من الوضع الحالي إلى أقصى حد ممكن على حساب مصالح الشعب. هذه هي الحقيقة، فيما يبقى بعض مما يعتبره البعض مكتسبات مجرد فتات جزئي لا يغير من المعادلة شيئا وأوراق ذابلة يحاولون بها إخفاء الغابة الكثيفة من الأزمات الحادة جدا جدا جدا.

   سؤال:

   أين تلمسون في جماعة العدل والإحسان المواقف التي ظلمتم فيها في عهد محمد السادس؟

   جواب:

   لو اقتصرت المظالم على العدل والإحسان لهان الخطب. المعضلة أعم فهي مظلمة شعب بكامله. وهنا نقدر، كما العديد من الفاعلين والمتابعين، أن المشكلة تكمن في أن طغمة تستأثر بكل شيء؛ بالخيرات وقرارات المصير وكل الحقوق، ويوما بعد يوم يزداد رهن رقاب كل الشعب بالنزعات الخاصة وأهواء قلة متنفذة. أما ما يروج له من مكتسبات فلا يصمد أمام الواقع الناطق بأرقامه الصارخة والتي لم تتحرك، طيلة عهود المخزن، إلا في الاتجاه السالب. فهم ما يزالون يحكمون شعبا أكثر من نصفه أميون، وخيرة شبابه عاطلون، في الوقت الذي لا يستطيعون حتى تعويض المناصب الشاغرة بفعل التقاعد العادي، حسب التقييم الرسمي، ناهيك عن إحداث مناصب جديدة. وسوقه تزداد ضيقا على المنتج المحلي لصالح المضاربين الأجانب الذين لا يمرون إلى سوقنا إلا عبر الصفقات ذات الرائحة الكريهة مع كبار المضاربين المحليين. أما التعليم فهو من فشل إلى فشل فلا هو مرتبط بهموم الشعب ولا بهموم البحث العلمي الصرف ولا بسوق الشغل، والساحة المقابلة لمقر البرلمان شاهدة ناطقة. أما أوضاع الحريات فلنقرأ بؤسها في جميع المجالات ذات الصلة؛ لنقرأ حرية التعبير من خلال المحاكمات بالجملة للصحافيين ومحاكمة الأستاذة ندية ياسين ومنع كل صحف العدل والإحسان والحجب المتكرر لمواقعها الإلكترونية، والمحاكمات الصورية المفتقرة لأبسط شروط المحاكمة العادلة مما ينتج عنه إقبار المئات في غياهب السجون. حرية التجمع والتنظيم والاحتجاج نستطلع أخبارها من خلال القمع الشرس لكل تجمع احتجاجي أينما كان، ويبقى مسلسل القمع ضد المعطلين والمكفوفين وهيئات رجال التعليم بالرباط وحملات المداهمات لبيوت أعضاء العدل والإحسان وفض الاجتماعات بالعنف وسرقة المتاع الخاص وترويع الأهالي أبأس الصور في سجل النظام المغربي في كل أطواره. إضافة لما تتعرض له كل الجمعيات الجادة من صنوف التضييق. وبالمناسبة هذا التقييم لا نقول به وحدنا إنما نجده لدى كل فاعل صادق وفي كل تقرير نزيه، ويكفي الاطلاع على التقارير الصادرة فقط خلال السنتين الأخيرتين عن جهات مختلفة لنقف على حجم الجريمة المرتكبة في حق شعب بكامله.

   سؤال:

   هل لا زلنا نعيش عهدا جديدا بعد سبع سنوات من الحكم، وهل لا زال الملك شابا وهو يبلغ 43 سنة؟

   جواب:

   ومتى ولد الجديد حتى نتساءل عن مراحل نموه أو تطوره. الأمر لم يتجاوز الشعارات الرنانة والتي يعرف صائغوها بهتانها قبل غيرهم. التغيير إرادة حقيقة وليس أمنيات حالمة. وشرط الإرادة، الكفيل وحده بإنتاج وتنفيذ المشاريع الكبرى، لا يعتبر فيه سن أو جنس أو انتماء إنما المعتبر فيه الأسلوب المنتهج في إشراك الجميع واعتبار كل الطاقات وإيجاد بيئة سياسية سليمة وحرة. بل إن الأخطر في بلدنا هو عندما نركز على شكليات السن والجنس والانتماء من أجل تشريع الاستبداد. وهذا كلما بقي موجودا فلا مجال للحديث عن تلك المصطلحات الكبيرة مثل التجديد أو الانتقال أو غيرها.

   سؤال:

   تميزت فترة حكم الملك طيلة سبع سنوات بمجموعة من المواقف، منها محاكمة ندية ياسين وحرب الشواطئ والهجمة الأخيرة. هل تحملون المسؤولية للملك مباشرة أم لنظامه؟

   جواب:

   ولك أن تضيفي أيضا إلى تلك الميزات الحميدة ما كان ويكون بين تلك الحروب الكبرى ضد جماعة العدل والإحسان من تضييق دائم على أنشطتها وهضم لحقوق أعضائها ومنعنا من حرية التعبير وإغلاق صحفنا وفتح متواصل للزنازن في وجوهنا فلا تخرج مجموعة إلا لكي تحل أخرى، ثم المحاكمات التي لا تنقطع. كل ما ذكرته وذكرته وغير ذلك كثير من الصفحات السوداء في سيرة المخزن تجاهنا من المؤكد أن المخزن يقف وراءها بكل أجهزته ومستوياته، وعليه من الجازم أنه لا يمكن إعفاء أي طرف من مكونات المخزن من المسؤولية. وهذا إن لم يقله البعض اليوم في المخزن، خوفا أو تزلفا، فسيتسابق لاحقا إلى ذكر مثالبه والقول فيه ما ترفع عن قوله الفرزدق وجرير في بعضهما.

   ومن المعضلات الخطيرة لدى النظام المغربي أنه في دستوره يشرع لسيطرته المطلقة على أهم منافذ القرار وفي نفس الوقت يشرع لعدم مسؤوليته عن أية تبعات قانونية لقراراته. وهذا ما يرفضه كل عقل سليم ومنطق سوي. وأي طريق إلى التغيير السياسي الحقيقي لا بد أن يمر من هذا المدخل المهم أي إقران كل مسؤولية بالمساءلة.

   سؤال:

   لكن في الآن ذاته تميزت فترة تولي الملك بالإفراج عن عبد السلام ياسين، كيف تقرؤون هذه المفارقة؟ ألا تعتبر هذه النقطة إشارة منه لنهاية القطيعة مع جماعتكم؟

   جواب:

   لا بد من التأكيد أولا أن الحصار لم يرفع أبدا إنما خفت حدته فقط ولكل زائر لبيت الأستاذ عبد السلام ياسين أن يلمس ذلك ويراه بعينه، فما تزال فرق من البوليس مرابطة بباب البيت وفي كل الأزقة المؤدية إليه، كما أن فرقة أخرى تتحرك معه كظله في كل تحركاته خارج البيت. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإننا كنا دائما وما نزال نعتبر أن الحصار ليس حصار الرجل لأن اسمه عبد السلام ياسين ولكن لأنه يمثل دعوة وهي دعوة العدل والإحسان. ولهذا فالحصار والتضييق يشمل كل من وما يمثل هذه الدعوة وفي المقدمة الأستاذ عبد السلام ياسين، ثم كل الجماعة، مؤسسات وأفرادا، وأيضا الهيئات والمجالات التي يشتم فيها وجودنا أو تأثيرنا. أما مسألة حصار الأستاذ عبد السلام ياسين فإن سعي النظام لإنهائها ليس لأجل حل مشكلة العدل والإحسان إنما لأجل حل مشكلة النظام الذي تورط في هذا الملف ولم يهتد إلى أخف السبل ضررا عليه للخروج من الورطة.

   سؤال:

   سبع سنوات من حكم الملك ولا يزال لم يبادر ولو تلميحا لتغيير الدستور، أي كما صرح أحد المحللين السياسيين أنه يحكم بجلباب أبيه، هل الظرفية تساعد الآن لتغيير الدستور، وما هي مطالبكم في هذا الصدد؟

   جواب:

   هل الملك يحكم بجلباب أبيه؟ أو بجلباب آخر قد يكون أضيق من جلباب أبيه؟ على أي حال لكل تقييمه ورأيه، أما نحن فقد كنا من السباقين إلى القول بأن النظام السياسي لم يتغير فيه شيء، وأن شعار العهد الجديد كذبة بلقاء سرعان ما سينكشف أمرها، وكان دليلنا هو تجاهل المذكرة التي بعثناها للملك، والتي اقترحنا من خلالها تغييرا تاريخيا. تعرضنا آنذاك لبعض الانتقاد، وطلب منا أن نمهل الملك، لكن الآن وبعد مرور سبع سنوات من انتقدونا بالأمس يؤكدون من خلال بعض حواراتهم أن لا شيء تغير، بل الأدهى من ذلك أن تضييعنا للوقت لا يزيدنا إلا انحطاطا.

   أما فيما يتعلق بالمراهنة على التغيير الدستوري، فإني أؤكد من جديد أن ذلك لا يغير في الوقت الراهن من طبيعة النظام الاستبدادية شيئا، وذلك لأن لا جديد على مستوى الإرادة السياسية، فالإرادة التي حكمت التعديلات السابقة للدستور هي نفس الإرادة المهيمنة حاليا، وهي إرادة تريد دستورا السيادة فيه للحاكم وليس للأمة، تريد حاكما فوق الدستور، وليس حاكما محكوما بالدستور. ولعل النقاش الذي كان منذ أيام حول تعديل الدستور يؤكد ذلك جليا، فما تسرب من مذكرات على اختلافها يبين أن المطالب لا تتجاوز سقف الإرادة التي أشرت إليها، فحتى التي تطالب بحصر اختصاصات الملك فهي لم تذهب بعيدا عما هو موجود حاليا. قلت مطالب وهذا مكمن الخلل يطلبون من الملك تغيير الدستور وليس هناك تدافع أو نقاش جدي لتغيير حقيقي، فالدستور في أصله ممنوح وحتى التغييرات أو التعديلات تكون ممنوحة، بل أذهب إلى أبعد من ذلك وأقول أن الكلام حول الدستور أحيانا يكون مفتعلا ولأغراض سياسوية أو انتخابوية ليس إلا.

   أما بخصوص مقترحاتنا فإننا نرفض أولا وبشدة هذه الصيغة المطلبية التي ليس لها من مفعول سوى تكريس أن الدستور، وما يرتبط به من تعديل أو تغيير، منحة من الملك لرعاياه يمنحها متى شاء وكيف شاء. ونرى ثانيا أن أي تعديل في المضمون سيبقى محكوما بطبيعة النظام الاستبدادية وجوهره الفردي ما لم تتغير طريقة وضع الدستور.

   أوضح، إننا في العدل والإحسان ندعو إلى جمعية تأسيسية منتخبة يوكل إليها وضع مشروع دستور جديد يرسم بوضوح شكل النظام السياسي، ويبين بوضوح علاقة الحاكم بالمحكومين، واضعا حدا لكل أشكال الاستبداد والغموض، ويحدد الحقوق والواجبات، ويصون الكرامة والحريات. وبعد وضع المشروع يعرض على استفتاء شعبي حر ونزيه. هذا هو المسلك الطبيعي لدستور يتوخى منه إحقاق العدل والحرية والكرامة.

   في الأخير أقول إن أي تغيير حقيقي في المسار الدستوري لابد له من إرادة سياسية غير الإرادة السياسوية المهيمنة حاليا، والإرادة السياسية لها ارتباط بميزان القوة، ونحن نمد يدنا لكل من يعمل لتغيير هذا الميزان حتى يصبح لصالح الشعب. ولا يهم في البداية أن نتفق حول المضامين، الذي يهم هو أن نتفق حول طريقة ومسطرة وضع الدستور.