مقدمة:

   من خصائص النفس البشرية الانتصار للنفس والكبرياء والنزوع إلى التقليل من شان الآخر. والمؤمن في سلوكه إلى الله عز وجل مطالب بالتخلص شيئا فشيئا من رواسب هذه الأنماط السلوكية والتحلي بنقيضها من الصفات التي ذكرها الله عز وجل في القرآن الكريم، وحث عليها رسوله الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم في الأحاديث النبوية الشريفة. ومن الصفات التي ترفع المؤمن إلى المقامات العليا صفتا كظم الغيظ والعفو عن الناس. قال تعالى في الآيتين 133 و134 من سورة آل عمران: “سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين”.

فما معنى كظم الغيظ؟   الكظم لغة: حبس الشيء عند امتلائه، والغيظ: توقُّد حرارة القلب من الغضب. والكاظمون الغيظ هم الحابسون أنفسهم عن الاستجابة لبواعث الغضب وتنفيذ ما يقتضيه. وكظم الغيظ اجتراع الغضب الكامن في الصدر وامتلاك النفس.

   إن كظم الغيظ والعفو عن الناس من أمهات محاسن الأخلاق؛ ولم يبلغ كمال الاعتدال فيهما إلا الرسول صلى الله عليه وسلم. ومن أراد الاقتداء به والقرب منه ومن الله عز وجل، فليتحل بهاتين الخصلتين. أما من اتصف بأضدادهما فهو قريب من الشيطان اللعين الرجيم. ورد في بعض الآثار “يقول الله تعالى: يا ابن آدم اذكرني إذا غضبتَ، أذكرُكَ إذا غضبتُ فلا أُهلكَكَ فيمن أُهلِكُ” رواه ابن أبي حاتم.

من مظاهر كظم الغيظ:   العفو عند الخصام:

   أخرج الإمامان أحمد وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رجلاً شتم أبا بكر والنبي صلى الله عليه و سلم جالس يتعجب و يبتسم، فلما أكثر ردّ عليه بعض قوله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، فلحقه أبو بكر قائلاً له: يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبتَ وقُمتَ !!. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كان معك مَلَك يرد عليه، فلما رددتَ عليه وقع الشيطان يا أبا بكر ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظُلِمَ بمظلمة فيُغضي عنها لله عز و جل إلا أعزَّ الله بها نصره و ما فتح رجل باب عطِيَّة يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قِلَّة”.

   والعفو عند الخصام قد يتجلى أيضا في صمت المظلوم، وهذا يعد من مكارم الأخلاق. فقد روى ابن عباس أن رجلا من المشركين شتم أبا بكر فلم يرد عليه شيئا. فنزلت الآية ( والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس).

   مقابلة السوء بالخير:

   لا نكاد نجد اليوم من يقابل السوء بالخير إلا ضمن من تربوا تربية إيمانية على يد عارف بالله أو مصحوب؛ إذ المعهود أن من يفعل هذا يعتبر جبانا أو ساذجا. ولنا في السلف الصالح إسوة حسنة في خصوص هذا الأمر. أخرج ابن عساكر عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خيار أمتي خمسمائة والأبدال أربعون، فلا الخمسمائة ينقصون ولا الأربعون ينقصون، كلما مات بدل أبدل الله من الخمسمائة مكانه وأدخل في الأربعين مكانهم، فلا الخمسمائة ينقصون ولا الأربعون ينقصون، فقالوا: يا رسول الله! دُلَّنا على أعمال هؤلاء، فقال: هؤلاء يعفون عمن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويواسون مما آتاهم الله، وتصديق ذلك في كتاب الله: (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين).

   مظاهر الغيظ الجسدية والنفسية:

   والغيظ يؤثر على الجسد والنفس في آن معا. فمن الناس من يظهر عليه احمرار الوجه والعينين، ومنهم من يصفر لون بشرته من أثر انقباض الدم. والأثر على اللسان أقبح من نظيره على الوجنتين إذ ينطلق بالشتم والفحش الذي يستحي منه العاقل ويندم قائله عند سكون الغضب. وأما الأثر على اليدين والرجلين فأسوأ إذ ينطلقان في الضرب والرفس وهذا منتهى الجنون. وتأثير الغيظ على الباطن أشد من تأثيره على الظاهر، لأنه يولد الحقد في القلب والحسد وإضمار السوء على اختلاف أنواعه.

   لا تغضب !!!

   والنبي صلى الله عليه وسلم علم صحابته معانيَ القوة والشدة. روى الشيخان عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”. وروى ابن حبان الحديث نفسه مختصرا: “ليس الشديد من غلب الناس، إنما الشديد من غلب نفسه”. وكان عليه الصلاة والسلام ينهاهم عن الغضب وطلب الانتقام والحمق. فعن حميد بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رجل: “يا رسول الله، أوصني. قال: لا تغضب. قال: ففكرت حين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال، فإذا الغضب يجمع الشر كله” رواه أحمد.

فضل الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس:   – أعد الله لهم نعيما مقيما جنات عرضها السماوات والأرض يتمتعون فيها كيف يشاءون. أخرج الإمام أحمد عن معاذ بن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال “من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق حتى يخيرَه من أي الحور شاء”. واخرج أبو منصور الديلمي عن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “رأيت ليلة أسري بي قصورا مستوية على الجنة فقلت: يا جبريل لمن هذا؟ فقال: للكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين”.

   – يرفعهم الله عز وجل إلى مقام المحسنين ويشرفهم. والآية دليل على ذلك “والله يحب المحسنين”، فهذا من مقامات الإحسان. وروى الحاكم في مستدركه من حديث أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات، فليعف عمن ظلمه، ويعط من حرمه، ويصل من قطعه”.

   – يدخلهم الجنة بغير حساب. روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان أجره على الله فليدخل الجنة فيقال من ذا الذي أجره على الله فيقوم العافون عن الناس يدخلون الجنة بغير حساب”.

   – يملؤهم الله إيمانا وأمنا. عن أبي هريرة رضي اللّه عنه في قوله تعالى: “والكاظمين الغيظ” أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: “من كظم غيظاً وهو يقدر على إنفاذه ملأ اللّه جوفه أمناً وإيماناً”.

أوَّلُ الصبر:   أكد المرشد الأستاذ عبد السلام ياسين في الشعبة السادسة والستين من شعب الإيمان (الصبر وتحمل الأذى  المنهاج النبوي) على أن ” الطباع الضيقة لا تتسع للهمة العلية ولا لجلائل الأعمال. وإنما تكون الرجال رجالا بسعة الصدر والحيلة وارتفاع النظرة وسمو الفكرة”. ثم بين أن “أول الصبر القدرة على كظم الغيظ وطرد الشيطان حين ينفخ في مناخير المرء يستحثه على الغضب للنفس. أما الغضب لله فهو المطلوب”. هذا سيكون حال جند الله ساعة يفتح الله على عباده المؤمنين، فيكون عليهم مواجهة طباع بني البشر ومنهم الحاقد والمغالي والمستعجل والساخر والكسول. نسأل الله تمام العافية.

وصفتان نبويتان لكظم الغيظ:   الوضوء:

   أخرج أبو داود عن أبي وَائِلِ الْقَاصّ قالَ: ” دخَلْنَا عَلَى عُرْوَةَ بنِ مُحَمّدِ ابنِ السّعْدِيّ فَكَلّمَهُ رَجُلٌ فأَغْضَبَهُ فَقَامَ فَتَوَضّأَ ثمّ رَجَعَ وَقَدْ تَوَضّأ،َ فقالَ حدّثنِي أَبِي عن جَدّي عَطِيّة قالَ: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: إِنّ الْغَضَبَ مِنَ الشّيْطَانِ، وَإِنّ الشّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النّارِ، وَإِنّمَا تُطْفَأُ النّارُ بالمَاءِ، فإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُم فَلْيَتَوَضّأْ”.

   تغيير الهيئة:

   روى الإمام أحمد عن أبي ذر قال: كان يسقي على حوض له فجاء قوم فقالوا: أيكم يورد على أبي ذر ويحتسب شعرات من رأسه؟ فقال رجل: أنا، فجاء الرجل فأورد عليه الحوض فدقه، وكان أبو ذر قائماً فجلس ثم اضطجع فقيل له: يا أبا ذر لم جلست ثم اضطجعت، فقال: “إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضطجع”.