يقول الشاعر مبرزا ضرورة الحكم ومبينا أنواعه وظروف وشروط صلاح الحكم أو فساده:لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهـم *** ولا سراة لهم إذا جهالهم سادوا

تهدى الأمور لأهل الرأي ما صلحت *** فإذا فسدت فبالأشرار تنقـــاد

   أكتب هذه المقالة في محاولة لرفع اللثام عن خلفيات ما أقدم عليه مخزننا في هذه الأيام من تصرفات رعناء لا مسؤولة في حق جماعة “العدل والإحسان” تجلت في الاعتقالات التعسفية والاقتحامات الليلية اللاقانونية وعمليات النهب والسطو والاعتداءات على المومنين والمومنات وممتلكاتهم… إن المتتبع بإمعان لتعاطي المخزن مع “العدل والإحسان” يخلص إلى أنه لا شيء تغير في مخزننا الموقر رغم الشعارات ورغم المساحيق المحلية والمستوردة، فدار لقمان لازالت على حالها، وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟.. والدهر: سياسات المخزن الخرقاء المتتالية.. وأنى للمخزن أن يتغير، لأنه لو تغير لصار شيئا آخر ولم يعد مخزنا..

   فالمخزن له ثوابته في الحكم، الا تتبدل ولا تتغير، فهو يعتقد  خاطئا – أن شعبا جاهلا، أميا، ربي على الخضوع والاستسلام وعلى قول ” نعم ” تسهل قيادته، ولذلك عمل على احتضان الأمية ونشر الجهل وإقامة العراقيل في سبيل طلب العلم ونشر المعرفة (50 سنة من الاستقلال والمغرب يحتل رتبــة ” مشرفة ” في نسبة الأمية…)، ووظف كل طاقاته ليكرس ذهنية القطيع في أوساط الشعب.. ويظـــن – أي المخزن – أن أمة مشتتة الولاءات يسهل إحكام القبضة عليها، ولذلك فرخ أحزابا وعمل على انشقاق أخرى وضرب بعضها ببعض، واستمال قيادات وأسقط زعامات واشترى ذمما.. ويحسب ـ المخزن ـ أن شعبا فقيرا مفقرا يسهل إذلاله وبالتالي التحكم في توجيه ولائه (سياسة “جوع كلبك يتبعك” رحم الله الحسن فقد نسي أن الكلب المجوع قد يأكل مجوعه إذا اشتدت عليه وطأة الجوع) ولذلك عمل على احتكار الثروة وتركيز الامتيازات… ويظن – المخزن – أن شعبا تحفه الموبقات وتنتشر فيه الرذائل يسهل تركيعه وإمساكه من تلك الشهوات للتحكم في ولائه، ولذلك عمل على نشر الرذيلة وحماية الفساد والترويج للدعارة ومحاربة كل محاولة للتقويم والتوجيه.. ويعتقد – المخزن – أن أمة خائفة مرهوبة مرعوبة لا يمكنها التوحد ولا تقدر على الفعل الإرادي لذلك سعى لإرهاب الناس وتخويفهم وتشكيك بعضهم في بعض بترويج مقولات من مثل: “للحيطان آذان” و”المخزن بحر” و”اهرب إلى المخزن خير من أن تهــرب منه”… وما يعترف به المخزن الآن من تاريخه الأسود ليُظهر ثقل الموروث السياسي لهو خير دليل على ما نقول، وإن كان لا يشكل إلا غيضا من فيض ظلم المخزن وإرهابه… وثابتة الثوابت عند المخـزن وجوهر سياسته أن يبقى الناس له عبيدا، وهو لهم إله: فقوله فصل، وحكمه عدل، وعطاؤه محض مـنَّ، وكل ما يخدم هذه الثابتة ويتفرع عنها فهو من أسس حكم المخزن وثوابته. وكل من يخدم هذه القاعــدة ويثبتها فهو من الرعايا الأوفياء والعبيد الأتقياء، وكل من يحاول إخراج الناس من ربقة هذا الرق فهو للمخزن عدو بالتالي يجب أن يحاصر ويحارب ويهمش ويشوه مهما كلف ذلك من ثمن. وقد يذهب بالمخزن حاله، دفاعا عن ثابتة حكمه ونصرة مذهبه في قيادة الناس أن تصدر منه أعمال متناقضة ومواقف متضاربة كالذي حصل ويحصل له بالضبط مع جماعة ” العدل والإحسان ” التي جاءت بمشروع مناقض تماما لمشروع المخزن، اختصره أحد جنود الحركة الإسلامية الأوائل، ربعي بن عامر حين قال لرستم: “إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضِيق الدنيا إلى سعة الدنيا والاخرة، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام”.

   فالجماعة معترف بها وغير معترف بها، فهي معترف بها إذ برأ القضاء المغربي كل الإخوان الذين قدموا بتهمة الإنتماء إلى جماعة غير معترف بها وقضت المحاكم المغربية – وهي التي تصُدر أحكامها باسم رأس المخزن – بقانونية الجماعة وشرعية أنشطتها.. وهي غير معترف بها إذا بدا له أن يهاجم بيوتها وينهب ممتلكاتها ويعرقل أنشطتها.

   ثم ها هو ينفق الملايير لتجميل وجهه المجعد أمام المنتدى الدولي، “فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون” (الأنفال 36).. ثم يأتي بتصرفاته الخرقاء ليهدم ما بناه، وبئس البناء.

   ثم ها هو يدعي طي صفحة الماضي وتسريح كل معتقلي الرأي ويعوض ضحاياه ويحتفظ بطلبـة “العدل والإحسان” وراء القضبان يقضون ربيع عمرهم بتهمة أول من يعلم أنها ملفقة هو صاحب مفاتيح السجن: مخزننا.. حيى الله طلبتنا، وجزاهم الله عنا وعن الأمة خيرا.

   ثم ها هو ذا مخزننا المبجل – بتبجيله لنفسه – يرفع شعار “الحداثة والديمقراطية” بل ويجعله مشروعه، وينفق على الترويج له بسخاء حاتمي موظفا شركاءه السياسيين في لعبة قذرة يتحكم هو في كل أدوارها، ليروجوا معه للشعار، فلما قالت الجماعة بأن الديمقراطية لا يمكن أن ترسى في ظل حكم مستبــد ودستور ممنوح يركز كل السلط في يد شخص واحد، قامت قيامته وشركاءه ليرموا الجماعة في شخص السيدة ندية ياسين – زادها الله رفعة وسؤددا – عن قوس واحدة، ليوهموا أنفسهم بإجماع يذكر باتفاق المـلأ واجتماعهم على محاربة الدعوات الصالحة، ويصفوا الجماعة بالشذوذ شذوذ يذكر بغربة الدعوات الصالحة في بداياتها قبل النصر والتمكين والفتح المبين.. “فعلى الله توكلت، فأجمعوا أمركم وشركاءكم، ثم لا يكن أمركم عليكم غمة. ثم اقضوا إلي ولا تنظرون” (يونس 71).

   ثم ها هو مخزننا المحترم – باحترام أذنابه له – يعتبر رؤى المومنين المتعلقة بالخير الذي يأتي قبل انصرام 2006 مجرد خرافات وترهات ويحرك ويؤلب كل خصوم الجماعة للترويج لذلك.. ثم تراه يفعل كل ما في جهده ليعرف ما سيقع في 2006 بالضبط، ومتى بالتحديد (جل أسئلة المستنطقين في الاعتقالات تذهب هذا المنحى).

   أكتفي بهذه الأمثلة حتى لا أطيل، لأن تاريخ الجماعة منذ “الإسلام أو الطوفان” شاهد على زور إدعاءات المخزن وفاضح لطبيعة نظامه السياسي، ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، ثم مناسبة ما ذكرت بما سيأتي هي ذكر الأصول قبل الفروع لرد الأخيرة للأولى حتى تتضح الصورة ويزول الإشكال.

   أما بعد، فإن الهيستريا التي أصابت المخزن فألجأته إلى هذه التصرفات الحمقاء المتمثلة في الهجومات الشرسة على مجالس الذكر والنصيحة وتشميع البيوت بعد نهب ما يمكن نهبه وتكسير ما بقي، ثم اعتقال مئات الإخوة والأخوات لاستنطاقهم ثم إطلاق سراحهم بعد ذلك وإرسال المقدمين والشيوخ وكل أعوان السلطة وعيونها للتجسس والتحسس على أنشطة المومنين والمومنات، إن هذا كله لا يخرج عن سابق ما قلناه في علاقة المخزن بالجماعة وإن اتسم هذه المرة بالعرامة والشراسة، وتميز بالظرفية الحساسة دوليـا ومحليا، ويعتبر كرد فعل منسجم مع عقيدة المخزن على “تكثيف” الجماعة لأنشطتها – والجماعة بحمد الله تصنع الفعل والمخزن مع الجماعة قد تخصص في صناعة رد الفعل – ولا بد لرد الفعل أن يكون بنفس شدة الفعل وفي المنحى المعاكس كما هو مقرر في الفيزياء (قانون الفعل ورد الفعل) فالجماعة تكثف من أنشطتها الدعوية التواصلية التعريفية، والمخزن يكثف من أنشطته القمعية النهبية الاعتدائية – وكل إناء بما فيه ينضح – والجماعة قد وزعت – بحمد الله – مئات الآلاف من المطويات والأشرطة التعريفية بتاريخها الحافل بالعطاء ومنهجها الرفيق الشامل في الدعوة، فلا بد للمخزن أن يوزع آلاف الهراوات على زبانيته ليفزعوا بها المومنين.

   والجماعة عقدت مئات الموائد الحوارية واللقاءات التواصلية والمخزن عقد مئات الجلسات الاستنطاقية والمداهمات الليلية وهكذا..

   ثم أما بعد، فبعد أن أوضحنا فلسفة الحكم عند مخزننا، واستراتيجيته في التعامل مع من يعارضه خاصة جماعة “العدل والإحسان” وبينا أن مخزننا منسجم مع نفسه.. لا بد أن نبحث في الأهداف القريبة وراء الحملة المسعورة الأخيرة أي على المستوى التكتيكي.. بعد التأمل نرى أنها لا تخرج عن أربعة:

      . الإجهاز والقضاء على الجماعة؛

      .. الضغط على الجماعة للدفع بها نحو انفلاتات وانزلاقات تمارس من خلالها العنف؛

      … إرضاء الشركاء الأذناب المحليين والشركاء الأسياد الخارجين؛

      …. الضغط لأجل العرقلة وتحجيم أنشطة الجماعة.

   المهم مهما يكن لمخزننا من نية فإنني أصيح في أذنه ولا أهمس، أَََنَسيت التاريخ أم أذكرك أنك سبق لك أن حاولت كل هذا وغيره مع الجماعة وأنت في أوج قوتك وجبروتك والجماعة لا تزال قليلة العدد ضعيفة العدة إلا من الإيمان بالله واليقين في نصره، فما استطعت شيئا وما حققت هدفا بل كانت النتائج عكس ما رجوت وضد ما توقعت، فكيف تحاول ذلك مرة أخرى وأنت في أزهى أيام ضعفك وهوانـك وأقصى درجات تفككك وإدبار الزمان عليك، والجماعة في أوج قوتها وصعودها بفضل الواحد المنان ؟…

   أم أذكرك بالوحي فأحيلك على قوله تعالى: “ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنت الأعلون إن كنتــــم مومنين” “لن يضروكم إلا أذى. وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار. ثم لا ينصرون” وقوله عز من قائل: “إن الله يدافع عن الذين آمنوا. إن الله لا يحب كل خوان كفور. أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا، وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله. ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيا اسم الله كثيرا. ولينصرن الله من ينصره. إن الله لقوي عزيز” وقوله سبحانه: “إننا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار” وقوله تعالى: “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ” وقوله سبحانه: “الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكن فاخشوهم فزادهم إيمانـا. وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله. والله ذو فضل عظيم” صدق الله العظيم. وللمخزن أن يسأل ديدان قرائه عن تفسير هاته الآيات.

   كما نذكرك برؤى المومنين الخاصة بـ2006.. والرؤيا من الوحي. والرؤيا كلام يكلم به العبدَ رُّبه.. والرؤيا جزء من النبوة.. والرؤيا حق، وتواطؤ رؤى المومنين الخاصة بفتح ونصر وخير 2006 تفيد التواتر وبالتالي العلم اليقين. ولله الأمر من قبل ومن بعد.. ولا حول ولا قوة إلا بالله. “ألا إن موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب” “ويرونه بعيدا ونراه قريبا” “ويومئذ يفرح المومنون بنصر الله، ينصر من يشاء. وهو العزيز الرحيم” “وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مومنين، ويذهب غيظ قلوبهم. ويتوب الله على من يشاء. والله عليكم حكيم”. والسلام على من اتبع الهدى.