رسالة مفتوحة إلى حياة، الأم التي اختطفها جهاز مراقبة التراب الوطني DST، وإلى كل أخواتي للآخرة

ندية ياسين، 23- 07-2006

حياة، يا أخيتي ويا أختي الحبيبة: أكتب إليك من فرنسا بلد حقوق الإنسان، هذا البلد الذي يكشف اليوم، وبعد سنين طويلة، عن الفضائح المخجلة لكثير من أجهزة المخابرات. لقد قرأت اليوم بكثير من الألم، ولكن أيضا بكثير من الغضب، خبر اختطافك من طرف الأجهزة الخاصة للأمن في بلدنا المسكين.

إن بلدنا الحبيب، بلدنا المسكين (بالمعنى الحقيقي والمجازي للكلمة) يواجه ظرفية عالمية يتزايد فيها السؤال عن معنى الإنسان، رجلا كان أو امرأة، وبالأحرى عن معنى حقوق الإنسان. فهذا “الشرق الأوسط الكبير”، من فلسطين إلى المغرب، مشتعل نارا ودما، ومسرح للمآسي والهوان.

عزيزتي حياة، أختي وصديقتي: لقد أشبعوك ضربا وشتما وإهانة، ولكنك أسمى وأقوى من هؤلاء الوحوش الذين اعتدوا عليك، والذين يستحقون الإشفاق أكثر من أي شيء آخر.

إنك أسمى وأقوى من هؤلاء الوحوش الذين اعتدوا عليك لأنك واجهت عنفهم الحيواني بقوة القلب والروح، بقوة الإنسانية، بمنتهى الإنسانية.

إن القوة الأساسية لجماعتنا، يا أختي الحبيبة ويا صديقتي ورفيقتي، تكمن بالتحديد في كوننا كسرنا طابوه الصمت حيث سجن الضمائرَ جلادو شعوبنا منذ قرون؛ طابوه الصمت، ذلك السجن بلا أسوار، حيث سجنتنا أنظمتنا الاستبدادية حتى حولتنا إلى مجرد أشباح.

عزيزتي حياة، يا أخت الآخرة، إذا راجعنا تاريخنا سنجد الحصيلة ثقيلة ومؤلمة. إن دراسة التاريخ تشكل خطرا… على الطغاة، ويتحتم علينا الرجوع إلى تاريخنا حتى نستطيع مواجهة المستقبل.

لقد صمتنا عندما سمّم سيدَنا الحسن رضي الله عنه أولئك الذين كانوا يطلبون الحكم من أجل الحكم.

صمتنا أيضا عندما قُطع سيدنا الحسين رضي الله عنه إربا من طرف يزيد”أمير المؤمنين” (بماذا يا ترى؟(.

وصمتنا كلما قام ضمير حر شريف ليفضح خديعة وزيف أمراء تربعوا على استسلامنا وجبننا.

صمتنا حين أعدم الحجاجُ سعيدَ بن جبير.

لقد تعلمنا قسرا أن نصمت صمتا تاما، رهيبا، وقاتلا.

إننا نُحتضر في صمت، وقد آن الوقت كي يتوقف ذلك !.

إننا نتجرع الإهانة كل يوم حتى الثمالة دون أن نمتعض، و لم يعد ممكنا أن نقبل بذلك.

قد نؤدي الثمن رجالا و نساءا ؟ فليكن!!! إن جهادنا يكمن في مواجهة الأدواء بالكلمة، ولا شيء غير ذلك…

فهنيئا لك يا حياة، يا بطلة جهادنا بالكلمة.

قد لا تقدرين حق التقدير مدى شجاعة موقفك، ولكن التاريخ سيخبرك. إن النظام، باضطهاده لنساء الجماعة، يريد ضرب قطاع نسائي جد حيوي يدحض كل الصور الجاهزة التي تريد أن تجعل من الإسلاميين بالضرورة ذكوريين أعداءا للمرأة، وحتما متطرفين. إنك تزعجينهم يا حياة، تزعجين الأحكام المسبقة التي تبرر التدخل الدولي في شؤوننا، الأمر الذي بات حيويا بالنسبة لهم…

إننا نزعج أنظمتنا الاستبدادية، وريثة من حبسونا في الحريم السياسي. إنك تزعجينهم يا حياة، إنكن تزعجنهم يا أخواتي، لأن امرأة تنتمي لحركة إسلامية لا يجب أن تتكلم أبدا، يجب أن تبقى مجرد فزاعة صامتة لتخدم خطاباتهم الحداثية والعلمانية. لا يحق لك أن تتحركي، ولاحق لك في إعطاء الأمل لأبنائك، لا يحق لك أن تكوني إيجابية وسيدة لمواقفك ولتاريخك. يفترض فيك أن تكوني خائرة العزم صامتة و مثقلة بأمومتك وبكل إحباطات الدنيا. عليك أن تغلقي فمك لا أن تعبري عن آرائك، أن تكوني غبية لا مناضلة، يجب أن تخضعي للظلم لا أن تقومي في وجهه، لك أن تتجولي في المحلات التجارية لا أن تدخلي غمار الحياة السياسة….

إن النظام يا حياة باضطهاده لنساء الجماعة كان يريد ضرب عصفورين بحجر واحد، وحُق للمخزن أن يقتصد في أحجاره مادامت سياسته تختزل في ضرب كل ما يتحرك، والعالم يتحرك وسيتحرك أكثر فأكثر بما في ذلك المغرب.

أما الهدف الأول يا حياة فهو ضرب الروح المعنوية للأخوات المناضلات بإرهابهن. وأما الثاني فيراهن على منطق الشرف في مجتمعاتنا التقليدية، ولا أدل على ذلك من الوقع والمعاناة النفسية التي رافقت شهادات النساء في إطار لجنة الإنصاف والمصالحة. إن المخزن يريد أن يحملنا ثقل العار، وأنى له ذلك ونحن قد تربينا داخل هذه الجماعة على تسمية الأمور بأسمائها.

لن ننتظر لجنة الإنصاف والمصالحة لسنة2036، وليعلم المخزن أننا لن نسكت. أختي حياة، الجلادون أحق أن يخشوا الفضيحة وليس الضحايا.

لن نخضع لمؤامرة الصمت، هذا أمر ولى زمنه ومضى.

حياة، وأنتن أخواتي للآخرة، لنوحد جهودنا ولنواجه مؤامرة الصمت بكلمة الحق، الكلمة القوية، الكلمة الملتزمة.

بربكم أي شرف هذا الذي نحاول إنقاذه بسكوتنا عن مثل هده الأفعال الوحشية إن كانت كرامة بلدنا تداس بكيفية ممنهجة من قبل وحوش ضارية تعتبر نفسها من محترفي الشرطة المغربية. عن أي شرف نتحدث يا حياة، إذا كان أبناؤك وأبنائي وكل أبناء هذا الوطن لم يعد لهم من مخرج سوى الإلقاء بأنفسهم في البحر الأبيض المتوسط، أو أن يصبحوا انتحاريين، أو متعاونين مع الجلادين واللصوص غير الرسميين.

وأنت أخي، يا زوج حياة، يا تلميذ مدرسة العدل والإحسان، أحييك بكل احترام وتقدير. ما أعظم المجهود الذي بذلته لتكسر مؤامرة الصمت ، ضدا على الثقافة الذكورية والاستبدادية التي تأسرنا جميعا؛ تلك المؤامرة التي خذلت سيدنا الحسن، وسيدنا الحسين، وسيدنا سعيد بن جبير، وكل الشرفاء عبر التاريخ.

بارك الله فيك وفي كل إخواني وأخواتي في هذه الجماعة التي تقود جهادا أشد من جهاد السيف الذي قاده أسلافنا لتخليص العالم من كل أنواع الاضطهاد، رغما على الصور السلبية ومحاولات الإذلال و تزوير التاريخ. بارك الله فيكم يا من تحطمون الأوثان وتسقطون الطابوهات المتجذرة.

حياة لا تصمتي بعد اليوم، فنحن لا نملك سوى الكلمة لمواجهة الشر.

نص المقال بالفرنسية والإنجليزية.