1- استهلال

   إن ما دعا إلى الحديث عن هذا المحور في اشتغال مشروع العدل والإحسان هو ما يجري على رجال ونساء الجماعة المبشرة به من ضغط شديد بدعوى أن أنشطتها قد تجاوزت الحدود الحمراء المرسومة فقط في أذهان واضعيها، ومن أجل أن تصير رقما كباقي أرقام الحقل السياسي والمجتمعي المغربيين بالتسليم بقواعد اللعبة المنظمة لها ضمن تلك الحدود الحامية لأصحاب القرار من أن يدور في حماهم من لا يرضون عنه بحكم التاريخ والعادة الجارفة والدستور الممنوح وما يتفرع عن ذلك& كما دعا إلى هذه الإثارة المقتضبة حجم التضامن الذي ينظم في مدن وعواصم غربية من طرف مغاربة ومنظمات مدنية هناك.

   إن فهم معالجة العدل والإحسان لما يجري عليها الآن يرتبط أساسا بفهم طبيعة مشروعها، سواء في أبعاده المحلية أو الدولية، من حيث هو مشروع مقترح على العالم، لأجل الحياة الكريمة لكل الناس والمخلوقات في كون الله تعالى، وقائم على العدل والإحسان. هاتان الركيزتان اللتان سنعرج بحول الله تعالى على بعض معانيها المرتبطة بموضوعنا.

   2- إذا كان النظر بعيدا كان الهدف عند النظر القريب مصابا، أو بين القطري والدولي في عمل العدل والإحسان

   من خصائص حركة المشاريع الكبرى في واقع الناس الخاص والعام، التي يكون موضوعها الإنسان، أنها تحتاج إلى زمن طويل حتى تكتمل صورتها من حيث فهم تصوراتها ونظرياتها على مستوى كبير من التفصيل، ومن حيث تنزيل مقتضيات ذلك على الواقع. ومن ثمة فإن الرجال والنساء والتنظيمات والهياكل والفعاليات التي تسعى لخدمة هذه المشاريع تعاني من عنت شديد ومغالبة من جهة عناصر الواقع السلبية التي تكون، في الغالب، هي مصدر الأزمات والمعاناة الإنسانية، لكنها، أي المشاريع، تتميز بضرورة التخلص من ثقل الواقع السلبي المراد تغييره، إذ إذا أصبح هذا الواقع عامل توجيه أصلي في عملية استيعاب وبيان مضامين هذه المشاريع، أو أصبح أصلا في عملية التفكير لا معطى يجب اعتباره فقط، تتحول هذه المشاريع، مع مرور الزمن، إلى صورة جزئية وإلى لون من ألوان التمويه والتزوير رغما عن أصحابها أو بإرادتهم.

   ومن هنا، فإن مشروع العدل والإحسان، الذي لا زال يتحرك في الواقع المحلي دون إغفال آثاره على المستوى الدولي، لا يمكن استيعابه على صورته الكلية إلا إذا بنينا نظرتنا إليه على أن جماعة العدل والإحسان تتحرك في الواقع المغربي وفق مشروع تقترحه على الإنسانية. أي أن الفعل المحلي الذي ينبني أساسا على فهم المعطى الواقعي المغربي في كل أبعاده، إنما هو صادر عن النظر الاستراتيجي المصيري للمشروع من حيث إعادة بناء الأمة وصناعة موقعها المناسب لتقوم بدورها التاريخي تجاه الإنسانية؛ أي هو عمل يحتاج إلى طول نفس وعمق نظر يؤديان إلى تأسيس خطة متئدة تتحقق فيها العلاقة الواضحة والبانية والمتكاملة بين العمق الاستراتيجي المصيري والعمل القطري. وقاعدة ذلك هو بناء جماعة المسلمين التي قطبها قيادة إحسانية ورجالها المؤمنون والمؤمنات. ومفهوم الجماعة هنا يأخذ معنيين متكاملين متساوقين:

   الأول: الجماعة المخاطبة في القرآن الكريم، وجامعها الولاية الخاصة بين المؤمنين المجاهدين.

   والثاني: الجماعة التي لحمتها الولاية العامة بين المسلمين حيث تُستمد قيمة ومعنى “الميثاق الإسلامي” الذي تقترحه الجماعة للخروج من ضيق النفق الذي أدخلت إليه الشعب المغربي السياسات السابقة.

   وما ينبغي التنبيه إليه هنا أنه لا يعني أن جماعة العدل والإحسان تعالج الواقع المغربي وتحلله بناء على المعطى الخارجي أيا كان، وإنما وضوح الاقتراح المنهاجي في كون المرحلية والتدرج في عرض مشروعها وتنزيله على أرض الواقع، مراعاة لحجمه وأبعاده، إنما هو ضرورة علمية وعملية، لأن معركة البناء تحتاج إلى وقت وأجيال. وما ينبني على هذا بيان خطأ من اعتقد أن جر الجماعة إلى حلبة الانتخابات وأن تسلم بقواعد اللعبة النظامية في المغرب وأن تصبح حزبا من الأحزاب هو الحل لعلاقة الجماعة مع النظام السياسي المحلي، وكأن المعضلة تتمثل في كون الجماعة تقف موقفا واضحا من طبيعة هذا النظام لمجرد الترف السياسي والتمايز المجاني.

   إن الموقف السياسي للجماعة من هذه الطبيعة الاستبداية يتأسس على قراءة عميقة لمعطيين تاريخيين:

   فالأول يتعلق بموقع الحكم وما فعله الحكام عبر التاريخ الإسلامي. وتلخص القراءة المنهاجية ذلك في الانفصال النكد بين الدعوة والدولة وهيمنة هذه الأخيرة على الأولى.

   إنها صورة غريبة لم تترتب عليها إلا الغرائب؛ فأن يهيمن الفرع على الأصل ويوجهه إلى درجة أصبحت معها عملية التفكير بواسطة العقل العربي والإسلامي لم تستطع التخلص، غالبا، من تبعات هذه الصورة الغريبة؛ وهو ما يفسر المواقف الإسلامية المترهلة كما العنيفة اليوم من قضية الحكم وموقعه في مسيرة الأمة وعلاقته بالقضية الأصلية الوجودية لها؛ أي الدعوة من حيث هي جوهر الوجود وحقيقة الوظيفة التاريخية والإنسانية، ومن حيث هي مؤسسات مجتمعية كلية وفرعية فاعلة في حركة المجتمع عموما..

   أما الثاني: فيتعلق بطبيعة بناء الدولة الحديثة في المغرب وعلاقتها بالنظام السياسي؛ إذ صارت ماهية الدولة هي ماهية هذا النظام، مما شكل معضلة سياسية واجتماعية متعددة الأبعاد تجلت في تعقد العمل السياسي والمجتمعي في المغرب، بحيث كل عمل سياسي محلي لا بد وأن يكون منضبطا أو خادما لقواعد اللعبة النظامية التي لم تظهر إلى الوجود من خلال واقع الحرية والقانون، بل من خلال تجربة النظام السياسي في التحكم الكلي في حركات وسكنات المؤسسة والفرد في المغرب. ولذلك، فكل حركة تبنت التغيير ابتداء لابد وأن يفضي بها الفعل السياسي من جهتها أو من جهة النظام السياسي إلى التسليم بتلك القواعد النظامية والعمل وفقها جزئيا أو كليا.

   إن هذا الأمر لم ينطبق على تجربة جماعة العدل والإحسان، ليس لأن الزمن الذي شغلته حركتها، مع خبرتها في التعامل مع الواقع، لم يفضيا بها إلى التسليم، ولكن لأن تجربتها في العمل السياسي تنطلق من قواعد وأهداف ومقاصد جديدة أسست لتجربة جديدة في العمل السياسي والمجتمعي.

   ربما لم يستوعب هذه التجربة الواقع المعيش والطبقة السياسية والمفكرة التقليدية، ولكن حركة مشروع العدل والإحسان الذاتية والميدانية قادرة على أن تصنع الفضاءات المناسبة والمقاومة والمحافظة على أصل وجوده، إذ ثبت بما مر من زمن حركة الجماعة في الواقع اليومي، مع الوضوح الكامل في الفهم والسلوك لدى أعضاء الجماعة ومؤسساتها، أنها تجربة فعلت فعلها في الواقع السياسي والمجتمعي والفكري والثقافي في المغرب وخارجه. مما يعني أن المشروع الذي يشتغل على قواعده وبه تنظيم جماعة العدل والإحسان يتوفر على العناصر القادرة على اختراق الواقع والعمل على إعادة بنائه رغم الحصار الذي صحب هذه التجربة منذ بداياتها إلى الآن، ولاشك أنه سيتمر حتى التحرير الكامل للمواقع التي هيمن عليها الاستبداد والظلم منذ عقود، بل قرون خلت.

   إن عمق مشروع العدل والإحسان، الذي موضوعه الإنسان، وهذه مسألة بالغة الأهمية، يتحرك في الواقع ليس استجابة لحاجات لحظية ومكانية صرفة حيث تنتهي حركته بتحقيقها أو باستحالة التحقيق، وإنما يبحث في الجواب عن الحاجات اللحظية والمكانية وفق نظر ممتد إلى أبعد مستوى للتأثير وإعادة بناء نظام دولي قائم على العدل والإحسان. بل ويتجاوز ذلك بعلم إلى الوقوف بالإنسان الفرد على مصيره بعد الحياة الدنيا.

   ومعنى هذا أن جواب العدل والإحسان عن السؤال السياسي والمجتمعي الآني إنما ينطلق من ضرورة خدمته للغاية الإحسانية بمعناها الفردي المتعلق بالمصير الأخروي، وبمعناها الجماعي المتعلق بضرورة صناعة نظام دولي قاعدته أمة قوية قادرة على تبليغ رسالة الرفق والرحمة إلى العالمين، وخاصة المستضعفين منهم، ومقاومة الاستكبار المتسلط على رقاب الناس فسادا فيهم وفي الكون المحيط بهم المسخر لهم من جناب الخالق عز وجل ليعيشوا كراما أحرارا.

   إن هذا النظر البعيد الذي يدور عليه مشروع العدل والإحسان لا يؤدي إلى أي حرج حيث تنتظم حركته في فعل متئد ومتدرج و مصابر ومغالب وواع بحقيقة الثمن على ذلك وبآفاقه ووسائله وإمكاناته.

   فما هي الأبعاد الدولية لمشروع العدل والإحسان التي تجعله أكبر، بل ولا مقارنة مع واقع استبداد مقيت لا يتوفر إلا على نظر أضيق من النفق الذي أوصل إليه الأمة؟

   ذلك ما ستبحث فيه الفقرة الموالية إن شاء الله تعالى مستحضرة دقة تنظيم العدل والإحسان، بتوفيق الله تعالى، في تحديد الهدف القريب وإصابته علميا وعمليا حين النظر في واقع الشعب المغربي الذي عانى ويعاني من القهر والحرمان والفقر.

– يتبع –